الجميّل في تكريم منصور الرحباني: فنّكم دافع للانتفاضة من أجل لبنان الجمال والحقّ

  • كتائبيات

 

كرّم حزب الكتائب اللبنانيّة الكبير منصور الرحباني في احتفال حمل عنوان "نبض الكبار" وأقيم في صالة كنيسة مار الياس إنطلياس بدعوة من رئيس الحزب النائب سامي الجميّل وحضره الى العائلة الرحبانية حشد كبير من الفعاليات الفنيّة.

 

الجميّل رأى ان الكبير منصور الرحباني الذي نحتفل بذكراه اليوم مع العائلة يجسّد لبنان الذي نطمح اليه لبنان معتبرا ان جمال لبنان الرحابنة هو الذي ضحّى في سبيله الشهداء.

 

وقال:"تربّينا على الصورة التي أحبّ الرحابنة ان يقدّموها عن لبنان فهل حلمُنا بلبنان الجميل سيبقى حلمًا أو سيصبح اسطورة او سيتحقق؟ فهذا متوقف على ارادة شعبنا الذي سيقرر ما اذا كان يريد لبنان التعاسة او لبنان الرحابنة".

 

وأضاف متوجّها الى الرحابنة:" بالنسبة لنا، رسمتم هوية لبنان الثقافية، بفضلكم نفتخر بالاغنية اللبنانية وبأن لبنان قدّم أفضل ما يمكن ان يقدمه للعالم العربي على الصعيد الثقافي والفني، متأثر بأن ارى كبارا في القاعة هم رموز وقدوة وبفضلكم لبنان يتفوّق بصورته الجميلة على لبنان البشع الذي يحاول البعض ان يغرقنا فيه" .

 

وتابع الجميّل:"عندما عدت الى لبنان من شجّعنا على الانتفاضة على الامر الواقع هم الجيل الجديد من الرحابنة كما شعر أهلنا بالانتفاضة عينها عندما سمعوا الكبار، فتأثيركم علينا اكبر ومسؤوليتكم ان تستمرّوا في قول الحقيقة".

 

وشدد الجميّل على ان الانتفاضة التي عبّر عنها الاخوان الرحباني في مسرحية "ناطورة المفاتيح" هي الانتفاضة المطلوبة اليوم لكننا لن نغادر منازلنا ولن نسلّم مفاتيح بيوتنا ونريد من الحكام ان يعودوا الى التواضع وحبّ لبنان وحبّ الناس.

 

وقال:" نحن لا نريد الانقلاب ولا تعليق المشانق انما نناشد الحكام العودة الى الضمير والى الحكم الصالح والى الاهتمام بالناس والاقتناع بهموم الناس ونريد منهم ان يتواضعوا" مؤكدا انه لا يمكننا ان نتحمّل العيش ببلد ينهار خاصة ان شعبنا يهاجر.

 

وأضاف الجميّل:"من خلال الرمز الكبير منصور الرحباني نتذكّر رسالتين: اولا حبّ لبنان وجماله وطبيعته والمحبة والطيبة وهذا اللبنان الذي نريد، ثانيا قول الحقيقة والمطالبة الدائمة بمواجهة الظلم كي نبني دولة حق ومساواة ويكون الحاكم فيها قريبا من الناس كما اننا ندعو الحكام الى التواضع والى النظر الى المعاناة" معتبرا ان  لبنان لا يمكنه ان يكمل بمزيد من الاستهتار.

 

وحمّل آل الرحباني مجددا مسؤولية لبنان الجميل والحقيقي وقال:" نعلم ان لبنان لا يُبنى الا بالتضحية ودفعنا الثمن الغالي ولكن لا نريد مزيدا من الدماء والقهر والحزن انما الفرح" داعيا اللبنانيين الى ان يعرفوا ان يختاروا اشخاصا يبنون البلد.

 

ولفت الى ان صوت فيروز يردّنا الى لبنان وهذا اضافة الى رسالتكم ما يجعلنا نتخطى الصعوبات والمأساة مؤكدا انه لن يهزمنا الانتقاد انما سنكمل في بناء لبنان الذي نحلم به.

كما كانت كلمة لنجل المكرم المؤلف الموسيقي الاستاذ أسامة الرحباني الذي قال:"اود بداية ان اشكر جميع القيمين على هذا اللقاء، وقد شاؤوه على اسم منصمر الرحباني، من اجل لبنان، وعلى رأسهم سعادة النائب الصديق الشيخ سامي، الذي ربطت عائلته ومنصور صداقة وتقدير تعودان الى زمن الاستقلال الذي اراده اللبنانيون صنيعتهم.

       واذكر (ذكر القصة بين منصور والشيخ بيار الجميل)

 

       ايها الاصدقاء،

 

نجيء إليه هذا المساء، فيفاجئنا، كما دائمًا، أنه هو الذي يأتي إلينا حاملا معه لنا جديدًا كنّا نظن أنّنا عرفناه. هكذا مسيرتنا معه، كلّما تابعنا عملا، نكتشف فيه كم كان يكتب مرتين:  مرة لزمانه معنا، ومرة لزماننا بعده.

ولمحةٌ سريعة على أعماله ترينا أي مسرح آخر جاء به بعد مسرح الأخوين، لا منفصلا عمّا كان له مع عاصي، إنّما منطلقًا منه إلى تقنيات مضمونية وأسلوبية تجعله جديدًا في المعالجة النصية والموسيقية على حد سواء.

لن أدخل الليلة في التفاصيل، بل سأمّر معكم بإيجازٍ على أعمال منصور كي تتبّينوا كيف وضعها في كتابتين: كتابة الثالوث الأول وكتابة الثالوث الثاني.

 

كتابة الثالوث الاول

ما عاش منصور الا ثالوثيا. فهو منذ  1925 اختار وعاصي ان يعملا بأسم: الاخوين رحباني. وكان هذا الاسم تعبيرا عن رغبة كل منهما في ان يكونا اقنومين لمحيط واحد، ثالث اقانيمهم فكر من شعر ولحن وموسيقى تدفّق هادرا بلا توقف، متوجَا بصوت فيروز الاستنثائي الذي فيه من الجمال ما يضاهي ما في فكرهما من عظمة. فكانت هذه الوحدة بين الكلمة والصوت في ريادة امتدت من "تحت هالارزة لآخر هالدني."

كان احدهما احيانا يكتب، يلحن، والثاني يوزع او العكس. او احيانا اخرى يصحح الثاني للأول او العكس. الأّ انه في كل حين كان احدهما هو على الدوام الآخر، والعكس. كل منهما قائم بذاته ومندمج بالآخر في آن. 

لم يعرف تاريخ الفن، على ما تورد الكتب، ان اختار اثنان ان يُخلي كل احد ذاته للآخر ليصبحا واحدا، كما صنع عاصي ومنصور عطاءهما وعاشاه. ولا سر في ذلك بل فرادة. ففي معرفة الله التي ارتقيا اليه، وهما المؤمنان، صورة لهكذا عطاء هي ما يحدده اللاهوت المشرقي بكلمة   KÉNOSE وترجمتها: ANÉANTISSEMENT اي افناء، وهي تنطبق على الثالوث الذي افنى كل اقنوم فيه ذاته في الآخر فكانا واحدا لا انفصام بينهما.

هذه المسيرة كانت مسيرة خلق ابداع فني على اسم لبنان. لبنان الأرض، والوطن والشعب: ثالوث كُتِب بأحرف من فرح، مجبول بتعب يصل الليل بالنهار، طالع من اختبار انساني لا من صنع اوهام، عماده الحرية، والحق والانسان. لم يكن الوطن الذي اراده عاصي ومنصور صيغةً، اي من صياغة الذهب، غاليا مثله وابدي الديمومة مثله، وطنا اوتوبياً، غير قابل التحقق على ما ينحو الى قوله البعض.

الوطن الرحباني حقيقة وهو من الحقيقة اتى واليها يعود، كلّما انشدناه وكلّما كبرنا على نبضه. فمن "ايام الحصاد" (بعلبك 1957) حتى "الربيع السابع" (جورج الخامس 1982) هو الوطن الذي يصارع الوجود. وطن المأساة الذي على ترابه مصائر تجابه المأساة لتنتصر عليها.

هو الفكر الرحباني الذي اراده عاصي ومنصور فكر الذروة. هناك حيث نهاية كل عمل ليست خاتمته بل انطلاقته الى عقول وقلوب المشاهدين، وهم من كل الاعمار والاجناس والانتماءات. هم انتموا الى وطنهم هذا مرجعيةَ فداء. لقد فداهم هذا الفكر بأن حملهم لا الى العدم ولا الى العبثية، كما معظم الفن السائد في مختلف حقبات القرن العشرين، وهو حملهم الى سمو الحب المحرِر لا الى شغف الانانيات الفردية التي طالما حفلت بها الاوبرا العالمية، هروبا من واقع ورغبة في عدم مواجهته. حتى الموت عندهم لم يكن الا فداء (من "ايام فخر الدين" الى "جبال الصوان" الى "بترا" و"المؤامرة مستمرة").

محرّك الحقيقة في مسرحهم هو نفسه محرك الحرية ومحرك الارادة: الضمير. به تُصان البراءة (كما في "جسر القمر"، و"حكاية الاسوارة"، و"صح النوم")، ويتفوّق الخير على ظلمة الشر والفساد (كما في "الليل والقنديل" و"هالة والملك")، ويعود الحاكم ليجلس جنبا الى جنب مع الشعب (كما في "ناطورة المفاتيح" و"دواليب الهوا")، ويحاكِم البريء الذي حوكم ظلما العالم المخادع والظالم (كما في "لولو") ويكون الخلاص بالحب (كما في "ميس الريم"). قلت انه فكرٌ مؤمن؟ ها هي "المحطة" تأتي بالتران من دون سكة والى حقلة بطاطا، لأنه الايمان يغيّر المصائر.

لقد التمس الفكر العالمي منذ سوفوكل الى هوغو، مرورا بشكسبير وراسين، ومنهم الى كامو وسارتر... تارة القوة لتأكيد الغلبة، وطورا الواجب، وفي اطوارٍ الالحاد او اللا أدرية او الفراغ، في حين ان عماد الفكر الرحباني بقي هذا الوطن الذي قوامه السماء. "هون السما قريبي بتسمعنا يا حبيبي." وفي ذلك مثابرته في التفوق على الذات كي يتحقق. هو ليس بفكر الهاربين ولا الخاضعين ولا المستسلمين، بل فكر المؤمنين بفعل المقاومة وأثر الجرأة. من لبنان الى القدس الى ماساة كل شعب مضطهَد.

انت تعرف ان هذه كلمتهم وهذا لحنهم لأنه من جرأة، تماما كما تقول : هو من لبنان. هو الفكر الذي اصبح متلازما ولبنان الذي تماهت مأساته مع مأساة الاخوين مع مرض عاصي. فجابها معا المأساتين. وكانت مرحلة كتابة الثالوث الثاني.

 

كتابة الثالوث الثاني

مرحلة منصور الرحباني الثانية هذه، بدأها مع ذهاب عاصي الى عند "الكبير" على ما كان يسمّيه، في اول الصيف، 21 حزيران 1986. وهو القائل يومها: "انتم لم تدفنوا عاصي وحده، بل دفنتم نصف عاصي ونصف منصور، والذي بقي هو نصف منصور ونصف عاصي."

في هذه المرحلة، اكّد منصور ان الفكر الرحباني  ليست وطنا ينزلُ عليه مجدٌ هي موعودةٌ به فحسب بل هو ايضا قدرةٌ بولاءٍ انتَ تقرّره. هو وطن انتَ تصنعه وهو يصنعُك.

من  "صيف 840"، المؤسِسة لمرحلة نضال وطني موحِد إِلى"عودة الفينيق"، المؤسِسة لتكريس الحق ولو ادّى ذلك الى الاستشهاد الجماعي بغية عدم الاستسلام للاستعباد، رحلة ٌقاسية من الضنى والجهد والكتابة المسرحية والشعرية والموسيقية، في تعب يومي ظلّ يرهقه حتى آخر ساعات ايامه. حاور منصور به وخلاله التاريخ (كما في "صيف 840" و"ملوك الطوائف" و"عودة الفينيق")، وجادل الفلسفة (كما في "آخر ايام سقراط"، و"جبران والنبي")، ولاعب الشعر (كما مع "المتنبي")، وحاكى الواقع اللبناني مستشرفاً مستقبله في رؤى ادهشت قبل ان تتحقق سريعا (كما في "آخر يوم" و"حكم الرعيان" و"عودة الفينيق")، وقارئا السقوط العربي في فراغ التصارع وذل الخيبات فيما العدو على الابواب وفي الداخل (كما في "ملوك الطوائف")، بلوغاً الى لاهوت غلبة الموت بالموت للقيامة (كما في "وقام في اليوم الثالث").

وكان منصور ما كانَهُ ابدا. كان هو مسرحه، موسيقاه، شعره. كان هو كلاًّ للكل. كان وبقي فكر الفداء (كما في "زنوبيا" ليختم ب"عودة الفينيق"). كان هو لبنانه. الذي لا يسقط. لا ينهزم.

       من هذا اللبنان كلمات سبع اقتطفها من الذاكرة ولها.

هذه كلمات اولى تأكيداً للهوية وهي مشروع حضاري يحصّن الانسان وبه يكبر الوطن:

-      1 - "انت اللي ندهتن ولّا هنّي اللي ندهوك

ع حبك اختلفوا وكلّن بحبوك

من حضن امّاتن

 من سهر حبيباتن

ندهتن ولحقوك

وشو نفعك يا دني

ويا حب ويا سهر

يا هالوطن الحجر

اذا اللي بحبوك صاروا صور؟" ( من اغنية "صور)

 

-      2 - "اتينا يا اتينا، انا واللي متلي عملناكِ اتينا. السياسيين شرشحوكي. خلّوا عسكر اسبارطة المتوحش يدّعس ترابِك." (من "آخر ايام سقراط")

 

-      3 – "وطني بيعرفني وانا بعرف وطني

هوي اغتنى فيي وانا بوطني غني

زرعني بارضو انا  

زرعتو بكل الدني." (من "جبران والنبي")

 

هذا اللبنان المصدر، الذي بات فعل ايمان، يشدّ نحو الاعلى والأسمى دائما:

 

-      4 – "أنا أول صرخة حرية من هذه الارض العربية ا

انا قولة لا في وجه الظلم وهبت دمي للحرية" (من "زنوبيا")

 

بها، الحرية، تزهر الحياة من سرّ الصلب الذي ارتضاه منصور لا شعارا بل نهجا:

-      5 - "كل ما منرجع على هالدني منتلاقى بناس جداد

شي منذكرهن

شي مننساهن

شي بيخلقوا بتاني بلاد

يا فرحي اني رح ارجع

متل الزهر بروح وبرجع

والدورة بترجع تنعاد" (من "جبران والنبي")

 

ما هو أسبق اذًا من الصلب هو الإيمان ان هذا الصلب اذا حدث فإنّما هو ينبوع الخلاص وتلّّقي الخلاص:

 

-      6 – "وشو هَ  الشتي

الْ جايي من خوابي النبيذ

شو ه ـالهوا

الْ طالع من سهول الغفا

وبين السما والأرض

شلاّل انطفي

وبين العتم والضو

إنسان اختفي" (من "بحار الشتي"  )

 

هذا فكر منصور في المرحلة الثانية: فكرُ عيدٍ ووعد بلقاء المحبّين. هو قدّم مصلوبيّته من اجل الكل كي يقول مع الكل وقد افتداهم: نحن نُمات كل يوم لنحيا ويحيا الجميع. ليس في جوهرنا مضمون غير الحب. فمن رفضه رفض ربّه:

-      7 - اليك رفعت صلاتي في الصمت الأوسع يا الله...

واسمك يا ربي مسبّح من قمم الأرز الى سهل البقاع...

 الهي فرحي وخلاصي (من "القداس الماروني")

 

وكأني بمنصور في كل ذلك قائل امرا واحدا: انتَ يا وطني ما أصعَدتَ احداً اليك الاّ وقد حملتني اليهم. ها انهم يصعدون معي بعد قليل ليتمّ فرحهم في انتمائهم بكَ الى الانسان. كل انسان وكل الانسان. هكذا يبقى لبنان منصور هو سعدالله في الوصية: ذاك السبعيني الذي ينتظر الجميع وفاته ليرثوه، فإذا هو "يشبشب" ويرث مُرِيدي موته.

هوذا انتماء منصور. به يبقى الى الآتي من فكر لقاءَ الانوار بقوة القيامة، عازفا على قيثارات الظفر، كما في مشهدية "عودة الفينيق" الاخيرة التي يستشهد فيها ابناء جبيل بحرق ذاتهم كي لا يستسلموا لمن يريد استعبادهم، فيَنهَضوا من رمادهم ويُبقوا على مدينتهم هي الجوهر والغاية.

       قلتُ: هذا كان زمن كتابة الثالوث الثاني لدى منصور؟ أي ثالوث هو؟ انّه ثالوث الحضور للحضور بالحضور. وهو الذي لا غياب فيه.

 

الخاتمة

بهذا العرض السريع، أظنكم التقطتم نقطة أن يكون منصور وضع أعماله في كتابتين، كأنه كتب عنه وعن عاصي الذي لم يغادر وعي منصور ولاوعيه. صباح الثلثاء 13 كانون الثاني 2009، خانه القلب وخطفه منا. وغادرنا في نعشٍ طلب أن يكون من خشب ديكور المسرحيات، ودخل باب الضريح نفسه الذي كان عاصي سبقه إليه قبل 23 سنة، على مهلٍ دخل، وأقفل الباب الأخير، وسافر عند عاصي بدون رفاق، لأنه يومها... "سافر وحده ملكا!"

سافر... وهو الباقي.

بقاء الفكر. وقد كان في البدء كلمة.

 

الليلة، قبل ان نتفرّق كل الى يومياته، احمل اليكم من منصور كلمةً جديدة، غير منشورة من قبل. كتبها قبيل سفره الى اقنومه الثاني. ليبقى الفكر الرحباني ابدا ثالث الاقانيم.

كما كانت قصيدة للشاعر والأديب الاستاذ عبد الغني طليس الذي استذكر الراحل الكبير وعظمة الاعمال التي تركها مع شقيقه عاصي الرحباني.وعرضت أفلام وثائقية جسدت الفترة الرحبانية التي طبعت الفن اللبناني من بعلبك الى البيكادللي والارز ومسارح العالم بأسره.

 

المصدر: Kataeb.org