مقالات

بدأت مرحلة تنظيم الفراغ الحكومي...

اللبنانيون يتلهّون بالتسريبات المقصودة حول خلاف الأحجام والحقائب في اعتبار أنها العائق الفعلي أمام الاتّفاق على تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية. لكنّ ثمّة نقاشاً جديداً بدأ يدور همساً في الكواليس السياسية ويتعلق بطريقة إدارة مرحلة الفراغ الحكومي والتي يبدو أنها ستطول. هذا النقاش الدائر ولو بصوت خافت يؤشر أولاً الى أنّ الآمال في مخارج حكومية تلاشت، وثانياً الى الإقرار ببدء مرحلة الفراغ الحكومي من دون أن يكون أحدٌ قادراً على التكهّن بمدتها، وثالثاً الى أنّ مرحلة الفراغ الحكومي هذه هي مختلفة عن كل أنواع «الفراغ» التي سبقت ما يستوجب تنظيم هذا «الفراغ» وابتداع «بروتوكولات» التعايش معه بأقل مقدار ممكن من الأضرار، والتغلّب على التحدّيات وفي طليعتها على الخطرين الاقتصادي والمالي. ومن هنا لا بد من تلمُّس الاشارات التي صدرت في هذا الاتّجاه كمثل الكلام الذي أورده الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله حول عدم وجود حكومة في الأمد المنظور، وقول أحد نواب «الحزب» في جلسة سياسية مغلقة إنّ حظوظ الاتّفاق على حكومة هي ما دون الصفر. وكذلك اللقاء الاخير الذي جمع الرئيس سعد الحريري برئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع حيث اقتصر الكلام على الصيغة الحكومية الجديدة المطروحة والآراء حولها على دقائق معدودة فقط، فيما طاول النقاشُ بعدها جوانب أخرى منها طريقة تفعيل الحكومة المستقيلة وعقد «جلسات الضرورة» على غرار مجلس النواب «طالما أن لا فائدة تُرتجى من البحث عن مخارج حكومية». ليس فقط الجشع والعناد وتكسير الرؤوس هي الأسباب الفعلية التي تحول دون التفاهم الحكومي، فهنالك سبب أكبر معلوم، ولو أنه غير معترف به ويتعلّق بالاستحقاق الرئاسي طالما أنّ الحكومة الموعودة ستكون في حال ولادتها آخر حكومة في عهد الرئيس ميشال عون. ووفق هذه العقدة التي تتخفّى خلف كل الحسابات والصيَغ المطروحة، يحصل التداخل والتدخل الإقليمي في مسألة التشكيلة الحكومية. هي حكومة الاستحقاق الرئاسي بجدارة. وقبل سفر رئيس الجمهورية والوفد المرافق الى نيويورك لإلقاء كلمة لبنان من على منبر الامم المتحدة، بدا أنّ ثمّة حصاراً دولياً مفروضاً على لقاءات رئيس الجمهورية في نيويورك. فعدا الرئيس المصري والملك الأردني وبطبيعة الحال الامين العام للامم المتحدة بدا برنامج اللقاءات خاوياً وهو ما دفع الى طرح التساؤلات، فحتى في عزّ الحصار الدولي على الرئيس السابق إميل لحود كانت برامجُ لقاءاته متعددة ومتنوّعة. في بيروت قيل إنّ لبنان في الاساس لم يوسّع برنامج اللقاءات وإنّ ما طلبه حصل وتحقّق. لكنّ في الاوساط الديبلوماسية كلاماً آخر فيه كثير من الغمز واللمز، إذ من غير الطبيعي على سبيل المثال عدم حصول لقاء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خصوصاً بعدما كثر الحديث أخيراً عن مبادرة فرنسية لحلّ الازمة الحكومية وسط تحرّكات للسفير الفرنسي في لبنان نقل خلالها رسائل شفهية من ماكرون. كما أنّ الرئيس الفرنسي تعهّد خلال وجوده في نيويورك الإدلاء بتصريحات لوسائل إعلام لبنانية عن موضوعات لبنانية. في التبرير الرسمي الدولي انّ الارتباطات كانت قد حصلت سابقاً وباتت جداول المواعيد مقفلة. لكنّ هذه التبريرات لم تُقنع بعض المراقبين الذين أعطوا تفسيرهم على أساس وجود قرار سياسي خارجي يهدف الى إمرار رسالة من بندين: الأول، عدم رضى اوروبي ودولي على سياسة لبنان الرسمية. والثاني، وهو الأهم، عدم فتح الابواب أمام أيِّ اجتهادات أو تفسيرات قد تصل الى حدود الاستحقاق الرئاسي المقبل في ظلّ اقتصار الوفد الرسمي على الوزير جبران باسيل كمرشح رئاسي أكثر منه وزير خارجية، ولهذا الموقف تأثيره على الأزمة الحكومية. وقبل ذلك ثمّة تفاهم غير معلن بات موجوداً بين السعودية و«القوات اللبنانية» والحزب التقدمي الاشتراكي حول طريقة مقاربة الاستحقاق الرئاسي من خلال الحكومة المقبلة، ويتولّى جعجع قيادة هذه المعركة، فيما يبدو الحريري عاجزاً عن تجاوز هذه الجبهة. هذا إذا افترضنا أنه يريد ذلك. لكنّ الأهم موقف «حزب الله» الحقيقي في الازمة الحكومية. لا جدال في انّ قيادة «حزب الله» تريد حكومة اليوم قبل الغد، وهي ابلغت موقفها هذا الى جميع القوى التي راجعتها منذ اليوم الأول، والحريري في مقدّم هؤلاء. فالظرف الإقليمي المتفجّر اضافة الى الضغوط الخارجية التي بدأ يشهدها لبنان يجعل «حزب الله» في موقع اكثر أماناً مع وجود حكومة غير معادية له. لكن الحزب وبعد الانتخابات النيابية وقف في منتصف الطريق، أي أنه تابع وواكب المشاورات المعقّدة حول تأليف الحكومة، لكنه لم يتقدم الى الخطوط الأمامية ليشكّل رأسَ حربة ضاغطة لولادة الحكومة. مصادر «الحزب» عزت ذلك الى أنه لا يريد إعطاء الانطباع بأنه خائف ومرتعد من المحكمة الدولية والضغوط الخارجية، إضافة الى حرصه على عدم الظهور في موقع الحزب المقرّر أو الحاكم، واكتفى بالمتابعة من بعيد وبإيلاء رئيس المجلس النيابي نبيه بري مهمة التفاوض. لكنّ ثمّة تفسيراً آخر يحلو لبعض المراقبين الحديث عنه. فوفق هؤلاء فإنّ السبب الحقيقي لعدم انخراط «حزب الله» في المفاوضات بنحوٍ حاسم أنه غير مستعد ولا يريد إلزامَ نفسه بأثمان سياسياً، خصوصاً لا سيما حول الاستحقاق الرئاسي المقبل كثمن لتذليل العقبات وتدوير الزوايا. ومن هذه الزاوية يفسّر هؤلاء الكلام المثير الذي كان قد أطلقه نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم حين قال أولاً إنّ الاستحقاق الرئاسي يُحسَم قبل اسابيع معدودة من موعده، وحين قال ثانياً إنّ الحكومة لا تؤثر في هذا الاستحقاق بل جملة معطيات داخلية وخارجية وتأتي احياناً بمفاجآت. وعندما اطلق قاسم «رسالته» الموجّهة الى مجهول، سرى انطباعٌ عام بأنه موجَّه الى باسيل. لكن سرعان ما نفى «حزب الله» ذلك رسمياً وتحدثت مصادره الى أنه موجَّه الى سمير جعجع. على رغم ذلك فإنّ كلام قاسم أكد الربط الحاصل بين تأليف الحكومة واستحقاق رئاسة الجمهورية، اضافة الى أنّ موقف «حزب الله» حيال ذلك لن يظهر إلّا قبل موعد الاستحقاق بفترة بقصيرة، وأنه غيرُ مستعدّ لإعلان التزامات مسبقة كما كان فعل مع عون. في اختصار فإنّ مرحلة إدارة الفراغ الحكومي بدأت، فيما «القوات» تسعى الى تأمين توافق لعقد جلسات الضرورة لملء الفراغ الذي لا يبدو أنه يشبه غيره من «الفراغات» التي شهدها لبنان. وقد يكون الخطران الاقتصادي والمالي واللذان أدخلا لبنان فعلياً في النفق الخطر، دافعاً الى تنظيم الفوضى الموجودة في وقت ما تزال قلّة من الناس تراهن على صدمة اقتصادية ـ مالية تدفع بالجميع الى تدوير الزوايا وإنجاز حكومة تحت الضغط وعلى أساس ثلاثة بنود إنقاذية: ـ أولاً: تشكيل حكومة سريعة تشهد تنازلات لدى الجميع. ـ ثانياً: نوعيّة وزراء اكفياء، لا وزراء تبعيين و«أزلام». ـ ثالثاً: تنفيذ برنامج عمل نوعي خلال الاشهر الثلاثة الأولى من عمرها. ولكن هل هذا واقعي في لبنان؟

من «السوخوي» إلى «إيليوشين 20» إلى الـ«أس 300»!

الى أين تتّجه المنطقة؟ سؤالٌ مطروحٌ بقوة في هذه الفترة؛ ويتسابق مع التطورات المتلاحقة على الساحة السورية ومن خلالها على أكثر من ساحة محيطة بها. الصورةُ محاطة حتى الآن بالغموض، ما يجعل من الصعوبة رصد اتّجاهات البوصلة السياسية والعسكرية، التي لم تثبت بعد على اتّجاهٍ معيّن. يقرأ خبيرٌ في السياسة الروسية، مشهدَ المنطقة وما يحيطها من تداعيات، من خلال محطتين أساسيتين: - المحطة الاولى، حادثة إسقاط طائرة «السوخوي» الروسية من قبل الدفاعات التركية في منطقة الحدود مع سوريا؛ في تلك الفترة بلغ الخلاف الروسي التركي ذروته حيال الأزمة السورية، وكانت لرجب طيب أردوغان أهداف وطموحات كبيرة جداً في سوريا، حيث سعى من خلال إسقاط طائرة «السوخوي» الى محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة في الميدان السوري، وتذكير الروس بمأساة أفغانستان عبر التلويح بإمكانية تجديدها في سوريا.

Advertise
loading