إقتصاد

بوالص التأمين على الدَين اللبناني فضيحة

البعض شعر بالخيبة، بعدما تبيّن انّ رزمة القروض السكنية التي يطلقها مصرف لبنان لن تتجاوز قيمتها الاجمالية الـ200 مليون دولار، وأسعار الفوائد قريبة من 6 في المئة. لكن الواقعية تفرض التأكيد انّ الخطوة لا يُستهان بها، خصوصاً انّ رزمة قروض إنتاجية واكبتها، في ظروف مالية لا تسمح في الاساس بدعم أي نوع من أنواع القروض. كثيرون لم يقرأوا جيداً ما يجري على المستوى المالي في البلد. ولا تزال مقولة يهتزّ ولا يقع (المقصود البلد)، شائعة في الاوساط الشعبية. واذا كانت هذه المقولة غير ضارة لأنها قد تشكّل قناعة لدى الرأي العام تخدم الوضع المالي، لأنها تُبعد خطر الذعر، وردود الفعل التي قد يقوم بها أي مودع اذا ما شعر بالخوف من الانهيار، إلّا أنها «قاتلة» عندما تكون قائمة لدى المسؤولين ومَن في يدهم القرارات. لأنّ هذه القناعة غير الدقيقة في الاساس، تدفع السلطة، أي سلطة، الى التعاطي مع الوضع المالي والاقتصادي المترنّح، على أساس أنه مجرد أزمة، لكن الانهيار لن يحصل لأنه ممنوع. من قال انه ممنوع؟ ومن قدّم ضمانات الى هؤلاء؟ لا جواب عن هذه الاسئلة، ليس لأنهم لا يعرفون، بل ببساطة لأنّ هذه المقولة غير صحيحة، ولا ضمانات في هذا الموضوع. إنطلاقاً من هذا الواقع، يمكن تقييم مبادرة مصرف لبنان لإطلاق قروض سكنية وإنتاجية مدعومة. وهي تأتي في ظروف مالية، أقل ما يُقال فيها انها أصبحت في المنطقة الحمراء، وقريبة جداً من الكارثة. ولا شك في انّ تحديد اسعار الفوائد لهذه القروض هو إنجاز، تماماً كما أنّ اسعار الفوائد القائمة حالياً هو إنجاز أيضاً، مقارنة بأسعار الفوائد القائمة في دول تصنيفها الائتماني، وظروفها المالية والاقتصادية شبيهة بلبنان. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، تبلغ اسعار الفوائد على السندات المصرية آجال 3 أشهر، 19,18%. كذلك تأتي رزمة القروض المدعومة، في وقت انخفض التصنيف الائتماني للبنان، حسب وكالة «موديز» الى فئة الـC، والتي تعني وفق المفهوم السائد عالمياً، انّ اسعار الفوائد سترتفع حتماً. الى ذلك، قد يكون المؤشر الأخطر، والذي يدفع الى القول انّ مجرد صدور رزمة قروض مدعومة إنجاز في حد ذاته، ما يجري على مستوى أسعار الـCDS (Credit Default Swap)، والتي وصلت الى مستويات قياسية مقلقة. ويعتبر مؤشر CDS من أهم وأدق المؤشرات المعتمدة عالمياً في قياس المخاطر الائتمانية. وهو شبيه بمؤشّر اسعار بوالص الضمان التي تعتمدها شركات التأمين العالمية في الشحن. كلما زادت مخاطر الحروب والاضطرابات في منطقة ما، ارتفعت اسعار بوالص التأمين، حتى صارت هذه الاسعار مؤشراً معتمداً بالنسبة الى مستويات الأخطار القائمة في أي منطقة في العالم. بالنسبة الى الـ CDS، سجّل لبنان أسعاراً قياسية وصلت في نهاية العام 2018 الى 746 نقطة. وهو بذلك تفوّق على كل دول المنطقة تقريباً، وبات الدولة التي يتم التعاطي مع سنداتها على اساس انها الاكثر خطراً، والتأمين عليها بات يكلّف مبالغ كبيرة. وهذا يعني انّ كلفة التأمين على السندات اللبنانية وصلت الى حوالى 746 الف دولار سنوياً، لضمان سندات دين بقيمة مليار دولار. وهذا يعني، على سبيل المثال، انّ المؤسسات الدولية التي تحمل ما يوازي 4 مليارات دولار من السندات، باتت تدفع سنوياً حوالى 3 ملايين دولار، فقط لشراء «بوالص تأمين» (CDS)، لحماية محفظتها. في حين، انّ كلفة ضمان مبلغ المليار دولار من سندات تصدرها الكويت او دولة الامارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، تبلغ فقط 66 الف دولار سنوياً. واذا افترضنا اننا نريد شراء «بوالص» CDS لكامل الدين اللبناني، فإنّ الكلفة السنوية ترتفع الى حوالى 65 مليون دولار. ومن الملاحظ انّ مؤشر الـCDS هو الأكثر ارتفاعاً بالنسبة الى السندات اللبنانية مقارنة مع سندات كل دول المنطقة. ومن الملاحظ أيضاً انّ السندات العراقية، رغم انها دولة منتجة للنفط وغنية، تأخذ المسار نفسه للسندات اللبنانية، ولَو بوتيرة أبطأ. وفي حين انّ مؤشر الـ CDS للسندات العراقية ارتفع من 424 نقطة في نهاية العام 2017 الى 502 نقطة في 2018، أي بارتفاع نسبته حوالى 19%، فإنّ سندات لبنان انتقلت من 520 نقطة في نهاية 2017 الى 746 نقطة في نهاية 2018، بارتفاع نسبته حوالى 35%. بين العراق ولبنان قاسم مشترك واضح. هكذا كان يردّد احد الاعلاميين العراقيين الذي سُئل من قبل إعلامي لبناني: كيف الوضع عندكم في العراق؟ فأجاب: مثل وضعكم تماماً. البلد مسروق.

الاقتصاد العالمي في 2019.. إبحار في الظلمات

ربما يجد كثيرون من المتابعين للشأن الاقتصادي العالمي أن أغلب التقارير الاقتصادية بشأن العام الجاري تتسم بالتشاؤم أو النظرة الحيادية على أحسن تقدير. وتتناول العديد من هذه التقارير الآفاق الاقتصادية، بما فيها التقرير الصادر عن البنك الدولي، بصورة "قاتمة" مستندة في ذلك إلى النتائج الاقتصادية التي أفرزها العام المنصرم. وبحسب تقرير "الآفاق الاقتصادية العالمية" الصادر عن البنك الدولي، فإن التجارة والاستثمار سيتراجعان عالميا فيما يستمر التوتر التجاري، بعد أن تعرضت العديد من الأسواق الناشئة إلى ضغوط مالية شديدة في العام 2018. ووفقا للتوقعات، فإن العام الجاري سيشهد ثباتا على صعيد النمو في الأسواق الناشئة والدول النامية، وفي المقابل سيتراجع الانتعاش وكذلك النمو في العديد من الدول. وبينما يرتفع سعر الفائدة في المصارف والبنوك الكبرى في الدول المتقدمة، فإن الدول النامية والفقيرة ستصبح أكثر ضعفا، فتجد الأموال طريقها إلى تلك البنوك هربا من الظروف الاقتصادية المتوترة والمرتبكة. ويشير التقرير أيضا إلى أن مستويات الدين تتزايد وترتفع، الأمر الذي يؤدي إلى تنامي القلق في العديد من الدول منخفضة الدخل، التي تمكنت في الأعوام الأخيرة من الحصول على مصادر تمويل جديدة. وارتفعت نسبة الدين الحكومي إلى إجمالي الناتج المحلي في البلدان منخفضة الدخل من 30 إلى 50 في المئة خلال السنوات الأربع الماضية. وتوقع البنك الدولي أن يتباطأ النمو العالمي إلى 2.9 في المئة في 2019، مقارنة مع 3 في المئة في 2018، مرجعا ذلك إلى تصاعد التوتر التجاري وضعف حركة التجارة العالمية. وبالنسبة إلى معدل النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن توقعات البنك الدولي تشير إلى أن هذ النمو سيرتفع خلال العام الجاري بنسية 1.9 في المئة، رغم أن النمو في التجارة العالمية سيتراجع. ووفقا للتقرير فإن مصر ستحقق واحدا من أعلى نسب النمو في المنطقة في العام 2019 بوصوله إلى 5.6 في المئة، بينما سيتراجع في الجزائر إلى 2.3 في المئة، وهي نسبة تقل عن نظيرتها في كل المغرب وتونس التي يعتقد أنها سترتفع إلى 2.9 في المئة. وفي دول الخليج العربية، سيرتفع معدل النمو من 2 في المئة عام 2018 إلى 2.6 في المئة في العام الحالي، مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط، ومن زيادة الاستثمار وإصلاح اللوائح التنظيمية.

Time line Adv
Nametag
loading