هل المسألة مسألة صلاحيات؟

  • مقالات
هل المسألة مسألة صلاحيات؟

نكاد ننسى لماذا كان لبنان  وكيف ، لبنان الكبير طبعا ً من الناقورة الى النهر الكبير، وربما لهذا السبب هو في أزمة مستديمة تهدأ حينا ً وحينا ً آخر تشتعل، وربما ايضا ً لأننا لا نحسن التعامل معه وكل واحد منا يريده على قياس احلامه ورؤاه ، وهو في أي حال مشروع بلد ، كما كل بلد على وجه الارض اذ ليس من بلدان او اوطان جاهزة وغب الطلب أومن صنع الطبيعة بل مشاريع بلدان  واوطان هي من صنع البشر، قبائل او عشائر متفرقة تتحد في ما بينها بموجب مواثيق واتفاقات متدرجة ومصالح مشتركة ، او بقوة مقتدر يحسن الجمع بين الناس ، وهكذا كانت بدايات كل الاوطان في الشرق او في الغرب ، ومنها لبنان الكبير من الناقورة الى النهر الكبير.        

كان ذلك قبل مئة عام تقريبا ، وبمبادرة مسيحية ، وفي اطار البحث عن حلّ لمشكلة الاقليات الدينية والثقافية في الشرق ،  وسط منطقة  الدولة فيها دولة دينية واسلامية لا تتسع لمن ليس على دينها. فكان مشروع دولة لبنان الكبير، يؤسس لدولة مدنية وعلمانية قائمة على الحريات العامة ، وخصوصا ً حرية المعتقد التي لا وجود لها في في هذا الشرق :  مشروع وطن للمسيحيين وللمسلمين على  السواْء لا للمسيحين فقط ، حتى ليصح القول ان لهذه الغاية كان لبنان لا لأي سبب أومسوّغ آخر . والمقصود طبعا لبنان السياسي لا الارض أو المناخ أو الحدود. ومن أجل الوجود المسيحي الحرّ كان بلدا ً ووطنا ً ودولة ، ولولا ذلك لكان بلدا ً آخر او جزءا ً من بلد آخر أو قطعة أرض سائبة. وهو ليس بالتأكيد من صنع اتفاقات سايكس بيكو كما يزعم دعاة الأمة العربية الخالدة والوطن العربي الكبير.

وحده ربما رياض الصلح اكشف سر ّ هذا البلد عندما قال " كل ما يطمئن المسيحيين يجب ان يعطى لهم"، فمتى كان ذلك كانوا عربا ً أكثر من كل العرب. ولكن لسوء الحظ كان الاخذ بعد اغتيال بطل الاستقلال  أكثر من العطاء وكاد الميثاق الوطني المعقود في العام 1943  يصبح مغايرا ً لما جاء في الدستور ، الدستور العلماني كله. وتلك كانت حال معظم المواثيق المعقودة بما فيها طبعا اتفاق الطائف  الذي لم ينفذ منه بعد  الا ما يقلّل من صلاحيات رئيس الجمهورية او "الحكم الماروني"في وجه عام . قيل فقط " لقد أوقفنا العد" وهذا صحيح ، تطمينا ً للخائفين من الأخذ المتمادي، لكن من دون طائل : المسيحيون خائفون من الغد ، ولا فائدة من ان يقال للخائف لا تخف  ـ على حدّ ما كان يذهب  اليه  الشيخ بيار البجميل في ردّه على تطمينات بعضهم المخلصة وغير المخلصة ،ـ بل يفترض في الخائف نفسه ألا يخاف" . وما الذي تغيّر في هذه المنطقة حتى يطمئن الخائفون على حرياتهم ، وعلى ارواحهم وممتلكاتهم وارزاقهم بعد الذي حصل في العراق وسوريا واستمرار حرق الكنائس في مصر وعودة الاصوليات على انواعها ، وبخاصة بعد تحوّل "الربيع العربي" الى سلسلة من الانقلابات العسكرية وغير العسكرية مع الاصرار على اعتبار الدولة دولة اسلامية ، بل دولة الخلافة حتى اشعار آخر، رغم الاختلاف حولها وهل تكون سنية او شيعية . وعلى الاختلاف حولها بين تيارين كما قبل اربعة عشر قرنا ًواكثر، وهل تكون سنية كلها او شيعية كلها .                                                                                    

ألا يحق للناس ان تتساءل : لماذا المنطقة العربية والاسلامية لا تزال على ما كانت عليه قبل مئة عام ، فلم تتغير ابدا ً. حدثت انقلابات عدة لكن ولا واحد منها تطور الى ثورة  حقيقية على الاستبداد ، وبالتحديد على الاسباب والدوافع التاريخية التي استوجبت تأسيس دولة لبنان الكبير قبل مئة عام ؟ ولا معني في هذه الحال لأي كلام على الصلاحيات ، فكيف بالحصص والحقائب السيادية وغير السيادية.      

المصدر: Kataeb.org