ترامب «الجريح» والقرارات «المتهوِّرة»

  • مقالات
ترامب «الجريح» والقرارات «المتهوِّرة»

ما من شك في أنّ إخضاع الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتحقيق المفتوح حول علاقة مسؤولي حملته الإنتخابية بروسيا، يشكّل منعطفاً داخلياً كبيراً، خصوصاً أنّ البحث يطاول جنَحاً مالية لمقرَّبين من ترامب، وفي طليعتهم صهره جاريد كوشنر إضافة الى الرئيس السابق لحملته بول مانافورت حيث يشمل التحقيق التحويلات والتعاملات التجارية.أن يرفع زهاء 190 نائباً ديموقراطياً دعوى قضائية ضد رئيس البلاد لانتهاكه الدستور وقبوله تلقي امبرطوريته التجارية أموالاً خارجية، فهذا يعني أنّ «الهيبة» التي من المفترض أن يتمتّع بها الرئيس، خصوصاً في بداية ولايته قد تضرَّرت بمقدار كبير، وبات السؤال ما إذا كان قادراً على إكمال ولايته.

والضغط الذي واكب دخول ترامب البيت الابيض استمرّ تصاعدياً ليصبح أكثر قوّة وتنظيماً في الاسابيع الماضية، وأنّ الهدف إزاحة ترامب.

وتكفي الاشارة الى أنّ روبرت مولر الذي يتولّى التحقيق كمدّعٍ عام خاص، معروف عنه جدّيته وقدرته على اختراق الملفات الصعبة وهو الذي تولّى التحقيق في قضية تفجير طائرة لوكربي وأصبح لاحقاً مديراً للمباحث قبل اعتداءات 11 ايلول، والذي يسعى إلى تتويج سيرته الذاتية بإنجاز أكبر.

في المقابل، بدا ترامب في موقع دفاعي بعدما اتّسم أسلوبه بطابع هجومي فجّ، ما يعني إقراره بالخسائر الكبيرة التي مُنيَ بها وترجمتها النسبة الضعيفة التي باتت تُؤيّده وهو ما لم يعرفه أيّ رئيس سبقه وفق الفترة نفسها.

الخبراء في السياسة الأميركية بدأوا يتحدّثون عن وضع نفسي صعب بات يحوط بالرئيس الأميركي ما يجعله قابلاً لاعتماد قرارات متهوّرة وخطيرة في تصرّفاته

وبدا أنّ الانتصار المالي الكبير الذي حقّقه خلال زيارته الخارجية الأولى الى السعودية، انتهى مفعولُه الداخلي على رغم التحسّن الاقتصادي الذي تشهده البلاد للمرة الأولى منذ أكثر من 15 عاماً.

لذلك يُفكّر ترامب في إنجازات سياسية يستطيع توظيفها في معركته الداخلية كرئيس قادر على قيادة بلاده وليس كما نجح خصومُه في إظهاره بأنه غير أهل بموقعه ومسؤولياته.

في حين يعتقد معظم المراقبين أنّ ترامب لن يكون سهلاً في مشوار السعي لإسقاطه وبأنّ اسلوبه يختلف جذرياً عن اسلوب وشخصية ريتشارد نيكسون الذي استقال تحت ضغط فضيحة «ووترغيت»، فإنّ هؤلاء يرون أنّ الضغط التصاعدي سيُضعف فرص ترامب على الاقل للتجديد لنفسه لولاية ثانية، وهو الذي أعلن بعنجهية بعد فوزه أنه باقٍ لثماني سنوات في البيت الأبيض.

لذلك بادر الرئيس الأميركي في انتهاج خطة معاكسة، وجاء قرارُه حول إلغاء الاتفاقات المعقودة مع كوبا خلال ولاية سلفه باراك أوباما وفق حسابات انتخابية داخلية. فهو أراد من ذلك الحفاظ على تأييد المهاجرين الكوبيين والذين يحملون الجنسية الأميركية والموجودين بكثافة في ولاية فلوريدا المهمة. وكان هؤلاء قد صوّتوا بغالبيّتهم لترامب انتقاماً من الحزب الديموقراطي بعد اتفاق أوباما مع كاسترو.

وهذا ما جعل أصوات الولاية تذهب لمصلحة ترامب، ما يعني أنّه يريد ضمان أصواتهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2020 وأيضاً في الانتخابات النصفيّة للكونغرس العام المقبل. لكنّ هذه الخطوة لا تلغي الحاجة الى انتصار سياسي خارجي يُثبت أهلية ترامب لقيادة بلاده.

وتحدثت مصادر ديبلوماسية أميركية عن أنّ ترامب طلب من فريق عمله خلال الايام الماضية البدء بوضع خطة داخلية مع الكونغرس الأميركي لبلورة مشروع تسوية سلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على أن تكون جاهزة قبل نهاية الصيف المقبل.

فبالنسبة الى الإدارة الأميركية، فإنّ الظروف باتت مهيّأة بمقدار كبير لتحقيق هذا الانجاز التاريخي الذي عجز عنه جميع أسلاف ترامب باستثناء بيل كلينتون.

فالدول الخليجية باتت جاهزة للبدء بالتطبيع مع إسرائيل، وهو ما يسيل لعاب الحكومة الإسرائيلية شرط إنجاز تسوية نهائية مع السلطة الفلسطينية. كما أنّ الحكومة الإسرائيلية التي قطعت شوطاً طويلاً من التعاون والتنسيق مع السلطة الفلسطينية، خصوصاً في المجال الأمني، ما سمح لإسرائيل باعتقال مئات العناصر من «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«داعش» قيل إنّهم يحضّرون لعمليات امنية، فهي باتت أقلّ شكوى في تعاملها مع الرئيس محمود عباس.

كذلك فإنّ حركة «حماس» دخلت واقعاً صعباً مع تراجع دعم قطر والحصار السياسي المطبَق عليها، ما يجعلها عاجزة عن مواجهة اتفاقات التسوية. اضف الى ذلك الضغط الذي يمارَس على غزة من خلال تراجع ساعات التغذية الكهربائية الى ثلاث ساعات طوال النهار، فيما المياه غير صالحة للشرب والفقر يزداد والبطالة وصلت الى حدود الـ40 في المئة.

والواضح أنّ هذا الضغط يهدف لإجبار «حماس» على أحد أمرَين: إما التخلّي عن سلطتها لغزة بسبب فشلها في إدارة أمور المنطقة، أو إلزامها بدفع المستحقات المالية والمعيشية ما يفرغ صندوقها ويلزمها بالتخلّي عن سياسة الدعم العسكري والتسلّح وحفر الخنادق، وهو ما يعني في النهاية التخلّي عن سياسة المواجهة العسكرية.

ولأنّ مسؤولي الحركة موجودون في غزة، فإنّ هذا الضغط سيصبح أكثر فعالية، خصوصاً أنّ مصر تتحكّم بمعابر الخروج والدخول، وبدأت بتكريس مسار جديد لـ»حماس» بعدما عرضت عليها لائحة مطالب أمنية ووقف تعاونها مع المسلّحين في سيناء في مقابل تزويد غزة بالكهرباء.

الواضح أنّ المسار هو في اتجاه «خنق» حماس في وقت يُحذّر البعض من عدم الذهاب بعيداً وبنحو غير مدروس لعدم دفع «حماس» الى اليأس، فالذهاب إلى تفجير الوضع أمنياً.

وفي الوقت نفسه اندفعت واشنطن في توجيه الرسائل الحادة إلى إيران لمنعها من إنقاذ حركة «حماس» والسعي إلى الخربطة على الواقع الجاري تركيزه لتأمين مناخ مؤات لمصلحة التسوية.

وبعد رسالة القمة الأميركية - السعودية السياسية، ورسالة طهران الدموية، ورسالة معبر التنف العسكرية، فإنّ ترامب وجّه رسالة إيجابية لإيران عبر التمسّك بتطبيق الاتفاق النووي المبرَم معها.

وتناقلت الأوساط الديبلوماسية في واشنطن كلاماً نُسب إلى ترامب حول الاتفاق النووي يقول فيه: «في بداية الحملة الانتخابية وصفتُ الاتفاق بالنووي بالكارثي، وفي نهاية الحملة وصفته بأسوأ عمل قام به أوباما خلال ولايته، ولكنني اقول اليوم إنه يجب مراقبة طريقة تطبيق إيران لبنود الاتفاق». كلام ترامب يحمل نفحةً إيجابية ولو أنه صيغ بأسلوبٍ سلبي.

ولأنّ ترامب الجريح قد يصبح قابلاً لاتّخاذ قرارات متهوّرة، بدت الحكومة الإسرائيلية أكثرَ تجاوباً مع مشروعه التسووي.

حتى إيران التي تضع الربط البرّي بين طهران وجنوب لبنان أولوية مطلقة لديها بدت أكثر تروّياً في تعاطيها العسكري مع معبر التنف. صحيح أنّ قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني زار الحدود السورية - العراقية شمال التنف ووزّع صوراً له الى جانب المقاتلين الشيعة الأفغان للدلالة على تأمين التواصل الجغرافي والأهمية المطلقة لذلك، إلّا أنّ الربط البرّي عبر الطريق الدولية بقيَ مقطوعاً، وتراجع معه الحديث عن احتمال حصول مواجهة عسكرية مع القوات الأميركية بعد تعزيزات عسكرية نوعيّة لها في اشارة الى جدّية الموقف.

كل ذلك ربما في انتظار إعادة رسم خريطة النفوذ، والبداية مع إنجاز التسوية الإسرائيلية - الفلسطينية التي يسعى ترامب إليها.

وإيران المشهورة بسياستها البراغماتية وطول صبرها في معالجة الملفات المعقّدة تنظر بكثير من التمعّن الى الجبهة المشتعلة عند حدودها الشرقية في افغانستان، حيث يلمع بريق «داعش» في «تورا بورا» فيما هو يخبو في العراق وسوريا.

المصدر: الجمهورية