المهجّرون الحقيقيون

  • مقالات
المهجّرون الحقيقيون

المهم في نهاية المطاف، الاَ يفقد لبنان مسوَغ وجوده السياسي والحضاري المهدَد دائما وابدا، جراء سوء التعامل معه داخليا وخارجيا. ان استقبال الهاربين من الظلم والاضطهاد، سوريين او فلسطينيين، واجب انساني واخلاقي. لكن الاهم هو ان يظل هذا البلد قادرا على استقبال الهاربين الى ربوعه، اي ان يظل بلد حريات. فعلى هذا الاساس كان اعلانه دولة سيدة حرة ومستقلة. ومن اجل الحرية كان ترسيم حدوده، من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا الى وادي خالد والنهر الكبير.
هذه القاعدة تكاد تبدو اليوم في غير محلها، والاسباب عديدة، منها ما يعود الى زمن الحرب الاهلية وفظائعها. ومنها ايضا وخصوصا ما يتصل بالهجرة عن الديار التي هي هجرة مسيحيين في المقام الاول، تقابلها هجرة سوريين وفلسطينيين اليها تتواصل في صورة مذهلة وتبعث فعلا على القلق. اذ لا شيء يوقفها ويحدَ من اندفاعها. كان الاعتقاد ان الحال الامنية هي التي تحمل المقيمين على الرحيل فتبيَن العكس، او لاْن المسيحيين غير ممثلين كفاية في الدولة ومؤسساتها، فتبيَن ايضا ان ولا مرة كانوا بهذا العدد في الدوائر والمجالس الرسمية على اختلافها، ولكن بفعالية متراخية.
انها الثقة في لبنان المتضائلة يوما بعد يوم في دولته المتهالكة: الفوضى، غياب حكم القانون، الفساد وانتشاره في القطاع العام والخاص، والتوق الى العيش في ظل دولة تحترم الانسان وكرامته.
انها الثقة في لبنان المتضائلة يوما بعد يوم. الثقة في دولته المتهالكة والغارقة في الفساد. والصحيح ان الانتماء الى لبنان لم يعد مفخرة كما في السابق، وبخاصة في اوساط المسيحيين الذين باتوا يفضلون الهجرة على البقاء في ظل دولة لا تحترم الشخص ولا تقيم وزنا لكرامته. ولهذا السبب نراهم اليوم يملاْون الدنيا بحضورهم، في اوروبا كما في الاميركيتين وبلدان الخليج العربي، ينعمون بما حرموه في وطنهم الاصلي. وعلى هذا الاساس يواجهون المستقبل، مستقبل اولادهم واحفادهم. ولماذا يعودون؟
وهكذا يصير تفريغ لبنان من اهله واصحابه، تمهيدا لملئه بالنازحين واللاجئين والطارئين من كل حدب وصوب. فهل من يوقف هذه اللعبة الجهنمية وكيف؟
حلو ان نسمَي هذه الظاهرة " انتشارا " لبنانيا في ارجاء الكون، بل انه لشرف عظيم ان يكون هناك لبنانيون حيثما كان، ومعهم تقاليدهم وعاداتهم واذواقهم، لكنهم لن يكونوااكثر فعلا في التاريخ من اجدادهم الفينيقيين.

المصدر: Kataeb.org