مقالات

بكركي: الحكومة قبل فكّ الزينة والمغارة!

تكثّفت الإتصالات الحكوميّة في الساعات الماضية بغية استعجال التأليف وعدم إضاعة المزيد من الوقت، ودخلت المرجعيات على خطّ إعادة ضخّ الحياة في التسوية المرتقبة. تبدو بكركي مستعجلة للتأليف أكثر من باقي المرجعيات السياسيّة والحزبية في البلاد. وإذا كان همّ الحكومة طاغياً على الساحة السياسيّة، فإنّ أنظار الصرح البطريركي تتوجّه بشكل كبير الى المرحلة الأهمّ وهي مرحلة ما بعد التأليف، لأنّ الأساس يبقى الشروع في الإصلاحات الضروريّة لإنقاذ الوضع وعدم إغراق البلاد في الديون وحروب الإستنزاف العبثيّة. وتُبدي بكركي تخوّفها من أن يستمرّ مسلسل إضاعة الوقت وتفويت الفرص على لبنان، فالتأليف لا يعني شيئاً إذا لم يترافق مع سلسلة تدابير إصلاحية تبدأ من كل وزارة على حدة، وتشمل كل مؤسسات الدولة من دون استثناء خصوصاً أنّ الفساد وصل الى درجات غير مقبولة وأصبح منظومة تقبض على رقاب الناس. وفي هذه الأثناء، لا ينفكّ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عن توجيه رسائله في كل الاتجاهات من أجل حثّ المسؤولين على القيام بواجباتهم وإنهاء «مهزلة» العرقلة التي تضرّ الوطن ولا تفيد أحداً. وتخيّم الإيجابيّة بقرب التأليف بشكل كبير على الصرح البطريركي، خصوصاً أنّ زيارة وفد «حزب الله» لمعايدة الراعي أمس حملت توضيحاً لبعض النقاط العالقة، وقد سرّعت في توقيت هذه الزيارة الأسئلة والرسائل التي وجهها الراعي الى المسؤولين وطالت سهامها بشكل كبير «الحزب»، كما أنّ البطريرك قد وجّه رسالة الى «الحزب» سابقاً عبر المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان لكي يسهّل الولادة الخلافيّة وينهي العقد التي رأى قسم من اللبنانيين أنها مصطنعة وتخدم أهداف لا تمتّ الى الشعب اللبناني بصِلة. وتؤكّد مصادر بكركي لـ»الجمهورية» أنّ كل تلاق يحمل مزيداً من التفاهم والحوار، فلبنان بلد صغير ويجب أن يتحدّث الجميع مع بعضهم البعض، وعندما اتصلت قيادة «حزب الله» ببكركي من أجل القدوم للتهنئة، رحّبنا بالفكرة». وتشدّد المصادر على أنّ الراعي لم يصوّب سهامه على «حزب الله» من أجل التصويب، بل هو توجّه الى جميع المعرقلين من دون استثناء، وقد وصلت تلك الرسائل الى «الحزب»، وكان اللقاء أمس مناسبة لتوضيح وجهة نظرهم من مسألة التأليف وتمثيل حلفائهم، وقد قال البطريرك كلاماً واضحاً لهم وتناول الأمور على حقيقتها، وأبدى الوفد تفهّمه للهواجس التي طرحت». وشكّل اللقاء مع «حزب الله» مناسبة لكي تبني بكركي فكرة عمّا قد يحصل في الأيام المقبلة، خصوصاً أنّ «الحزب» أكّد للبطريرك أن الحكومة قريبة، وأن العقد على طريق الحلّ. كذلك، فإنّ بكركي على تواصل مع المرجعيات الأخرى وعلى رأسها بعبدا و»بيت الوسط»، وتُبدي استعدادها لدعم أي خطوة تساعد على التأليف. جرت العادة في المناطق المسيحيّة أن تُزيّن البيوت بعد عيد البربارة في 4 كانون الاوّل وتفكّ الزينة بعد مرور عيد الغطاس في 6 كانون الثاني، لذلك تتمنّى بكركي أن تولد الحكومة قبل فكّ زينة الميلاد والمغارة، ليكون الاحتفال بالأعياد هذه السنة حاملاً معه حلّاً لأزمة حكوميّة شبه مستعصيّة. وفي السياق، تؤكّد بكركي انفتاحها على كل القوى السياسيّة، كذلك، تأييدها كل الحلول الحكوميّة، فما يهمّها هو الحلّ الجذري وليس شكله. لذلك، فإنّ كل الأفكار المطروحة حالياً، إن كان رفع عدد الوزراء الى 32 وزيراً، مع انه احتمال بعيد حالياً، أو فصل حصّة «التيار الوطني الحرّ» عن حصّة رئيس الجمهوريّة ودخول ممثّل «اللقاء التشاوري» ضمن حصّة الرئيس، كلها مشاريع حلول يجب أن تبصر النور حسب البطريركية لأنّ عامل الوقت ليس لصالح البلاد والعباد.

حكومةُ أمِّ الصبِّي

لا شفاعة «العدرا» أنقذَتْها، ولا ولادة المخلِّص، ولا «اتفاق مار مخايل».. فلا تزال في حالة تصريف الأعمال، ولا تزال «ممنوعةً من الصرف» الدستوري. وهمْ، ما زالوا يؤلَّفونها، يعصرون أدمغتهم المتفوِّقة حتى النـزْف، كأنهم يؤلِّفون الأنسيكلوبيديا «دائرة المعارف» الفرنسية، التي أصدرها الفيلسوف «ديدرو» واشترك معه في تحريرها أصحاب الإبداع الفلسفي: فولتير، مونتسكيو، وروسو... القضيّة إذاً، تحتاج الى أعجوبة القديسين ونبوغ الفلاسفة... إنها قضية تأليف الحكومة في لبنان. ولكنّ مدارك الفلاسفة في لبنان، لم تلحظ أنَّ تعاليم «دائرة المعارف» تلك، هي التي ساهمت في إعداد الثورة الفرنسية الشهيرة التي أطاحتْ التيجان والقصور، وأرستْ قواعد حقوق الإنسان. لا يزال الشعب الفرنسي مـؤْتمناً على تاريخه التراثي، ولا تزال تعاليم روّاده حاضرةً في الذهن الثوري، ها هو يرتدي الستْراتِ الصفراء منتفضاً على السلطة الحاكمة، مؤكِّداً حقَّـهُ في رَغَـد العيش... هناك شعب يثور على ارتفاع سعر الوقود، وهنا شعب يهونُ أمام انخفاض سعر الإنسان. الشعب عندنا خطفوه، وخطفوا معه الشارع الثـائر، كلُّ حزبٍ إقتطع كتلةً شعبية وسجَّلها مروَّضةً على إسمه، جعلوا من الشعب آلـةً مبرمجةً أوتوماتيكياً للصراخ بحياة الزعيم، وصادروا كل الألوان الشعبية والسترات الصفراء، ولم يبـقَ أمام الشعب لونٌ واحدٌ يرتديه. هلْ نصدّق، أنَّ هناك حكاماً ومسؤولين وسياسيين ومواطنين وبَشَراً آدميين، يمكن أن يلعبوا بمقدّرات البلاد ومصير العباد على هذا النحو من سخافة المسؤولية والخفّة الصبيانية والنزعة الأنانية المتهوِّرة. وهلْ نصدِّق، أن المسؤولين: حكاماً ونواباً وأحزاباً وسياسيين، يتراقصون سكارى أمام جريمةٍ تُرتَكَبُ باسمِ شعبٍ آمِـنٍ وكأنها مسألةٌ فيها نظَر...؟ يضحّون بالمقدّس للحصول على المدنّس، يدمّرون المملكة من أجل تاج ضائع، يسقطون الخليفة بهدف الخلافة، يعطِّلون ثلثي العهد من أجل ثلث معطِّل، ويعبثون بالحكومة للإنقضاض على الوزارات الحلوب، فتتحوّل «البيئة» فجأة الى حقيبة سيادية بكل صفقاتها وأوساخها ومزابلها، وأوساخهم ومزابلهم. لا نصدّق أن قرار تدمير كلِّ كائـنٍ حيٍّ في لبنان يتمّ على يد أبنائه، فإنْ صحَّ ذلك فمصيبة لبنان بـهمْ عظيمة، وإنْ كان التعطيل بقرار خارجي فالمصيبـة تصبح أكبر وأحقر، عملاً بقول الشاعر: وكمْ عندَ الحكومةِ مِنْ رجالٍ تراهُمْ سادةً وهمُ العبيدُ. فخامة الرئيس... دولة الرئيس المكلَّف. أمام هذا المسلسل الوطني المأتمي: لم يبقَ إلا قرارٌ إنقاذيٌ وطني واحد هو: أنْ تؤلِّفا الحكومة - ومِنْ دون استشارة أحد - مِنْ بعضِ مَنْ تبقّى في لبنان من أدمغة نابغة تكاد تُبلى بالُعقم، ومن بعضِ اللبنانيين الذين نبغوا في بلاد المهاجر فبنـوا في العالم دولاً، وحققوا للأوطان نهضةً، ورفعوا بعض الأمم الى القمم، ولتُطرَحْ هذه الحكومة على المجلس النيابي فإن أَسقطها المجلس، سقط المجلس في ظل هذه النقمة الشعبية العارمة. إنْ فعلتما يا فخامة الرئيس ودولة الرئيس، فقد يسجل لكما التاريخ مأثرةً وطنية، وإلا فما علينا في الثلثين المتبقِّيين من هذا العهد، إلا أن نتقبل لعنة الخطيئة الأصلية بحسب رواية «دم الآخرين» للكاتبة والمفكرة الفرنسية سيمون دي بوفوار، وهي أن يدفع الآخرون ثمن القرارات التي يتخذها الرؤساء، ولكي يستحقوا من يقودهم عليهم أن يتحملوا لعنة كونهم بشراً.

loading