المصارف المركزية وزمن عدم اليقين!

  • إقتصاد
المصارف المركزية وزمن عدم اليقين!

لم يشأ الخبير في شؤون الإقتصاد اللبناني مروان إسكندر أن يستذكر دور "المصارف المركزية في زمن عدم اليقين"، وهو عنوان كتابه الأخير الذي وقعه مساء الجمعة الماضي في المعهد العالي للأعمال ESA في بيروت، من دون أن يتوقف عند إسمين تركا أثرا كبيرا في أزمة المال العالمية عام 2008: رياض سلامة وآلان غرينسبان.

في حلقة نقاش إستضافت أيضا الحاكم السابق للبنك المركزي الفرنسي كريستيان نواييه ووزير العدل اللبناني السابق شارل رزق، كان عرض شيّق لدور المصارف المركزية في وقت الأزمات، وإستذكار لأزمة المال بعد تسعة أعوام على تفجّرها "وهي لم تنته بعد"، بعدما هزّت الولايات المتحدة وطالت بتردداتها أسواق المال ومصارف أوروبا وشرق آسيا والخليج وأميركا اللاتينية. وأيضا كان إنتقاد للمبادرات العلاجية "الملطّفة" التي تطوّق الإقتصاد العالمي بحلقات من الشكوك وعدم اليقين، بدليل محدودية الأنشطة المصرفية، فيما تعني السيولة في الدول الصناعية ضمان الفائدة على الودائع أو عائدات ضئيلة جدا.

قد يختلف العديد من المدارس الإقتصادية على مسببات ثاني أسوأ أزمة مالية منذ "أزمة الكساد الكبير" عام 1929، وسبل معالجة الآثار والمفاعيل التي بدأت من الأدوات المالية "المسمومة" أو تسليفات الرهن العقاري المتعثرة، لتكرّ سبحة تدهور البورصات مع إتساع المخاطر وإفلاس مؤسسات مصرفية كبيرة، وتدخل المصارف المركزية لدعم السيولة في أسواقها، بدءا من الولايات المتحدة حيث خفّض الإحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة الرئيس 3 أرباع النقطة الى 3.50% إستثنائيا قبل خفضه تدريجا إلى 2%.

لم تكن تلك الإجراءات كفيلة باللازم من المعالجات، مما إستلزم تضافر جهود المصارف المركزية مجددا لمعالجة سوق التسليفات، ووضع مجموعات مالية متخصصة بالرهن العقاري ("فريدي ماك" و"فاني ماي") تحت الوصاية لإعادة هيكلة ماليتهما مع كفالة ديونهما حتى حدود 200 مليار دولار، قبل إعلان إفلاس بنك "ليمان براذرز" في 15 أيلول/سبتمبر 2008، وشراء "بنك أوف أميركا" بنك "ميريل لينش"... وإنشاء صندوق للسيولة برأسمال 70 مليار دولار من 10 مصارف دولية لتلبية حاجاتها الأكثر إلحاحا، وتوافق المصارف المركزية على فتح مجالات التسليف. لم يحل ذلك دون إستمرار تدهور البورصات دراماتيكيا... وصولا إلى إعلان واشنطن عن خطة بقيمة 700 مليار دولار لإنقاذ المصارف من أصولها غير القابلة للبيع.

لكن، يتفق خبراء الإقتصاد على إصدار أحكام واضحة في سياسات مصرفين مركزيين:
- الإحتياطي الفيدرالي حين كان آلان غرينسبان رئيسا، إذ يُؤخذ عليه "تقاعسه" عن خفض الفائدة في لحظة حرجة، وهو قرار شبه بديهي لو إتخذه لكان جنّب العالم أزمة 2008، ووفّر على أميركا خسائر باهظة ماليا وإقتصاديا.

- مصرف لبنان الذي يتولّى رياض سلامة رئاسته منذ 25 عاما، إذ تُعتبر سياساته الإحترازية وتعاميم 2004 التي منع بموجبها مصارف لبنان من الإستثمار في "الأدوات المشتقة" أو "المسمومة"، هي التي جنّب لبنان الزلزال المالي.

يُطلق الإعلام الأميركي على غرينسبان لقب "إقتصادي الإقتصاديين"، ويُعتبر مهندس السياسة الاقتصادية الأميركية ومحامي الدفاع عن النظريات الرأسمالية. حازت سياسته لتسيير التضخم، تقدير العديد من الحكومات المتعاقبة خلال ولاية تجاوزت الـ18 عاما، عاصر خلالها أربعة رؤساء بدءا برونالد ريغان حتى جورج بوش الإبن.

وفي لبنان، يُسمّى رياض سلامة "مهندس الثقة" ومبتكر المخارج وقت الأزمات التي توالت منذ تسلّمه الحاكمية، في ولاية هي الأطول في تاريخ المصارف المركزية. أجرى عمليات تنقية ناجحة للقطاع المصرفي. حمى الليرة من المضاربات عبر تثبيت سعر صرفها بغطاء سياسي. أنعش التسليفات المصرفية وقت الأزمات، مستثمرا في قطاعات واعدة مثل إقتصاد المعرفة، ومعالجا مشكلة السكن لدى فئة الشباب، ومعزّزا كفاية التعليم والبيئة وصولا حتى الإنتاج الفني!

كان محقا مروان إسكندر حين إعتبر أن ذيول أزمة المال لم تنته بعدرياض. والدليل البالغ في قراءة لأداء الإقتصاد العالمي المضروب بفترات ركود، وإن كانت متقطعة ومختلفة الأسلحة، فهي تصبّ في مجرى واحد: تراجع نمو الناتج العالمي مع توقعات غير متفائلة بقرب الإنتعاش.

في الأسبوع الماضي، جال وفد من مؤسسة التصنيف العالمية "موديز" على عدد من مصارف لبنان محلّلا الوقائع وفق المؤشرات، ومحاولا إستشراف قراءات للمستقبل القريب. قيل إن الوفد أبلغ المصارف نية "موديز" خفض التصنيف السيادي للبنان مجددا مع كل ما يترتب عليه من مفاعيل لا تخدم سعي لبنان إلى النهوض الإقتصادي. لا عجب طالما بقيت المسببات المضادة لحركة النمو والأعمال والإستثمار قائمة في الجوار الإقليمي ومنعكسة على الداخل اللبناني، معوّقة بذلك التوافق السياسي على إحترام الإستحقاقات الدستورية، وليبقى عدم الإستقرار السياسي ومعه الأمني ذريعة لإصدار أحكام لا تتوافق ورغبة لبنان في تعزيز مناخات مساعدة وحاضنة للنمو.

ترى "الإيكونوميست" (عدد نيسان/أبريل 2017) أن المصارف المركزية "مطالبة بالسعي لتحقيق العديد من الأهداف في وقت واحد: إستقرار العملات، مكافحة التضخم، حماية النظام المالي، تنسيق السياسات مع البلدان الأخرى وإنعاش الإقتصادات". في كتابه الأخير، ختم إسكندر بهذه العبارة "لقد تمّ تحقيق كل هذه الأهداف من قبل مصرف لبنان على مدى 25 عاما".

فيوليت غزال البلعة

المصدر: Kataeb.org