مقالات

كما "الشطف يبدأ من فوق" كذلك "المعالجة يجب ان تبدأ من فوق"

في زمن الهزائم والانكسارات تكثر شعارات السخرية لتُعبِّر بشكل ظريف ورشيق عن واقع الحال، فاحيانًا، شعارٌ واحد يكون كفيلًا بأن يختزل مطوَّلات لا تفي بالغرض، وشعارات السخرية غالبًا ما تكون أكثر عمقًا من الشعارات الجدية، وفي أحسن الأحوال تلتقي معها لجهة المعنى. وُلِد من هذا الشعار شعارٌ آخر مشابه وهو "المعالجة من فوق"، فحين تبدأ هذه المعالجة من فوق فإنها حين تصل الى تحت تكون المعالجة قد بلغت نهاياتها ولا تكون في البداية. *** والمقصود بالمعالجة من فوق هي المعالجة لأبواب الهدر الكبيرة والرواتب المرتفعة والمخصصات الهائلة: فعلى مستوى الرواتب، لا بد من وضع جدول بالرواتب من أعلاها وصولًا إلى راتب الحد الادنى، فيبدأ "شطف" التقشف والاقتطاع من الراتب الأعلى إلى الراتب الأقل، وعلى سبيل المثال لا الحصر: راتب الخمسين مليون ليرة يجب ان تُقتطع منه نسبة أكبر بكثير من راتب الخمسة ملايين ليرة، وراتب الخمسة ملايين ليرة يجب ان تُقتطع منه نسبة أكبر من نسبة راتب المليون ليرة. وعلى مستوى الساعات الإضافية، يجب وقف العمل بالساعات الإضافية، والعمل فقط ضمن الدوام. خصوصًا ان هناك شعارًا ثالثًا يمكن استنباطه من موضوع الإنتاجية واللاإنتاجية وهو: ​القطاع الخاص​ يعمل من دون زيادات فيما ​القطاع العام​ لا يعمل ويتقاضى زيادات ​سلسلة الرتب والرواتب​. *** هذا "الشطف" يكون من خلال إعادة النظر بالرواتب الباهظة لكبار العاملين في الدولة من خلال وقف العمل خارج الدوام، أو إفادتهم من بدل مالي تعويضاً عن مشاركتهم في اللجان، وهذا ينطبق على رؤساء وأعضاء مجالس الإدارات وبعض المديرين العامين ، خصوصاً أن رواتب وتعويضات بعض هؤلاء تفوق رواتب الرؤساء. ومَن يريد الإطلاع اكثر ليقرأ حجم رواتب هيئة قطاع النفط. كذلك لا بد من وضع معايير جديدة للتعويضات التي تُصرف لرؤساء ​الجمهورية​ والمجالس النيابية السابقين، وأيضاً النواب السابقين. *** ومن المقترحات الممكنة تجميد دفع جزء من الزيادة التي أُعطيت للموظفين في القطاع العام وللاساتذة عبر سلسلة الرتب والرواتب، لمدة 3 سنوات على أن يعاد إليهم المبلغ المقتطع بعد انقضاء هذه المهلة، وبفائدة معينة. *** لماذا هذا الإجراء؟ لأن عدد العاملين في القطاع العام يبلغ نحو 300 ألف ويكلفون الدولة 42 في المئة من قيمة ​الموازنة​ العامة. ومن "إجراءات الشطف" إعادة النظر بمنح التعليم ومخصصاته: تصرف الدولة نحو 430 مليار ليرة كمنح تعليمية لأبناء موظفي القطاع العام . ويبلغ مجموع استفادة موظفي ​الجيش اللبناني​ 122 مليار ليرة، ​قوى الأمن الداخلي​ 62.5 مليار ليرة، ​الأمن العام​ 14.5 مليار ليرة، ​أمن الدولة​ 5.960 مليار ليرة، ​الجمارك​ 7.450 مليار ليرة. ويستفيد موظفو الدولة عبر ​تعاونية موظفي الدولة​، بنحو 120 مليار ليرة، وعبر صناديق التعاضد بنحو 20 مليار ليرة. اما موظفو المؤسسات العامة والبلديات، فيستفيدون بمنح تعليمية يبلغ مجموعها 75 مليار ليرة. هنا يجب مناقشة الموضوع بصراحة: لماذا لا يتم تفعيل ​المدارس الرسمية​، فيكون التعليم عبرها، ومَن لا يريد المدارس الرسمية فليدفع من جيبه الخاص كلفة ​المدارس الخاصة​، فلماذا هناك تفاوت في الوطنية بين قطاع عام لا يدفع وقطاع خاص يدفع؟ *** هذه عينة من المعالجة من فوق، وما لم يحدث هذا الأمر فإن الهيكل سينهار على رؤوس الجميع سواء مَن هم فوق أو مَن هم تحت.

كفى.. أقفلوا ابوابَ هدرِكم وفسادِكم وإياكم ان تمدوا ايديكم على القطاع المصرفي

بات في حكم المَقضيّ، ووفق معلومات موثوقة ومؤكدة، ان الموازنة العامة للعام 2019 لن توضَع على طاولة ​مجلس الوزراء​ إلا بعد عيد الفصح، هذا يعني أن الموازنة "رُحِّلَت" إلى شهر أيار، بتأخير خمسة أشهر عن موعد إقرارها الذي كان يجب ان يكون في آخر السنة الفائتة، وبتأخير شهرين عن التاريخ الذي حدده الموفد الفرنسي المكلف تنفيذ مقررات ​مؤتمر سيدر​ "​بيار دوكان​" الذي كان طلب أن تُنجز الموازنة في آخر آذار الفائت كحد أقصى، وفي آخر هذه السنة يجب ان تُنجز موازنة العام 2020. إذًا، موعد جديد يُضرب للموازنة، لنعود مجددًا إلى "لغة الأرقام" التي حين تتحدث فلا يعود هناك حديث آخر. الموازنة لم تعد من الأمور المستعصية، بل إن تأمين "تمويلها" بات من الأمور المستعصية، خصوصًا أنها ليست "موازنة استثمارية"، إذا صح التعبير، بل هي "موازنة نفقات": فتكلفة الرواتب للعاملين في ​القطاع العام​ من عسكريين ومدنيين تقدّر حالياً بأكثر من 8 آلاف مليار، أي ما يعادل نحو 5 مليارات و500 مليون دولار، موزّعة على 150 ألف موظف وما يزيد على 100 ألف متقاعد بين مدنيين وعسكريين. "النفقة" الثانية هي الفوائد على ​الدين العام​. "النفقة" الثالثة هي ​المحروقات​ لمعامل ​الكهرباء​ وللبواخر. فماذا يتبقَّى؟ من هنا كانت الضرورة لبدء التفكير لإعادة النظر في رواتب رؤساء وأعضاء مجالس الإدارات، ويقول خبراء ومصرفيون ان بعضها لم يعد من ضرورة لوجودها لغياب أي دور لها، إضافة إلى إقفال بعض السفارات ال​لبنان​ية في الخارج، وتقليص إرسال الوفود الوزارية لحضور المؤتمرات والاستعاضة عنها بتكليف السفراء لتمثيل لبنان فيها. وهناك حديث ما زال يدور في الكواليس، ويتحدث عن امكان دفع بعض التعويضات على شكل سندات خزينة شرط ألاّ تطال صغار الموظفين. أما التحدي الأكبر فيكون من خلال خفض الرواتب العالية إضافةً إلى إعادة النظر في التعويضات التي تُصرف لرؤساء ​الجمهورية​ والمجالس النيابية والنواب السابقين. هذا البند من شأنه تحقيق هدفين: الأول تحقيق وفر بمليارات الليرات من جراء خفض التعويضات. والثاني فتح الباب أمام التخفيضات التي يجب ان تطال المُرتّبات والمخصصات العالية سواء في الإدارات العامة أو المؤسسات الرسمية. وهناك الوفر الذي يجب ان يتحقق من خلال إعادة النظر بالتدبير الرقم 3 في ما يتعلق بالعسكريين، لكن وبسبب تعقيدات تنفيذه فإن المقترحات تتحدث عن إمكان تقسيم "التدبير الرقم 3" إلى ثلاثة مستويات: المستوى الأول، إفادة القطاعات العسكرية المنتشرة في ​الجنوب​ في مواجهة إسرائيل من هذا التدبير دون المس فيه، على أن ينطبق أيضاً على القطاعات العسكرية المتمركزة على طول الحدود الشرقية والشمالية للبنان مع ​سوريا​. وبالنسبة إلى انتشار القطاعات العسكرية في خارج هذه المناطق، فإن التعويض على المشمولين بهذا الانتشار يقضي بأن يُعطى هؤلاء شهرين عن كل سنة خدمة، في مقابل إعطاء شهر ونصف الشهر عن كل سنة للآخرين من هم خارج خطة الانتشار. في المقابل، فإن استمرار الهجمة على ​القطاع المصرفي​، من شأنه ان يؤدي مفعولًا سلبيًا وعكسيًا، خصوصًا ان القطاع المصرفي أصبح في المرتبة الاولى لجهة تحصين الإستقرار الاجتماعي، ومن ابرز عوامل هذا الاستقرار القروض السكنية التي وافقت عليها المصارف، والتي بلغ مجموعها 131 الف قرض حتى أواخر عام 2018، أي ما مجموعه 13 مليار دولار. فهل تُكافأ المصارف بالحملات عليها؟ دائمًا، لا بد من التذكير بأن المصارف تحمل 33 مليار دولار سندات خزينة بالليرة اللبنانية والعملات الاجنبية لتغطية العجز بالموازنة العامة. يا سادة. فتشوا عن ابواب الهدر والفساد قبل ان تطرقوا أبواب القطاعات الناجحة التي هي السبب في استقرار البلد.

Majnoun Leila
loading