رحيل الرئيسة الفخرية لمهرجانات بعلبك مي عريضة....

  • فنون

توفيت السيد مي عريضة (1926 - 2018) وهي أيقونة مهرجانات بعلبك ورئيستها الفخرية وصاحبة السيرة الغنية والمشوقة في تاريخ الثقافة الفنية اللبنانية، وكان أصدر عنها المخرج نبيل الأظن كتاب "مي عريضة حلم بعلبك"، يظهر كيف عاشت ميّ حياة ثرية بين لبنان والعالم، سواء الطفولة المغناج أو المراهقة الشقية التي قضتها مع شقيقها رينيه بين التزلّج والسباحة، وصولاً إلى قصر سرسق وزواجها من إبراهيم سرسق، هذا الزواج الذي لم يخل من وقع الخيانة والحياة المتقلبة، والسر الذي لا يعرفه كثيرون أن مي عملت مديرةً لمكتب الجنرال سبيرز في بيروت وسكرتيرته الخاصة، والسر الأكبر انها سافرت الى مصر والتقت الملك فاروق الذي دعاها إلى الرقص معه قبل أن تهرب منه هي وزوجها إلى بيروت إثر اكتشافهما رغبته فيها... هكذا كانت حياتها بين الرخاء والشقاء، بين الخيانة والتحرش، عاشت مي لبنان المعاصر منذ تأسيسه في بداية العشرينات، مرورا بمرحلة الانتداب وصولا الى مرحلة الحرب المرة وتداعياتها، ويبقى الأبرز في حياتها الارستقراطية، مهرجانات بعلبك الدولية.

تذكر مي عريضة كيف تحوّلت إلى سفيرة لكريستيان ديور في نيويورك يوم زارت المدينة برفقة النجمين السينمائيين بربارا ستانويك، وروبرت تايلور. التقط المصوّرون يومذاك صوراً لها وهي ترتدي ثوباً من تصميم ديور، ونُشرت هذه الصور في الجرائد، وكانت بمثابة إطلاق موضة "نيو لوك". أمضت مي مع زوجها عشرين يوماً في نيويورك، ثم انتقلت إلى لندن حيث حلّت في ضيافة الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا لأسباب طارئة، وتابعت هناك أهم النشاطات الموسيقية والمسرحية، وافتتنت بمارغوت فونتاين، (بعد ثمان وعشرين سنة، استقبلتها في بعلبك حيث لعبت المسرحية نفسها مع نجم صاعد يُدعى رودولف نورييف). قال لها كميل شمعون: "لو ساعدني الله، ولو وصلت الى الحكم، سأعمل شيئاً من أجل قلعة بعلبك". وبقيت هذه الكلمات محفورة في ذاكرتها. في صيف 1955، مرّت "فرقة الكوميديا الفرنسية" في لبنان، وقدمت على مسرح باخوس أربع مسرحيات كبيرة وفتحت هذه العروض الباب أمام تحقيق حلم بعلبك. وفى الرئيس شمعون بوعده، وشكّل لجنة بعلبك. ضمّت هذه الجنة ايليا أبو جودة، كميل أبو صوان، نينا جيديجيان، جان فتال، سليم حيدر، خليل هبري، جان سكاف، فؤاد صروف، وعيّنت إيميه كتانة رئيسة لها، واختيرت سلوى السعيد مسؤولة عن النشاط المسرحي، وعُهد إلى مي عريضة كل ما يختص بالحفلات الموسيقية.

تروي مَيّ عريضة مطالع المهرجان: نحن سنة 1957، إِيغور مُويـيـسِّـيـيڤ في لبنان، تطلب إِليه اللبنانيةُ الأُولى زلفا شمعون تدريبَ مدرّبين على الرقص فكان مروان وبديعة جرار، ثم تطلب إِلى عاصي ومنصور الرحباني تحضيرَ مسرحيةٍ غنائية وقَّعَت لها فيروز على عَقْدٍ بليرةٍ لبنانيةٍ واحدة تخفيفاً لمصاريف اللجنة فكانت "إِيّام الحصاد" لَيلتَين (31 آب و1 أَيلول 1957) بأَلحان الأَخَوَين رحباني وفيلمون وهبي وزكي ناصيف، وإِخراج صبري الشريف، وكوريغرافيا مروان ووديعة جرار، وتوفيق الباشا لقيادة الأُوركسترا، ومحمد شامل ومحيي الدين سلام للإِدارة، ودهشة الجمهور من عتمةٍ كاملةٍ على أَدراج هيكل جوﭘـيتر ثم شَعَّ نورٌ من أَسفل الأَعمدة أَطلَّت منه فيروز كما من فراغ الليل تُنْشد "لبنان... يا أَخضر حلُو عَ تلال"، وكان تصفيقٌ طويلٌ من جمهورٍ موشَّحٍ بدموع المشهد الرائع تَبِعَتْهُ أُغنية زكي ناصيف "طَلُّو حبابنا" ورقصة "هيك مشق الزعرورة" وغناء نصري شمس الدين.

وتوالَت بعدها إِلى هياكل بعلبك الاعمال الابداعية: لويس آراغون، جان كوكتو، إِيلاّ فيتزجيرالد، ﭘلاسيدو دومنغو، أُمّ كُلثُوم، فرَانْك سيناترا، هربرت ﭬـون كارايان، شارل مونش، ماتيسلاڤ روستروﭘوﭬـيتش، موريس بيجار، إِيغور مويـيسِّـييڤ، مارغو فونتين، جان لوي بارو، جنـﭭياڤ ﭘاج، مادلين رينو...

هذه حياة ميّ عريضة، بين الصدفة والحلم والنجاح والدراما والسفر والشهرة والعمل في الكواليس، والتقرب من قادة القصور. وفي السنوات الأخيرة توالت تكريماتها، في وقت أصبحت مهرجانات بعلبك اشبه بالنوستالجيا. وبرغم جهود لجنة المهرجانات، كان الحنين يبقى للحبيب الأول، أي أيام الستينات.

المصدر: المدن