بالفيديو والصور- أمّ الكلّ تنتقم بعد التعدّي عليها

  • خاص

ليست المرة الأولى التي يغرق فيها اللبنانيون في وحول الشتاء وردميات الأنهر ونفايات المكبات العشوائية، وفي كل حفلة ذلّ على الطرقات، ترتفع الأصوات وتوجه الإتهامات، ومن ثم تسكب بعض النكات على الجراح وينطفئ الموضوع وينتقل الجميع إلى موضوع "دارج أكتر".

ما حصل مع "نورما" لا بد أن يتكرر مع أخواتها، لأننا تعوّدنا على تغييب المسؤول وطمس المسؤولية و"مغمغة" المصائب. لم نكد نجفّ من مجرور "الايدن باي" حتى سبحنا في كوكتيل مجارير ونفايات ووحول وأتربة وردميات وأشياء أخرى سنظل نجهلها والله وحده العليم.

 لكن من المسؤول؟

كثر كيل الإتهامات والإتهامات المضادة، وكما جرت العادة في لبنان تدخل الحسابات السياسية في معايير تحميل المسؤولية، وتنبش الدفاتر القديمة، وتبدأ حلقات السيف والترس السياسي، ولكي لا ندخل في سجال عقيم، ولأنّ المصيبة باتت موسمية، تقصدنا منذ قرابة الـ 3 أشهر رصد حركة الأجهزة المولجة متابعة موضوع الطرقات وتنظيف المجاري، فكانت المفاجأة أن فرق وزارة الأشغال لم تهدأ في الأشهر الأخيرة، حتى أننا وثقنا ذلك بالصور (المرفقة أعلاه)، هذا الحضور الدائم لفرق الأشغال لم يمنع وقوع الكارثة التي حلت باللبنانيين والمشهد المؤلم الذي رأيناه، بحيث غرق المواطنون وبدت فرق الأشغال كمن يحاول "زقّ البحر بكيلة". فمن أين أتت هذه الكميات الهائلة من الأتربة والوحول وحتى الردميات التي ملأت شوارع في بعض المناطق ؟

عملية بسيطة قمنا بها على موقع "جوجل ماب" مكّنتنا من معرفة أساس الكارثة والمسبب المباشر لذلّ اللبنانيين. فتحنا الخريطة على مواقع الفيضانات وسرنا نحو الأعلى بمحاذاة النهر أو الوادي الذي يقع في أعلى المنطقة المنكوبة، فكانت المفاجأة ما رأيناه من أعمال عشوائية بمحاذاة الوديان التي تعلو المواقع التي شهدت فيضانات.

على سبيل المثال لا الحصر، يمكن لأي زائر على موقع الخرائط هذا، أن يرى في أنطلياس المساحة الهائلة من الحفريات على ضفة النهر صعودا بعد الجسر الذي يصل أنطلياس ببصاليم، جرافات تعمل من دون حسيب ولا رقيب، حفريات العمارات وغيرها من أعمال الصيانة التي لم توفر أحدا. وأكملنا أيضا نحو الأعلى، فالشيء نفسه عند مفرق بيت مسك العطشانة: كميات هائلة من الأتربة والردميات الجاهزة، عند أول شتوة،  للسباحة في النهر نزولا واقتحام دور الحضانة ومنازل سكان المنطقة. وأمام هذه الكميات الهائلة من التعديات لا فرق وزارة الأشغال ولا غيرها يمكنها تجنيبنا الكأس المرّة، هذه الفرق تتدخل، تنظف قنوات المياه لكنها لا تقوم بالعجائب.

وهنا السؤال أين البلديات المعنية وأجهزتها الفنية المولجة متابعة هذه القضايا؟

أين وزارة البيئة الميتة سريريًا؟

أين وزارة الطاقة والمياه المسؤولة عن حماية الأنهر ورفع التعديات والاعتداءات اليومية عليها؟

ما يغيظنا أننا مررنا تحديدا في أنطلياس، قبل أيام من العاصفة، ولفتنا أن النهر نظيف إلى حد مقبول، ولولا تخاذل هذه الجهات وتقاعسها عن عملها على مدار السنة في حماية الأملاك العامة النهرية، لما اجتاحت كل هذه الردميات منازل الآمنين هناك.

صحيح أن من بين 137 بلداً، يحلّ لبنان في المرتبة 113 لناحية جاهزية بناه التحتية وفق تقرير التنافسية العالمية لعام 2018. وصحيح أيضا أنه ومنذ تسعينيات القرن الماضي، جرى تهميش الاستثمارات في البنى التحتية في مقابل إعطاء الأولوية للاستثمارات الخاصة غير المُنتجة. كما أن أغلب "الإستثمارات هي استثمارات تجديدية قائمة على تأهيل المنشآت والتجهيزات المُستهلكة، من دون أن تشمل القطاعات التي من شأنها أن تحسّن حياة الناس ومستوى معيشتهم"، وأن "نسبة الاستثمارات في البنى التحتية، بين عامي 1993 و2017، بلغت فقط نحو 6.5% من مجمل الإنفاق الحكومي العامّ، ولم تتعدَّ قيمتها 14 مليار دولار من 216 ملياراً أنفقتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة، ناهيك عن الزبائنية والمحاصصة في تلزيم العقود، التي ظهرت في نوعية المشاريع المنفّذة.

إلا أن هذا لا يمنع أجهزة الإدارات والوزارات المعنية بالتحرك باتجاه التعديات على الأملاك البحرية والنهر لتفادي هذه الكوارث.

تعددت الأسباب والموت المؤسساتي واحد. غرق أوتوستراد ضبيه بالمياه الموحلة واحتجز المئات داخل سياراتهم ساعات طويلة شهدت ولادات في سيارات الإسعاف، واضطرار عناصر الدفاع المدني إلى استخدام زوارق لإنقاذ المواطنين، فضلاً عن تسجيل انهيارات وزحل للتربة وسقوط صخور واجتياح السيول للطرقات في شكا والكورة وصيدا وبعبدا والشويفات وحي السلّم والهرمل وغيرها. فيما لم تسلم مؤسسات «الدولة» بدورها، إذ اجتاحت الأمطار بعض الصفوف في مجمع الحدث الجامعي، ومبنى مجلس النواب في ساحة النجمة.

شأن أنطلياس شأن الضبيه ونهر الغدير وغيرها من المناطق. هناك مسؤولية أولى تقع علينا نحن المواطنين لأننا حتى الآن لم نعتد المحاسبة ولم نعتد رفع الصوت بشأن الأمور التي تعني كرامة الإنسان أولا. والمسؤولية ثانيا على البلديات المقصرة ومن ثم الوزارات المعنية في السلطة الكريمة، بنسب متفاوتة طبعا لكن المشهد المعيب والمذل للإنسان يذيَّل بتوقيع كل السلطة الحاكمة في لبنان بالتضامن والتكافل.

كل ما شهدناه سيتكرر مع بداية أي شتاء مقبل، فيما لو استمر الاستهتار بالناس والتعدي على أمّنا الطبيعة... فأمّ الكلّ لم يرحمها أحد.

لمشاهدة الفيديو إضغط هنا 

 

 جيلبير رزق

المصدر: Kataeb.org