لبنان.. الذئب المنفرد

  • مقالات
لبنان.. الذئب المنفرد

قفز مصطلح "ذئب منفرد" إلى الواجهة في لبنان، على خلفية الجريمة التي ارتكبها اللبناني عبد الرحمن مبسوط يوم الإثنين الماضي، في مدينة طرابلس (شمال). سقط ضحية الاعتداء الإرهابي أربعة عناصر من قوى الأمن والجيش اللبناني، فضلاً عن تفجير الجاني نفسه حين حاصرته القوى الأمنية. والمعروف أن "الذئب المنفرد" هو الشخص الذي يرتكب أعمال عنف في دعم مجموعة، أو حركة، أو أيديولوجيا، بمفرده، من خارج هيكل القيادة، ومن دون مساعدة مادية من أي مجموعة. ومع أن مفهوم "الذئب المنفرد" برز في السنوات الأخيرة، على خلفية الاعتداءات الفردية التي حصلت في بلدان أوروبية عديدة، وتبنّاها تنظيم (داعش)، إلا أنه في لبنان لم يكن غريباً أساساً، ذلك أن الاعتداءات الفردية حصلت أيضاً في بيروت وضواحيها، فضلاً عن طرابلس وعرسال والقاع. لا أحد تحدّث في حينه عن "ذئاب منفردة"، لكن عواءها كان يتردّد في لبنان.
وكالعادة، حين "تكتشف" الطبقة السياسية ـ الإعلامية اللبنانية مصطلحاً ما، تبدأ باستخدامه بغزارة ومن دون سبب، على اعتبار أنه "مصطلحٌ جديد جدير بالتكرار". مع العلم أن الهدف من التوصيف الحالي، كاستنساخ للمفاهيم الغربية في الحرب على الإرهاب، هو التأكيد على الخطورة التي يشكّلها أمثال الجاني في طرابلس، لا الإشارة إليه وطيّ الصفحة وكأن شيئاً لم يكن. وبدلاً من وضع ملف طرابلس على الطاولة في لبنان، وبحث مسبّبات تحوّل أحد أبنائها إلى "ذئب منفرد"، بات الحديث عن الطائفة التي ينتمي إليها الجاني. وفي بلدٍ كلبنان، لا يُمكن معالجة أي جريمة أو تداعياتها، لمنع تكرارها، إذا ما تحوّلت السجالات طائفيةً، معطوفة على سلوك خاطئ ومتسرّع من السياسيين والأمنيين.
وقعت الجريمة يوم الإثنين، ومع أن عبد الرحمن مبسوط قام "بغزوته" في مدينته، إلا أن كل شيءٍ "بات من الماضي". الحديث في لبنان يتمحور حول "التهجّم على الطائفة السنيّة"، أو "الدفاع عنها"، بما يشبه تحفيز قيام "ذئاب منفردة" عدة، قد يشنّون هجماتٍ جديدة. ومع أنه كان يُفترض أن نكون قد دخلنا في مرحلة حوار داخلية عميقة في لبنان وطرابلس، كي لا تعود التفجيرات والعمليات الإرهابية، انشغل السياسيون، من أمثال وزير الدفاع إلياس بوصعب والأمين العام لتيار المستقبل أحمد الحريري (ابن عمّة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري)، بحرب تغريداتٍ متبادلة على "تويتر". تخيّلوا أن شخصين يمثلان تيّارين من الأكبر في لبنان: الوطني الحرّ والمستقبل، ينغمسان في حربٍ افتراضيةٍ غبية، فيما أهالي طرابلس لم يستيقظوا بعد من صدمتهم، وخصوصاً أن الجريمة حصلت عشية احتفالهم بعيد الفطر. أيضاً، كان لافتاً استعجال وزيرة الداخلية ريا الحسن، والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان، في تحليل الجريمة، بما يشبه تبسيطها، حتى لو لم يكونا قد قصدا ذلك. 
تيعتبر السلوك اللبناني الرسمي خصوصاً نوعاً من طفولية أو مراهقة مرّ عليها الزمن. لا يتمّ التعاطي مع المآسي بحجمها، بل وفقاً لحساباتٍ سياسيةٍ ومذهبية، وهو ما يُبعد مفهوم المعالجات الجذرية واقتصار ردود الفعل على الكلام المنمّق، وتمرير الحادثة زمنياً، وترقيعها قدر الإمكان. دائماً ما يكون التفكير السياسي ـ المذهبي أساساً لـ"الولدنة السياسية" في لبنان، باسم "الحرية" و"الديمقراطية التوافقية". الآن الجريمة وقعت في طرابلس، والحديث المذهبي يستعر. الدولة غائبة عن أبسط واجباتها، وهو "تحرير المدينة من مسبّبات الإرهاب"، ذلك أن استمرار الاضطراب في طرابلس سيُفضي حكماً إلى توسّعه في مختلف المدن والمناطق اللبنانية. إما أن الدولة فعلاً هي "ذئب منفرد"، يهدف إلى ترسيخ اللا استقرار في لبنان، للمحافظة على سلطتها، أو أن تقضي على "الذئاب المنفردة" بمفهوم إصلاحي اجتماعي ـ اقتصادي بعيداً عن المذهبية. وإذا كنت أعرف بلادي جيداً، فإنها تفضّل المحافظة على سلطتها على حساب رخاء شعبها وتطوير منظومة المواطنة.

المصدر: العربي الجديد