مقالات

لبنان والاستيلاء الإيراني

أرادت جماعةٌ مسيحيةٌ سياسيةٌ لبنانية قديمة (لقاء سيدة الجبل) عقد اجتماعٍ في فندق البريستول أو روتانا ببيروت، للبحث فيما آلت إليه الأوضاع في الحياة السياسية اللبنانية في ظلّ التأزم الطاحن، الناجم عن عدم القدرة على تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات، والحالة الاقتصادية والمعيشية السيئة، ونزاعات الاستيلاء والفساد السائدة في إدارة الدولة في لبنان. لكنّ إدارة الفندقين عادت فرفضت عقد الاجتماع، لأنّ الدكتور فارس سعيد منسّق أعمال الجمعية المذكورة أعطى الاجتماع عنواناً أثار غضب «حزب الله» وهو: المعركة الوطنية لرفع الوصاية الإيرانية عن القرار الوطني وللدفاع عن الدستور والحفاظ على العيش المشترك. وبمجرد الإعلان عن رفض الاجتماع بسبب تدخل «حزب الله»، تضامنت جمعياتٌ وأحزابٌ مع «لقاء سيدة الجبل»، وعقدت اجتماعاً تضامنياً في مقر «حزب الكتائب» حضره رئيسا حزبي «الكتائب» و«الوطنيين الأحرار» وشخصيات سياسية لبنانية، وجمعيات مدنية وجمهور حاشد. إنّ هذا التململ الحاصل في أوساط النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللبنانية، يحاول التعبير عن نفسه بأشكالٍ مختلفةٍ منذ انتخاب الجنرال عون لرئاسة الجمهورية قبل سنتين ونيِّف. إذ لا يغيب عن البال أنّ الرئيس نفسه جرى فرضه من «حزب الله» بعد ثلاث سنوات من الفراغ في سدة الرئاسة. وعندما كانت الحرب في سوريا مشتعلة، وصراعات التطرف والإرهاب جارية في سوريا والعراق وليبيا واليمن ومواطن أُخرى. وفي ظل «التسوية» التي تحدث عنها الجميع، جرى اشتراع قانون للانتخابات وإجراؤها بحيث سيطر الحزب وسيطر الرئيس الجديد في مجلس النواب بعد الرئاسة. وبسبب التزام رئيس الحكومة القديم والجديد بسقوف «التسوية»، فإنه صار أضعف الأطراف السياسية، وسط التحالف القائم بين رئيس الجمهورية و«حزب الله»، وضمهما للسياسيين والمجلس تحت جناحهما، والاستيلاء شبه الكامل على سائر أجهزة الدولة وإداراتها. علةُ الأزمة في لبنان إذن هي هذا الاستيلاء الصانع للانشلال. وهذا ما عبّر عنه المتحدثون في الاجتماع التضامُني المذكور. وقد قال رئيس «حزب الكتائب»، النائب سامي الجميِّل، إنه صارت لهذا الاستيلاء «فلسفة» يقودها ويعبر عنها رئيس الجمهورية، مفادُها أنّ اللبنانيين لا يستطيعون مقاومة استيلاء التنظيم المسلَّح هذا، لذلك ينبغي الخضوع لإملائه، وانتظار انتهاء «أزمة الشرق الأوسط»، والبحث عن الحلول في اتجاهاتٍ أُخرى. بيد أنّ تلك الاتجاهات انحصرت حتى الآن في الإمعان بالسيطرة على إدارات الدولة، والتغول على «الطائف» والدستور، وخلق مزيد من الشرذمة الطائفية والمذهبية والسياسية. إنّ ما يحاول لقاء سيدة الجبل إذن هو فتح نافذةٍ في جدار الأزمة المستحكمة. لذا مضى إلى السبب الحقيقي، بدلاً من التركيز على جزئياتٍ خادعة، كما فعل ويفعل كثيرون. إنه وبسبب سيطرة الحزب على القرار السياسي والعسكري في لبنان، صارت البلاد تُعاني من عزلةٍ عن العرب والعالم. وبخاصةٍ أنّ الحزب لا ينشر المذهبية والتهديد بالداخل وحسْب، بل ويخالف القرارات الدولية الحامية للبنان. وفي كل آن يصرِّح الإيرانيون بأنهم استولوا على أربع عواصم عربية منها بيروت. ثم إنّ الحزب يتفاخر بصواريخه الموجَّهة إلى إسرائيل، فيردُّ عليه الإسرائيليون بتحديد أماكن انتشارها حول مطار بيروت. ويمضي وزير الخارجية اللبنانية، صهر الرئيس، مع دبلوماسيين إلى مساحاتٍ على مقربة من المطار وسط أضواء الإعلام، لإثبات كذب ادعاءات إسرائيل التي لا ينكرها الحزب! ليس في لبنان قطاعات صناعية معتبرة، بل فيه القطاع المصرفي أساساً، ومعظم موجوداته من تحويلات اللبنانيين في الخارج. فكيف سيأتي السائحون واللبنانيون وسط الجدل بشأن أمن المطار، وأمن البلاد؟ ولماذا يستثمر الأجانب في لبنان، بل ولماذا يحوِّل اللبنانيون مدخراتهم إلى مصارف بلادهم، ما دامت الأوضاع الأمنية والسياسية على هذه الشاكلة، وما دام حصار العزلة والتأزم واحتمالات الحرب تطوق لبنان؟! ما كان الوضع بهذا السوء، وما كان الناس من التشاؤم مثلهم الآن.. وكأننا عشية احتلال بيروت عام 2008. إنما الفرق أنّ المعارضين للسلاح غير الشرعي كانوا وقتها أكثر أملاً وفعلاً. أما اليوم فهناك عجزٌ مشهود وانقسام أكبر. لا مخرج من الأزمة في لبنان إلاّ بالخروج من استيلاء الصواريخ والمليشيات المسلحة. ولا طريقة لذلك إلا العمل على استعادة الدولة لسيادتها ومؤسساتها وحريات التفكير والتعبير والتصرف في مجتمعها.

هل تجاوز التأليف مطبّات المناكفات؟

بمعزلٍ عن السيناريوهات التي يُطلقها مدّعو المعرفة والمتضرّرون والمغيَّبون عن مساعي التأليف والراغبون بموقعٍ على لائحة المتضرّرين والضحايا، يبدو للمراقبين أنّ المعطيات التي تقود الى تأليف الحكومة قد تجاوزت كثيراً من العقبات والمناكفات. فكيف السبيل الى هذه القراءة الإيجابية؟بعدما عبر التكليف منتصف الشهر الخامس، راكمت المساعي المبذولة لتأليف الحكومة بعض المعطيات الإيجابية التي توحي بإمكان نجاح الرئيس المكلف سعد الحريري بتقديم أولى تشكيلاته المتوافق عليها مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، شكلاً ومضموناً وحصصاً وحقائب بعدما انتهت المرحلة التي قيل فيها إنّ رئيس الجمهورية وفريقه في واد والرئيس المكلَّف في واد آخر.

الحريري «قرفان»

هل زجّ الرئيس المكلّف سعد الحريري نفسه في ورطة مجانية عندما التزم علناً قبل أيام بتأليف الحكومة خلال 10 أيام، خصوصاً أنّ الرمال اللبنانية المتحرّكة قادرة على ابتلاع أي مهلة؟ أم أنّه كان يُدرك جيداً ماذا يفعل وبالتالي فهو لم ينطلق من فراغ حين تطوّع لتحديد توقيت الولادة الحكومية على الملأ؟ تتعدّد التفسيرات لمغامرة الحريري في اللعب مع عقارب الساعة التي قد «تلدغه» أو «تنصفه»، تبعاً لما ستنتهي اليه مهلة الايام العشرة الآخذة في التقلّص شيئاً فشيئاً، من دون ان تظهر حتى الآن دلائل واضحة الى قُرب تشكيل الحكومة.

loading