التغيير المؤجل

  • مقالات
التغيير المؤجل

بماذا يختلف عهد الرئيس العماد ميشال عون عن عهود نظرائه السابقين الذين تعاقبوا على الازمة اللبنانية منذ انفجارها في العام 1969حتى هذه الساعة ؟ لا شيء حتى الآن ينبئ بالعكس او بان ثمة جديدا قد طرأ على هذا الصعيد ومنها مثلا الكلام على الرئيس القوي وما اليه من كلام مماثل رغم تبدّل الاشخاص والوجوه اضافة الى العزم الذي يرافق عادة ولادة كل  عهد جديد. فالسبب الذي انتج الازمة وفجّرها قبل خمسين عاما ٍلا يزال يمنع الدولة من ان تقوم ، الأمر الذي يجعل البلد والدولة والوطن في أزمة مستديمة، أزمة حكم وازمة نظام، بل ايضا ً أزمة وطن.

 يزيد الامر خطورة ان امكانات الحكم وادواته المتيسرة وصلاحياته باقية اياها ولو تغيّر العهد. فماذا لوكان العهد نفسه يحاول هو ايضا ً ما حاوله السلف ودفع ثمنه من حسابه الخاص كما من حساب الوطن . لقد اصبح الحكم نفسه  يتشكل بالفعل من "شعب وجيش  ومقاومة", او بكلام آخر لقد حلّت المقاومة في صورة صريحة ومعلنة مكان الدولة التي لا يقوم احد مكانها.  ولماذا لا يقال مثلا "الشعب والجيش والدولة"، الدولة   التي  تعني الجميع بل فوق الجميع ، الشعب والجيش ـ والمقاومة متى اقتضى الامرـ  وهي في النهاية تضم ّ المؤسسات كلها التي تستمد وجودها وشرعيتها من وجود الدولة وليس العكس. حتى ليصح القولان تغييب الدولة هو تغييب للمؤسسات كلها .وهل هو مصادفة هذا الانسداد الذي يواكب عملية تشكيل الحكومة؟ 

        والحال اننا أمام عهد هو امتداد  للعهد الذي بدأ قبل خمسين عاما ولا يزال يتكرّر على نحو ادارة عادية لأزمة مستديمة وخطيرة ، او بكلام آخر عشرة عهود والحال اياها : الحلول مكان الدولة اللبنانية في قضايا الحرب والسلم وما يتصل بهما لأن هذه الدولة لا تملك، مثلاً،  ان تقوم مقام العرب والمسلمين جميعا في محاربة اسرائيل، أو لأنها لا تزال تدّعي ان قوة لبنان هي في ضعفه،  فتكفلّت المقاومة الاسلامية المتمثلة في حزب الله ان تقوم بهذا العمل العظيم  على مستوى لبنان بل على مستوى المنطقة العربية والاسلامية كلها. فمقاومة وجود اسرائيل شأن عربي في المقام الاول يعجبنا الامر  او لا يعجبنا . والمتفق عليه عربيا ً هو اعتبار الدولة اللبنانية دولة مساندة لا دولة مواجهة . وفي مطلق الاحوال ليس لأحد ان يقرّر حربا على اسرائيل تقع اكلافها على العرب جميعا او ـ يا للغرابة ـ على لبنان وحده كما كانت "حرب تموز" التي صنفت  كارثة على لبنان بشهادة السيد حسن نصرالله نفسه الذي قال "لو كنت اعرف ان الرد الاسرائيلي سيكون بهذا الحجم لحاذرت الاقدام على ما يصح ّ اعتباره مغامرة . فمن يحاسب من عندما ترتكب مثل هذه الاخطاء في اي بلد من بلدان العالم . المسألة كما طرحها الرئيس الراحل شارل حلو لدى طلوع العمل الفلسطيني في لبنان : لا تستطيع الدولة ان تتحمّل عواقب قرارات لم تشارك فيها لا من قريب ولا من بعيد، فكيف اذا كانت مدرجة الى حرب مدمّرة . ولا يصدّق أحد ان المقاومة الاسلامية التي يتعهدها حزب الله لم ترتكب اخطاء فتاكة اوان كل انتصاراتها انتصارات. فهل من يسأل؟

        تلك هي المسألة المطروحة منذ خمسين عاما ً فكلّفت لبنان حتى الآن عشرة عهود الواحد تلو الآخر، ومنها هذا العهد الذي انقضت منه سنتان وكانت امتدادا ً لعهد سبق اكثر مما هي اطلالة على عهد جديد . الامر الذي يؤكد ان التغييرمؤجّل الى زمن لاحق ، وان اقصى المستطاع حتى الآن هو ادارة الازمة باقل ما يمكن من الاخطاء والتجاوزات والارتكابات، لأن لا مفرّ من الاخطاء والتجاوزات والارتكابات عندما تكون الدولة معطّلة اومغيبة.  وثمة من يقول ان التغيير لن يأتي من فوق وعلى يدالحكم القائم بل من خارج الحكم والسلطة وعلى غرار ما صنعه من قبل لقاء قرنة شهوان يوم كان الانسحاب السوري لا يزال وهما ً.

المصدر: Kataeb.org