عون لن يقبل اي استقالة خطية عبر اي وسيط

  • محليات
عون لن يقبل اي استقالة خطية عبر اي وسيط

يريد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون معرفة تفاصيل ما حصل مع رئيس حكومته سعد الحريري منذ مغادرته للبنان بعد ظهر يوم الجمعة في 4 تشرين الثاني الجاري قاصداً الرياض بهدف لقاء العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، وهو مستعد لأن يقيم الدنيا ولا يُقعدها الى حين الكشف عن وضع الحريري اليوم. فزيارته الخاطفة الى أبو ظبي والحديث عن لقاءاته مع سفراء الدول في المملكة وغير ذلك من التحرّكات التي يجري الإعلان عنها في وسائل الإعلام لا تقنع بعبدا، ولهذا فهي تدرس القيام بتحرّك على أعلى المستويات بهدف فكّ احتجاز الحريري من قبل السعودية.

ولم يؤدّ اللقاء الذي جمع الرئيس عون بالقائم بالأعمال السعودي وليد البخاري يوم الجمعة المنصرم، بحسب بعض المطلعين، الى جلاء مصير الحريري، إذ اكتفى الأخير باقتراح إيفاد وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل الى السعودية للقاء الحريري والاستماع الى ما لديه. غير أنّ عون رفض هذا الأمر قبل باسيل، إذ يكفيه احتجاز المملكة لرئيس حكومته، وهو لن يفرّط بالتالي بصهره لأنّ ثمّة احتمالاً لأن يذهب ولا يعود، ما دامت السعودية قد أعلنت الحرب على لبنان الى حين نزع سلاح «حزب الله». وإذا ما أرادت السعودية تصفية نيّتها تجاه لبنان فعليها أن تترك للحريري حرية الحركة، بأن يعود الى لبنان وهو يُقرّر عندها إذا ما كان يريد الاستمرار في ترؤس الحكومة بمشاركة «حزب الله» أم لا، ولكن ليقلها شخصياً وهو حرّ طليق في بلده ولرئيس الجمهورية الذي ينتظر عودته.

في المقابل، تعوّل أوساط سياسية مقرّبة من بعبدا على زيارة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى السعودية الأسبوع المقبل، وتحديداً على لقائه الحريري على هامشها، على ما وعده المسؤولون السعوديون، لفكفكة بعض الغموض الذي يحيط بظروف احتجازه. وقد حمّله عون رسالة شفهية لإيصالها للحريري، على ما كشفت، لكنها شدّدت على أنّ إمكانية حمل الراعي لاستقالة الحريري الخطية، لن تكون مقبولة، لا من قبل بعبدا ولا من قبل عين التينة، ولا حتى من قبل «حزب الله» الذي يُدافع اليوم عن الحريري ويريد عودته مثله مثل سائر المكوّنات السياسية في البلاد انطلاقاً من كونه مواطناً لبنانياً بالدرجة الأولى، و«كرامته من كرامتنا»، وإن كان يختلف معه سياسياً.

ولكن يبدو أنّ أمام مثل هذا الأمر، على ما أوضحت، عقبتان: الأولى تتمثّل بعدم إرادة المملكة إرغام الحريري على إيصال استقالته الخطية الى لبنان كونها تُسهم في فكّ تعطيل الحكومة إذ يُمكن أن يُصار الى قبولها في الداخل والذهاب بعد ذلك الى استشارات نيابية لتكليف سنّي آخر بتشكيل حكومة جديدة. وإعطاء الحلّ للبنانيين أمر لا تريده السعودية في الفترة الراهنة إلاّ إذا لمست أنّه سيُصار الى تحرّك داخلي في اتجاه نزع سلاح الحزب ومنعه كذلك من المشاركة في الحياة السياسية، سيما وأنّها قرّرت ضرب الحزب.

العقبة الثانية هي رفض البطريرك الراعي أن يكون ساعي بريد أو وسيطاً بين الحريري وعون والمسؤولين اللبنانيين لنقل رسالة الإستقالة فقط، في الوقت الذي بإمكان الحريري العودة وشرح ملابسات إستقالته، ما دامت المملكة تؤكّد على أنّه ليس قيد «الإقامة الجبرية»، وتحاول أن تُظهره بأنّه باقٍ فيها فقط حفاظاً على سلامته المهدّدة من إيران و«حزب الله»، من وجهة نظر المملكة، وليس لأنّه محتجز من قبلها، على ما يقول لبنان وتوافقه على ذلك بعض دول العالم.

أمّا محاولة المملكة إسقاط الحريري وإنهائه سياسياً كونه لم يكن متشدّداً مع «حزب الله» بما يكفيها لا سيما بعد موافقتها على التسوية السياسية في البلاد وعلى مشاركته في الحكم، ومن ثمّ جسّ نبض الشارع باستبداله بشقيقه بهاء الدين، فقد فشلت فشلاً ذريعاً، بحسب ما يُسرّ العارفين، ما وضع السعودية في وضع حرج قد لا تعرف كيف ستخرج منه في الأسابيع المقبلة. وعلى العكس تماماً، بات الحريري اليوم «بطلاً» من قبل الأطراف كافة في البلاد، ليس فقط من قبل الطائفة السنية التي يُعتبر زعيمها الأول، إنما أيضاً من الطوائف الأخرى التي تختلف وإياه سياسياً ولا سيما الطائفة الشيعية نظراً لما قام به من تضحيات من أجل مصلحة الوطن والحفاظ على الوحدة الوطنية فيه.

ويمكن القول بأنّ الرئيس عون يلتزم الهدوء والصبر حالياً لكنّه في الوقت نفسه يجوجل المقترحات والحلول، بحسب المقرّبين، إلا أنّ أي تصرّف بخصوص الحكومة واستقالتها لن يصدر عن بعبدا قبل تواصل الرئيس عون مع الحريري شخصياً وليس عن بُعد، ومن دون أي وسيط، لأنّ احتمالات الضغط عليه وهو في الخارج قائمة بدون أي شكّ.

كذلك فإنّه بإمكان الدول الخارجية، إذا ما شاءت الضغط على السعودية للإفراج عن الحريري، لكن الولايات المتحدة الأميركية التي تُعتبر شريكة السعودية في مخطط محاولة القضاء على «حزب الله» من خلال احتجاز الحريري وإجباره على الإستقالة بهدف شلّ الحركة السياسية في البلاد، لن تقوم بأي خطوة من هذا النوع في الوقت الحالي، على ما ذكرت الأوساط، وإن أعلنت أخيراً أنّ الحريري شريك قوي لأميركا وحذّرت أطراف داخلية أو خارجية في المنطقة من استخدام لبنان ساحة حرب بالوكالة... وحدها فرنسا تتحرّك في إطار حلحلة الوضع وإعادة الحريري الى لبنان، إذ زار الرئيس إيمانويل ماكرون المملكة في زيارة خاطفة دامت لساعتين التقى خلالها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رشح عنها أنّ ماكرون ناقش خلالها قضايا لبنان واليمن وإيران، وبحث تحديداً موضوع الحريري، وقد طمأنه ولي العهد بأنّه لا يخضع للإقامة الجبرية. غير أنّ الخارجية الفرنسية أعلنت على أثرها أنّها تحرص على أن يكون الحريري حرّاً في تحرّكاته وقادراً على القيام بشكل كامل بدوره الحيوي في لبنان، ما يدلّ على وضع الحريري الخطير كما على وقوفها الى جانب لبنان من خلال المطالبة بضرورة عودته الى بلاده.

وإذا ما استمرّت الأمور على ما هي عليه من تعطيل ببقاء الحريري محتجزاً في الرياض، واستقالة الحكومة غير مقبولة، ولكن عملها مشلول بطبيعة الحال، فإنّ عون لن يُبقي الأمور معلّقة، على ما أفادت الأوساط، فلديه خطة تصعيدية قد تصل الى التحرّك تجاه مجلس الأمن الدولي أو غير ذلك، فكلّ شيء في أوانه. وتجدر الإشارة الى أنّه ليس في القانون اللبناني أي إشارة الى «رئيس حكومة محتجز أو مغيّب»، بل رئيس حكومة مستقيل أو موجود، ما يتطلّب إجتهادات وتفسيرات لما أوقعت المملكة لبنان فيه، من المبكر الخوض فيها الآن.

وفيما يتعلّق بقرار منع التظاهر فقد اتخذته وزارة الداخلية والبلديات بإيعاز من بعبدا، بحسب المعلومات، لأنّها لا تريد حالياً رؤية الشعب في الشارع، لأنّ ذلك يُظهر لبنان مضعضعاً، وإن كانت التظاهرات تهدف الى مطالبة الشعب اللبناني باستعادة رئيس حكومته المغيّب سعد الحريري. وهي تضع ورقة التظاهر جانباً الى أن يحين وقتها، إذ لا بدّ أولاً من استنفاد كلّ الطرق والوسائل السياسية والديبلوماسية قبل السماح بتحرّك الشارع.

دوللي بشعلاني

المصدر: الديار