بشير الجميّل في ذكراه الـ 36...حلم يزداد حضوراً في حضرة الغياب الثقيل!

  • محليات
بشير الجميّل في ذكراه الـ 36...حلم يزداد حضوراً في حضرة الغياب الثقيل!

ليس صحيحا ما يقال عن أن مرور الزمن كفيل بتضميد جراح الغياب الثقيل، خصوصا إذا كان المقصود رئيس جمهورية استثنائيا جسد في شخصه الاستثنائي وخطابه الرؤيوي، حلما تاق إليه الملايين ودفعوا لأجله ضريبة الدم من دون تردد.

ينطبق هذا التوصيف على الرئيس بشير الجميّل، شهيد الـ 10452 كلم مربعا، حامل الحلم والوعد في بناء لبنان القوي، وتحويله من ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الاقليمية إلى الجمهورية القوية التي يُحسب لها كبار قادة العالم ألف حساب قبل التجرؤ على "الاقتراع عليها"، وتقرير مصيرها بالنيابة عن مواطنيها.

لا يخفى على أحد أن وطأة غياب البشير تزداد ثقلا كلما طوت روزنامة عمر الوطن عاما على ذلك الثلثاء الأسود 14 أيلول 1982 الذي صار في الذاكرة الجماعيّة تاريخا لنهاية أمل في وطن أفضل يليق بأبنائه، يلتقي تحت سمائه الزرقاء المسلمون والمسيحيون ويعيشون فيه بكرامة. غير أن أهمّ ما في ذكرى هذا الزعيم الفريد يكمن بالتأكيد في كون الحاجة إليه (أو على الأقل إلى أمثاله) تكبر اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فبشير الرئيس لم يصل صدفة إلى موقع الرئاسة الأولى، التي لم يتح له القدر والارادة الإجرامية فرصة ممارستها على أكمل وجه، أيقن باكرا أن رحلة بناء الدولة القوية القادرة الحرة تبدأ مع الناس لأنهم هدفها الأول والأسمى، بما يفسّر قربه منهم ، وعطفه على كبار السن والأطفال. كيف لا وهو الذي ذاق يوما مرارة وقوف الأهل في وداع فلذات أكبادهم، بعدما دفعت طفلته مايا من دمها وبراءتها ثمن حرب الكبار، مفتدية والدها الذي كان المستهدف، ومعه الوطن، في انفجار دوّى في 23 شباط 1980 في الأشرفية، تاركا وراءه والدة ثكلى وأبا مصمّما على المضي في مشروعه. على أن هذا التصميم المطعّم بإرادة صلبة هي من دون شك أهم صفات القائد الشجاع لم يولد لدى بشير على وقع استشهاد مايا، بل إنه ورثه عن والده، مؤسس حزب الكتائب بيار الجميّل، وكلّفه عقوبة الطرد من المدرسة مرارا. إلا أن هذه العقوبة لم تجعله يلين. ذلك أن بشير وظّفها لاحقا في الميدان السياسي، فنجح في خوض كبريات والمواجهات ضد "المحتلين" من فلسطينيين وقوات سورية حاولوا وضع اليد على وطن الـ 10452 كلم مربعا. فكان بشير لهم بالمرصاد، حيث قطع على قائد منظمة التحرير ياسر عرفات حلم مرور طريق فلسطين في جونيه، بعدما واجههم في عاليه وفي بيروت، لكن أيضا في زحلة، حيث خيضت المعركة الكبرى في 2 نيسان 1981 ضد القوات السورية، بعدما تحوّل بشير رئيس المجلس الحربي في حزب الكتائب الذي عيّن فيه عام 1976، إلى قائد القوات اللبنانية التي توحّدت تحت رايتها "البندقية المسيحية" في مواجهة الوصاية السورية والوجود الفلسطيني الكثيف على الأراضي اللبنانية.

هذه المشهدية الميدانية كرّست بما لا يرقى إليه أي شك بشير الجميّل قائدا استثنائيا ومرشحا "طبيعيا" إلى استحقاق رئاسة الجمهورية عام 1982. نظرة التقى عليها اللبنانيون والمجتمع الدولي الذي اقتنع بالمرشح الشاب المقدام، الذي بادر إلى وضع الجميع أمام الأمر الواقع بإعلان خوضه السباق الرئاسي من باب ترشيح لم يكن "للمناورة أو للتراجع عنه"، كما قال في تصريحه الشهير في تموز 1982، وهو الذي قدم المنطقة الشرقية (ذات الغالبية المسيحية) نموذجا عن الجمهورية القوية التي يحلم بإرسائها وحكمها. مشروع لم يكتب له القدر ولا إجرام المتربصين بلبنان ممّن لا يريدون له سلاما يحق لمواطنيه التنعم به بعد طول تضحيات، أن يعمّر أكثر من 21 يوما لا يزال جيل الحرب يتذكّرها ممهورة بانتظام لم يروا له مثيلا لا قبل بشير ولا بعده. فكان أن نفّذ نبيل العلم وحبيب الشرتوني، المنتميان إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، المؤامرة على البلاد ورئيسها، فاغتيل بشير و23 شخصا آخرون ومعهم الحلم اللبناني الأهم بانفجار هزّ مكانا عزيزا على قلب الرئيس الأصغر في تاريخ الجمهورية، بيت الكتائب في الأشرفية، علما أن الرئيس المنتخب كان قد استقال من الحزب عند بلوغه منصبه الجديد، في خطوة حاول من خلالها الجميّل تأكيد استقلاليته في ممارسة الحكم، وإن كان آتيا من تجربة حزبية فريدة. لم يترك الثلثاء الأسود للبنانيين إلا خيار ذرف الدموع على رئيس قوي وطني بامتياز لم يبخل على وطنه بدمه، بعدما دافع عنه سياسيا وعسكريا وكرّس له حياته وأحلامه وأفكاره وطموحه.

قد لا تكون مجرد صدفة أن يستشهد البشير في يوم عيد الصليب. قد يكون ذلك تأكيدا جديدا على أن هذا الرئيس حمل صليب لبنان وسار معه على درب الجلجلة الدموي الطويل، نحو قيامة لم يُكتب له أن يعيش فرح بلوغها، ولا يزال الوطن في انتظارها، تماما كما ينتظر تنفيذ حكم الاعدام في حق قاتلي الرئيس القوي... والرهان يبقى اولا وأخيرا على العهد القوي، علّ عدالة الأرض تتحقق... ولو لمرة..

المصدر: وكالة الأنباء المركزية