غاندي: 150 سنة نجاح!

  • مقالات
غاندي: 150 سنة نجاح!

يحتفل العالم هذه الأيام بمرور 150 عاماً على ميلاد صانع الهند الحديثة الزعيم التاريخي المهاتما غاندي، الذي كان ملهماً لعدد غير بسيط من أهم زعامات العالم وقادته، مثل مارتن لوثر كينغ، ونيلسون مانديلا، والدالاي لاما وغيرهم. كم سيكون غاندي فخوراً اليوم لو كان بيننا ويرى تطور بلاده بالشكل المذهل الحاصل.
الهند اليوم هي إحدى أهم الدول في العالم واقتصادها ينمو بسرعة هائلة، هي أكبر ديمقراطية في العالم، ودولة مدنية بامتياز، بها فقر شديد لكنها بلا مجاعة، ولديها اكتفاء ذاتي في كل شيء. في الهند طاقات بشرية مذهلة مكّنتها من أن تكون ماكينة تصدير للمواهب حول العالم. اليوم هناك هنود يقودون أهم شركات العالم مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«بيبسي» على سبيل المثال لا الحصر. معهد إدارة الأعمال في الهند بات يعد من أهم الجامعات حول العالم، و«مفرخة» للمواهب والقيادات الإدارية، بالإضافة إلى أنه كوّن سمعة استثنائية جعلت من نسب القبول في الانتساب إليه أصعب بكثير من جامعات هارفارد وستانفورد الأميركيتين وكامبريدج وأكسفورد البريطانيتين.
هناك مشهد «تاريخي» لا يُمحى من ذاكرة الهنود يتمثل في زيارة الأمير فيليب زوج الملكة إليزابيث، لجناح صناعات الهند في معرض «لندن إكسبو» في ستينات القرن الماضي، وقال تعليقه الشهير وقتها: «وهل تصنع الهند أي شيء»؟ لتمر السنوات وتمتلك الشركات الهندية مثل «متال» و«تاتا» شركات الحديد والصلب البريطانية، وتعود شركة «تاتا» العملاقة لتستحوذ على درَّتي التاج في صناعة السيارات البريطانية، وتصبح شركتا «جاغوار» و«لاندروفر» مملوكتين لها. إنه الانتقام في أقوى صوره، خصوصاً حينما يراقب الهنود الوضع المتخبط في بريطانيا وحال الحكومة المضطرب فيما يخص علاقة البلاد مع الاتحاد الأوروبي، وتداعيات الخروج منه والمعروف باسم «بريكست».
هناك مطالبات متصاعدة من المجتمع الدولي بأن يكون للهند مقعد دائم في الأمم المتحدة يليق بمكانتها الجديدة، وهي مطالب وجيهة وذات منطق. الهند تمكنت من استغلال جيد وحكيم للقوى الناعمة التي لديها سواء من جالية قوية ومؤثرة ومنتشرة حول العالم، في كندا وأستراليا إلى أميركا وجنوب أفريقيا مروراً بالخليج وأوروبا، وبها نماذج ناجحة جداً في مجالات التجارة والطب والمحاسبة والهندسة. كما تمكنت الهند من تصدير ثقافتها عبر كتبها ورواياتها فأصبح في إس نيبال وأرونداتي روبي أسماء هندية لامعة في عالم الرواية والأدب، وتحولت بوليوود إلى أهم وأكبر منتج للأفلام في العالم. وباتت أسماء مثل شاروخ خان وعمران خان وأميتاب باتشان أحد أهم النجوم في العالم، ومع الوقت تحول المطبخ الهندي ببهاراته ومذاقه سواء «المدراسي» أو «الحيدرابادي أو «الكلكتاوي» إلى أحد أهم المطابخ المميزة حول العالم. والشاي الهندي لا يزال يحتل المكانة الأكثر تميزاً من المنتجات المثيلة. حتى الأزياء والمجوهرات والمعمار الهندي تحولت جميعها إلى مطلب للمصممين حول العالم.
إنها «اللحظة الهندية»؛ بلد متعافٍ يستعد للاحتفال بقرب وصوله للدولة الأكبر سكاناً عندما تتخطى الصين عما قريب، يجذب استثمارات من كل صوب، يحتل مكانة مميزة من ضمن أكبر عشرين اقتصاداً حول العالم، بلد مدني يحترم طوائفه وأعراقه كافة، ومثال ناجح للغاية على نجاح الديمقراطية بامتياز.
كم سيكون سعيداً ذلك المحامي الضئيل الجسم الذي جال بين جنوب أفريقيا والهند قبل أن يتخلص من الاستعمار البريطاني من دون عنف وبسلمية تامة، ليؤسس دولة عظيمة أصبحت مثالاً على نجاح فكرة الدولة المدنية والديمقراطية والتعليم الجاد والإبداع الفكري.
من حق الهنود أن يفتخروا ببلادهم وبغاندي هذه الأيام، ومن حق غاندي أن يسعد ويفتخر بما أنجزه هو ومن أتى بعده.

المصدر: الشرق الأوسط