الاستدانة ثم الاستدانة في خطاب الحريري... وخيار التغيير الاقتصادي مفقود!

  • محليات
الاستدانة ثم الاستدانة في خطاب الحريري... وخيار التغيير الاقتصادي مفقود!

في مؤتمره الصحافي المخصص للحديث عن نتائج مؤتمر الاستدانة الملقب «سيدر» وأبعاده، شرح رئيس مجلس الوزراء، سعد الحريري، المسألة على الشكل التالي: «من دون القروض (الخارجية) الميسرة، سنكون مضطرين للاستدانة من الأسواق (المحلية) بفائدة تتعدى 7% (...)، فإذا أردنا أن ننفذ كل المشاريع (التي تقدّمت بها الحكومة في هذا المؤتمر) عبر دين محلي (إضافي) قيمته 11 مليار دولار، سننتهي بعد 10 سنوات إلى تسديد 20 ملياراً (الأصل والفائدة) إلى البنوك المحلية، إن لم يكن أكثر. في حين أننا بحصولنا على قروض خارجية بفائدة 1.5%، على مدى 30 سنة، سنوفر على الدولة اللبنانية ثلث هذا الدين (أي ثلث الفوائد المتراكمة على الدين الإضافي)».

المسألة إذاً، كما شرحها الحريري بتبسيط شديد، محصورة بالمفاضلة بين الاستدانة من الداخل أو الاستدانة من الخارج، أيّهما أقل كلفة وأطول استحقاقاً. بمعنى، أنّ كل خيار آخر (قد يكون متاحاً الآن) غير الاستدانة هو مستبعد كليّاً، ولا مكان له على جدول الأعمال السياسي. فإما أن نرفع مديونية الحكومة (كما شرح الحريري) من 80 مليار دولار حالياً إلى 140 مليار دولار بعد 10 سنوات (مثلاً)، وإمّا أن نرفعها إلى 135 مليار دولار! أين البطولة في ذلك؟ ولماذا يسلّم الجميع (أو أكثرهم) بمفاضلة كهذه؟ ولمصلحة مَن؟ ففي الحالتين، ستواصل مديونية الدولة تحليقها، من دون سقف، وستواصل استنزاف ما تبقى من سبل العيش لأكثرية المقيمين في لبنان.

يغيب خطاب «التغيير الاقتصادي» تماماً، ويحلّ محلّه خطاب «الإصلاح» المزعوم، أي الخطاب الشائع اليوم، الذي ينادي بـ«إنقاذ» ما هو قائم وموجود، ويعدم كل الخيارات الأخرى، مردّداً العبارة المبتذلة التالية: «من لديه البديل فليتفضّل»!

هذا «الخطاب» نفسه يتكرر منذ بداية تشكّل أزمة تنامي المديونية العامّة، واحتلال خدمتها موقع الأولوية المطلقة في السياسات المعتمدة. فعلى امتداد عقد التسعينيات سادت مقولة أن «الدين العام ليس مشكلة بذاته وإنما المشكلة في حجم الاقتصاد»، وفي المرحلة اللاحقة سادت مقولة أن «نمو الدين العام هو الذي يكبح نمو الاقتصاد». في المرحلتين، بقي خطاب «الإصلاح» نفسه، يبشّر بـ«تكبير الاقتصاد من أجل امتصاص الدين»، ويدعو إلى ما يشبه «التجنيد الإجباري» في خدمة هذا النموذج، الذي لم يؤدِّ، في الواقع الحقيقي، إلّا إلى المزيد من «تقزيم» الاقتصاد والمزيد من «نمو» الدين، ففي حين نما مجمل الناتج المحلي من 5 مليارات دولار في عام 1992 إلى 53 ملياراً في عام 2017، نما الدين العام للدولة (الحكومة + مصرف لبنان) من 3 مليارات دولار إلى 138 مليار دولار، أي من 60% من الناتج المحلي إلى أكثر من 260%، من ضمنه دين حكومي يبلغ حالياً نحو 80 مليار دولار وتستنزف خدمته أكثر من ثلث الإنفاق العام وأكثر من نصف الإيرادات الضريبية وغير الضريبية.

المصدر: الأخبار