مقالات

هل تجاوز باسيل «الخطوط الحمر»؟

راكمت مواقف الوزير جبران باسيل بعد تأليف الحكومة الجديدة، بصفتيه وزيراً للخارجية ورئيساً لـ«التيار الوطني الحر»، كثيراً من الملاحظات التي لم يُعطها الى الآن أي أهمية، في وقت اعتبر بعض زملائه انه تجاوز بعضاً من الخطوط الحمر التي رسمها رئيس الحكومة سعد الحريري والبيان الوزراي. ولذلك طرح السؤال: هل انّ باسيل يعترف بمثل هذه الخطوط؟ بعد ساعات على تأليف الحكومة أطلّ باسيل من منبر «التيار الوطني الحر» من سن الفيل مُستعرضاً من يمينه وشماله كتلته الوزارية الإحدى عشرية، مقدّماً جردة شكّلت خليطاً سياسياً وادراياً ووزارياً وحزبياً.

اللبنانيون لا ينتظرون حلولاً لأزماتهم بعد تشكيل الحكومة

تشكَّلت الحكومة اللبنانية بعد انتظار تسعة أشهر حافلة بالتعقيدات. وفي تغريدته الأولى بعد التشكيل، قال رئيسها سعد الحريري: «إلى العمل»، وذلك بعد اعتذاره للبنانيين عن التأخير، مشيراً إلى تحديات اجتماعية واقتصادية. لكن ماذا ينتظر اللبنانيون في هذه الحكومة؟ سؤال طرحته «الشرق الأوسط» وعادت بأجوبة تعبر عن يأس المواطن من إمكانية أي تغيير إيجابي، وبمطالب تقتصر على تأمين الخدمات التي لا جدال في حصوله عليها، ولا تستوجب في الأساس أن تشكل الهاجس اليومي في القرن الحادي والعشرين. والإجماع على فساد السلطة السياسية عنوان يوحد الجميع، كذلك اعتبار قانون الانتخابات «كارثة» رسَّخت استهتار الطبقة السياسية بمطالب الناس. وتقول المدرِّسة والناشطة فدا عطار: «لا ننتظر شيئاً لأن اختيار الوزراء للحكومة العتيدة يشبه تحريك أحجار الشطرنج، وكل وزير سيكون رهن إرادة مَن وزره. ولن يحقق تغييراً مفيداً. الوزراء لم ينتفضوا إلا إذا انتقد خصم سياسي زعيمهم. البلد أصبح خراباً. لكن إذا أسعفنا الحظ ببعض ذوي الاختصاص، وتمكنوا من القيام بواجباتهم بمعزل عن التجاذب السياسي، فقد يحدثون فرقاً». إلا أن الباحث الاقتصادي والأستاذ الجامعي إياد الخليل يشرِّح «فساد منظومة أهل السلطة»، فيقول إنه «لا يتوقع كثيراً من تشكيل الحكومة، وإن كانت ستنتج استقراراً سياسياً. القوى الممسكة بالسلطة لم تتغير، ولا مصلحة لها لتحسين النظام الاقتصادي والاجتماعي والضريبي. ولعل أموال مؤتمر (سيدر) ستسهم بتحسين البنى التحتية وتؤثر إيجاباً على الاقتصاد». ويرى الخليل أن «مكافحة الفساد شعار لا محتوى له، لأن المنظومة لا تزال على حالها. الضرائب قليلة أو شبه معدومة على أرباح الأثرياء والقطاع المصرفي، مع الإشارة إلى أن المصارف ليست قطاعاً خاصاً إذا أخذنا بالاعتبار أن 58 في المائة من توظيفاتها هي سندات خزينة وشهادات إيداع، والنسبة الأكبر من إيراداتها تأتي منهما. بالتالي هي مرتبطة بالقطاع العام وتنهج سياسة القطاع الخاص، ولا تدفع ضرائب عادلة على هذه الإيرادات. كما أن الفاتورة التراكمية لفوائد الدين العام التي تعود إلى المصارف، تفوق بأضعاف فاتورة البنى التحية وصيانتها وتطويرها. وهذه السياسية المالية هي قمة الفساد». من جهتها، ترى رويدا أبو الحسن، وهي ربة منزل وناشطة اجتماعية أن «الوقت أصبح متأخراً لينتظر اللبنانيون شيئاً من هذه الطبقة السياسية التي سيعمل من فيها ليملأ جيوبه من المال العام. الموظفون الكبار تابعون لمافيات السلطة، لذا لا محاسبة». ويرى الناشط حسين عز الدين، من صور في جنوب لبنان، أن «اللبنانيين يعيشون على أمل أن يستعيدوا الأمل بإمكانية إعادة تكوين الدولة ومؤسساتها. والحكومة المرتقبة ستشهد تناغماً في شهرها الأول، ثم تبدأ الخلافات على مغانم السلطة، وستذهب الأموال إلى جيوب المحاسيب والمشاريع الخاصة بهم. نحن لا نريد مساعدات من مؤتمر (سيدر) وغيره، لأنها ستسهِم بإغراق البلد بالدين وتعويم هذه الطبقة السياسية الفاسدة». وداد، مديرة مؤسسة تهتم بالشأن الثقافي، تنتظر العدل والحقوق المتساوية للجميع. وتقول إن «الفوضى والمحسوبيات هي السائدة. من لديه مركز لديه أفضلية. والمواطن لا يجد من يحميه. ومن لا يجلس في ديوانية أحد الزعماء لا سند له». وترى وداد أن «المنتظر تغيير الطبقة السياسية ليتمكن المواطن من تحصيل حقوقه، ومساءلة المسؤولين». أما المدير التنفيذي للمركز اللبناني للبحوث والدراسات (Politicat) طوني حبيب، فيفترض أن «المنتظر من الحكومة معالجة الوضع الاقتصادي، لأن الحالة المعيشية للمواطن لم تعد تحتمل. كما أن التركيبة السياسية تجعل الأمل بمعالجة الأزمات الكبرى، كالسلاح خارج الدولة، ليست واردة». ويلفت حبيب إلى أن «قانون الانتخابات كرَّس اكتفاء الكتل البرلمانية بحلول سطحية، وإلغاء كل مَن لا يدور في فلكها». المدير التنفيذي لـ«شبكة المنظمات غير الحكومية العربية للتنمية» زياد عبد الصمد، وفي قراءة لأجوبة الناس، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «السلطة نجحت في اقتصار مطالب المواطن على قضايا لا تستدعي النضال، عوضاً عن مطالبته بتحسين الدولة ومؤسساتها. أوصلوه إلى مرحلة من اليأس، وذلك نتيجة الممارسات الحاصلة وغياب المساءلة». ويعتبر عبد الصمد أن «هذا تعبير عن الانحطاط الذي نحن فيه. وفي حين لا ينفرد لبنان بمروره بأزمة اقتصادية أو سياسية، إلا أن المؤشر السيئ هو ابتعاد المواطنين عن السياسة وتسليمهم بالأمر الواقع واستقالتهم من دورهم.». أما أستاذة علم الاجتماع الدكتورة فهمية شرف الدين، فتعتبر أن قراءة هموم اللبنانيين لها وجهان. وتقول: «يواجه اللبنانيون ظروفاً سيئة. وأنا كمعارضة أعتبر أن المسؤولية تقع على السلطة السياسية التي لا تريد تحقيق القليل من المطالب».

5 أسباب ساهمت بولادة الحكومة في هذا التوقيت بالذات!

لا يمكن الكلام عن سبب واحد أدى إلى تأليف الحكومة، بل هناك 5 أسباب أساسية ساهمت مجتمعة في ولادتها في هذا التوقيت بالذات. يتأثر لبنان بما يجري في محيطه، وهذا أمر طبيعي وتاريخي، وهذا ما دفع القوى المؤسسة للكيان اللبناني إلى اعتماد او إقرار مبدأ الحياد تجنّباً لنقل نزاعات الخارج إلى الداخل، والتحييد لم يحل دون ان يتأثر لبنان برياح غربية من هنا وعربية من هناك، ولكن لم يسبق ان كان فاقداً قراره كما كان عليه الوضع إبّان حقبة الوصاية السورية. وبعد خروج الجيش السوري عام 2005 استعاد لبنان جزءاً من قراره وحيويته الداخلية، فيما الجزء الآخر ظل خارجيّاً بفعل دور «حزب الله» الإقليمي ورفضه تسليم سلاحه للدولة اللبنانية. وعلى رغم من ذلك استعادت الحياة السياسية الداخلية وزنها وتأثيرها، وأصبحت العوامل الداخلية تطغى أحياناً على العوامل الخارجية، وهذا ما حصل مع انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، ولكن الأهم في كل ذلك انّ التدخل الخارجي لم يعد مرئياً ولا فظاً ولا مباشراً. فالتدخلات الخارجية تحولت تمنيات وتحذيرات، وهذه التدخلات لم تنجح مثلاً في ثَني عون عن ترشحه للانتخابات الرئاسية، ولم تنجح ايضاً في دفع خصومه الى انتخابه. وهذا الانتخاب لم يحصل إلّا نتيجة التفاهمات التي أبرَمها عون مع «القوات اللبنانية»، ومن ثم مع تيار «المستقبل»، وأخيراً مع «الحزب التقدمي الإشتراكي»، واضعاً نفسه على مسافة واحدة من الجميع، أي انتقاله من موقع الطرف إلى موقع الوسط. وما حصل رئاسياً إنسحب حكومياً، حيث لم تولد الحكومة سوى نتيجة عوامل داخلية، وقد يكون بعضها بأبعاد خارجية، تجمّعت وأدّت إلى ولادة هذه الحكومة. وبالتالي، لا يمكن الكلام عن عامل واحد، إنما عوامل عدة وترتدي الأهمية نفسها: ـ العامل الأول، وصول الوزير جبران باسيل إلى اقتناع بأنّ عامل الوقت لم يعد يخدم سَعيه في اتجاه انتزاع الثلث المعطّل، وانّ عامل الوقت هذه المرة مختلف عن المرات السابقة في أمرين أساسيين: الأول هو انّ العهد عهده والاستنزاف يصيبه مباشرة، فيما الاستنزاف سابقاً كان يطاول غيره، وبالتالي لا يأبه للفراغ إذا استمر أشهراً أو سنوات. والأمر الثاني هو انّ الوضع الاقتصادي هذه المرة يختلف عن السابق، والانهيار يكاد يكون حتمياً، ولا مصلحة له في حصول هذا الانهيار الذي يؤدي تلقائياً إلى انهيار الوضع السياسي السائد. وقد حاول باسيل بشتى الوسائل الاحتفاظ بـ«الثلث المعطّل»، إن من خلال استعادة الوزير المسيحي من الرئيس سعد الحريري وتمثيل «التشاوري» من حصة «المستقبل»، أو تمثيله بشخصية تكون في الشكل والمضمون داخل تكتل «لبنان القوي»، أو عبر إعادة النظر في حصص أخرى واتفاقات سابقة. ولكن بعد سقوط كل هذه المحاولات، وأمام إصرار «حزب الله» على انتزاع الثلث منه، وهذا تحديداً ما قاله النائب سليمان فرنجية في بكركي الذي ما زال صدى كلماته يتردد عندما توجّه إليه بالقول: «تنازل عن الثلث لتتشكّل الحكومة غداً»، وهذا ما حصل حقيقة. وبالتالي، إنّ وصوله إلى الحائط المسدود، وخطورة استمرار الفراغ دفعاه في نهاية المطاف إلى التنازل عن «الثلث المعطّل». ـ العامل الثاني، تلويح الحريري بخطوات تصعيدية في حال لم تؤلف الحكومة، والمطلعون على موقف الحريري، ومنهم باسيل طبعاً، يدركون تماماً انه كان أمام الرجل 3 خيارات: الانتقال إلى السراي الحكومي، الاعتذار من أجل إعادة التكليف، والاعتذار ورفض التكليف مجدداً. و الخيار الأخير الذي كان جدياً يعني سقوط التسوية السياسية ودخول لبنان في عزلة عربية ودولية، وحتى تصريف الأعمال او إعادة التكليف يعني خلط الأوراق وقلب الطاولة وتمديد الفراغ ووضع الجميع، وتحديداً المعرقلين، أمام الأمر الواقع الآتي: إمّا الإلتزام بشروطي أو لا حكومة، لأنّ الحريري لم يعد في استطاعته المسايرة ولا الإستمرار في المراوحة. ولا يجب التقليل من هذا العامل الذي دفع التأليف قُدماً في اعتبار انّ موقف الحريري الحاسم كان كفيلاً بأخذ البلاد في اتجاه آخر، والدكتور سمير جعجع كان يستعد لملاقاته ترجمة للاجتماع الباريسي بينهما، ودعوته تكتل «الجمهورية القوية» كانت بخلفية تصعيدية، لأنّ الوضع لم يعد يتحمّل استمرار الفراغ والمناورات على حساب الناس والبلد. وبالتالي، لو لم تتشكّل الحكومة لكان لبنان حكماً أمام مشهد سياسي جديد. ـ العامل الثالث يرتبط بالواقع الاقتصادي الذي وصل إلى حافة الهاوية، ولم تعد تنفع معه الترقيعات، ويتطلّب معالجات بنيوية لإعادة وضعه على السكة الصحيحة، والتحذيرات على هذا المستوى داخلية وخارجية، فضلاً عن اهتزاز الثقة الدولية، وعدم استبعاد انهيار الوضع بكامله والدخول في فوضى وثورات تبدأ من مكان يصعب التكهُّن لاحقاً بمؤدياته ونتائجه والمسار الذي يمكن ان يدفع البلاد إليه. ـ العامل الرابع، مؤتمر وارسو الذي يعمد البعض إلى تبسيطه والتعامل معه وكأنه جلسات «عَصف فكري»، وهذا التبسيط لا يفيد أحداً، خصوصاً انه يلتئم في ضوء قرار أميركي كبير بالعقوبات على طهران ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، ودفع إيران إلى طاولة المفاوضات للبحث في دورها وضرورة تغييره قبل اللجوء إلى مزيد من الخطوات التصعيدية. فالولايات المتحدة تريد حشد أوسع تأييد دولي لمواجهتها مع طهران، ومؤتمر وارسو يدخل في هذا الاتجاه تحديداً، ما يعني انه سيُصار إلى تسريع الخطوات التصعيدية، وهذا التصعيد قد لا يقتصر على إيران بل يمتد إلى فروعها، وفي طليعتها «حزب الله» الذي يواجه بدوره عقوبات شديدة، ولكن من يستطيع ان يجزم مثلاً انه بعد مؤتمر وارسو لن يتعذّر على لبنان تأليف حكومة تضمّ «الحزب»؟ ولذلك، فضّل ان تتألف الحكومة تلافياً لأيّ مفاجآت وعلى قاعدة «حكومة في الجيب أفضل من لا حكومة»، واستعداداً لكل الخيارات، خصوصاً انّ الامين العام للحزب السيّد حسن نصرالله تَقصّد في مقابلته التلفزيونية الأخيرة أن يضع نفسه وراء الجيش والدولة وتحت سقف «اتفاق الطائف»، وبالتالي الدخول في الحكومة في هذه المرحلة يشكّل مصلحة استراتيجية للحزب. ـ العامل الخامس يتصل بالخشية الدولية من انفراط لبنان في حال لم تؤلَّف الحكومة، لأنه لا يريد أن تنفجر في وجهه أزمة اللاجئين، كذلك لا يريد ان تتمدّد ساحات النزاع التي يريد حصرها والتحكم بها، ولهذا السبب كان يضغط في اتجاه تأليف الحكومة، وفي أسوأ الحالات، تفعيل حكومة تصريف الأعمال تجنّباً لانهيار البلد اقتصادياً، وتداعيات انهيار من هذا النوع على البلد برمّته. إنّ كل هذه العوامل تُشكِّل مجتمعة الدوافع الى تأليف الحكومة من وصول باسيل إلى نتيجة مفادها انّ انتزاع «الثلث المعطّل» غير ممكن، مروراً بتلويح الحريري بقلب الطاولة، وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية التي وضعت لبنان على شفير الهاوية، ومؤتمر وارسو الذي يمكن ان يشكّل مفصلاً أساسياً يؤدي إلى إعادة ترتيب أوضاع المنطقة برمتها، والخشية الدولية على الاستقرار اللبناني.

loading