كيف تموّل السلسلة؟

  • مقالات
كيف تموّل السلسلة؟

لأول مرة تضع هذه الطبقة السياسية إصبعها على الجرح التي تسببت به من خلال الالتفات الى الموظفين وحقوقهم.
فالخطاب السياسي حتى الان كان فارغاً من إطاره العلمي ومبني على تعزيز العصبية الطائفية والانبطاح للخارج وتوزيع الحصص واحتكار السلطة من قبل بضعة احزاب هي اقرب للدكاكين التي تؤله زعمائها.
بالطبع هذا لا يبني دولاً بل متاريساً وبالتالي لن تؤدي عملية الفساد التي امتهنها السياسيون الا الى إفلاس الدولة والاتجاه نحو سيناريو فينزويلي او يوناني وفي أفضل الظروف مصري حيث انهارت العملة وازداد الشعب فقراً.
لأول مرة نتحدث عن فلسفة الضريبة التي تربط المواطن بدولته ولهذا السبب أسست البرلمانات على أساس الانتخاب المباشر من الشعب الذي يحاسب ممثليه كل فترة زمنية بناء على حسن إدارتهم للموازنة ومراقبتهم لآلية تنفيذها وحرصهم على عدم هدر المال العام من قبل السلطة التنفيذية من خلال طرح الثقة برئيس الوزراء والوزراء.
لأول مرة ينتفض الشعب اللبناني لا نصرة لزعيم بل حفاظاً على لقمة العيش فالفقر لا دين له.
من هنا وامام الضغط الشعبي وهشاشة الوضع الاقتصادي والعجز السياسي من وضع قانون انتخابي وطني لا فئوي هذه الطبقة السياسية الفاسدة والعقيمة زيادة سلسلة الرتب والرواتب لتشتري فيها ولاءات مناصريها من الموظفين. 
وبما ان هذه الطبقة غير كفوءة او غير جدية في الإصلاح لجأت الى تغطية تمويل السلسلة بزيادة الضرائب وكيف لا وهي لا تستمد شرعيتها من الشعب بل من تمديد أول وثانٍ مخالف للدستور وهي متجهة بالفعل الى تمديد ثالث و"طز" بالارادة الشعبية.
الا ان هذا الحل هو حل ديماغوجي لا يمكن ان ينتج عنه الا تضخم في الأسعار سيؤدي الى تبخر القيمة الفعلية للزيادة والى تضخم في عجز الموازنة او انكماش اقتصادي لن يؤدي الا الى الكارثة.
لذا نحن نقول نعم للحفاظ على حقوق حقوق الموظفين ولكن هذا يمر عبر زيادة المعاشات تدريجياً على مدى ست سنوات للوصول الى رواتب عالية كما هو الحال في سينغافورة لانه لا يعقل ان يتقاضى المدير العام ما يوازي الفي دولار وهو اعلى مرتب في الوزارة فما بالك بقية الموظفين الذين يريدون ومن حقهم ان يعيشوا حياة كريمة في اعتماد هذه الزيادة التصاعدية نستقطب الكفاءات التي نحن بحاجة اليها في الوظيفة العامة ولكن هذا وحده لا يكفي، بل يجب ان يتزامن مع تفعيل جباية الضرائب قبل الشروع الى زيادتها ووقف الهدر ويتطلب ايضا تفعيل مراقبة تضخم الأسعار وتعزيز دور مصلحة حماية المستهلك ويتطلب زيادة ساعات الدوام واعتماد مؤشرات للإنتاجية ووقف التوظيف في الادارة العامة الا للوظائف الضرورية لتخفيض حجم القطاع العام. ويتطلب ايضا اعتماد موازنة الأهداف والمحاسبة التحليلية لمعرفة كيفية صرف الاعتمادات المرصودة في الموازنة وما هي نسبة تحقيق الأهداف التي رصدت من اجلها تماما كما تفعل كندا وغيرها من الدول المتطورة واللجوء الى التعاقد مع موظفي الفئة الاولى لمدة اربع سنوات تجدد لمرة واحدة فقط كما هو حاصل في الكويت. كما يتطلب تفعيل اجهزة الرقابة من هيئة التفتيش المركزي التي تعاني من شغور ثلثي ملاكها وتفعيل صلاحيات الهيئة العليا للتأديب المولجة بانهاء عقود الموظفين الذين يرتكبون اخطاء فادحة او الفاسدين منهم وتفعيل قانون من أين لك هذا وتعديل احكامه التي تجعل منه حبرا على ورق حيث التصريح عن الثروة المقدم من الرؤساء والوزراء والنواب والموظفين غير جدي وهو كناية عن مغلف مقفل لا يفتح ولاتحترم مواعيد تقديمه لا في بداية تسلم الوظيفة ولا بعد الانتهاء منها. فعلى سبيل المثال احد المسؤولين الكبار لم يقدم تصريحه الا في العام ١٩٩٢ ومنذ ذلك الحين تعتبر ولايته استمرارا للولاية الاولى وبالتالي لا حاجة لتجديد التصريح عن امواله حيث ينص القانون ان كل من يتخلف عن التصريح خلال الثلاثة أشهر الاولى لتوليه منصبه يعتبر مستقيلا بحكم القانون. فهل نصدق ان هذا المسؤول او ذاك من الممكن ان يكونوا يوما ما تحت القانون؟! أضف الى ان الكثير من الوزراء والنواب والموظفين لا يصرحون عن اموالهم عند انتهاء ولايتهم وفي حال أردنا رفع دعوى ضدهم علينا دفع رسم مقداره خمسين مليون ليرة ونكون عرضة لغرامة بقيمة ٢٠٠ مليون ليرة ناهيك عن العطل والضرر.
بالعودة الى السلسلة فاذا أردنا زيادتها علينا ايضا اعتماد الحكومة الالكترونية تماما كما فعلت إستونيا لتبسيط المعاملات وتسهيل حياة المواطنين وتقليص الاحتكاك المباشر بين الموظف والمقيم او والمواطن والحد من من تدخلات السياسيين وإساءة استخدام صلاحيات الموظفين. هذا سيخفف ايضا من زحمة السير والتلوث ويوفر الوقت وما له من ايجابيات على الاقتصاد والنمو. كما علينا ايضا تفعيل اللامركزية الادارية واللاحصرية والسماح للبلديات واتحاد البلديات بالتوظيف من فائض الادارة العامة واللجوء الى خدمات جوالة تؤمنها الادارة للمناطق النائية كما هو الحال في جورجيا.
علينا ايضا تفعيل دور المدرسة الوطنية للإدارة لكي يتم تأمين دورات تدريب فعالة للموظفين ليواكبوا العصر واعتماد فلسفة جديدة للخدمة العامة، كما يتطلب ذلك تعيين وسيط الجمهورية المجمد منذ عام ٢٠٠٥ لمساعدة المواطنين في الدفاع عن حقوقهم تجاه الادارة وتعديل امتحانات الدخول الى الوظيفة العامة وتفعيل دور مجلس الخدمة المدنية وتعديل قانون المناقصات العامة الذي يشجع على الفساد والهدر والمحاصصة وتفعيل قانون الحق في الوصول الى المعلومات والتصويت على قانون كاشفي الفساد وقانون استقلالية القضاء وزيادة سن التقاعد.
كلها حلول مترابطة تغنينا عن الزيادة الضرائبية او تقلل من حدتها وتعيد تموضع الطروحات السياسية في إطارها الصحيح بعيدا عن الخطابات الرنانة الفارغة من اي فحوى والتي لا تعالج مشاكل المواطنين اليومية.
كما انه آن الاوان لتحويل مكتب وزارة الدولة لشؤون التنمية الادارية الى وزارة سيادية لانها الأساس في بناء دولة وبناء ادارة عصرية كفيلة بضمان حقوق المواطنين بدلا من التهافت على وزارات تسمى خدماتية الهدف منه السرقة وتوزيع الغنائم على حساب الشعب ومقدراته.
بانتظار ذلك ولانتظام الحياة السياسية في لبنان ولإعادة الثقة بنوايا الأحزاب على مختلف توجهاتها بات من الضروري تفعيل عمل المجلس النيابي لا لجهة زيادة ضرائب عشوائية بل لجهة استجواب كل من رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية ووزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد ووزير الدولة لشؤون التنمية الادارية ووزير التربية والتعليم العالي ووزير الاقتصاد والتجارة لقصورهم في إيجاد حلول موضوعية وجدية لتمويل السلسلة ومعالجة الأوضاع الاقتصادية. فمن دون هذا الاستجواب الذي يجب ان يترافق مع طرح الثقة لا معنى بكل مواقف الأحزاب التي تدعي حرصها على مصلحة المواطنين.
اطرحوا الثقة بالوزراء وأتونا بوزراء من نفس التوجهات لا مانع ولكن أكفأ وأقرب الى قضايا الناس ولتركز هذه الوزارة على وضع قانون انتخابات يؤمن تمثيلا صحيحا لمختلف اطياف المجتمع ولنطلق اخيراً نقاشا سياسيا يفرز الناس بين يمين ووسط ويسار بدلا من فرزهم بين الطوائف!

ربيع الشاعر

المصدر: Agencies

الكاتب: ربيع الشاعر