هل يحق لمجلس النواب بعقد جلسة للتشريع في ظل حكومة مستقيلة

  • مقالات
هل يحق لمجلس النواب بعقد جلسة للتشريع في ظل حكومة مستقيلة

نصت المادة / 69 / من الدستور البند (3)ما يلي :

"  3 -  عند استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة يصبح المجلس النيابي حكماً في دورةانعقاد استثنائيةحتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة " .

وبالحالات العادية  ( اي عندما لا تكون الحكومة مستقيلة )  فأن العقود الاستثنائية يدعو اليها رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة بمرسوم يحدد فيه تاريخ افتتاحها وأختتامهاوبرنامجها ( المادة 33 دستور) ولا يبحث في هذا العقد الا بالبرنامج المحدد في مرسوم الدعوة،

 بينما المادة / 69 / وان كانت قد حددت تاريخ افتتاح واختتام دورة العقد الاستثنائي  لكنها لم تحدد برنامجها ، مما يعني بان المشّرع  أراد ان يميّز هذه الدورة الاستثنائية  ، عند أستقالة الحكومة ، بجعل برنامجها مفتوحاً على جميع المواضيع التشريعية التي قد تطرح في هذا العقد .وبالتالي  تكون جلسات مجلس النواب للتشريع  دستورية  .

اما بالنسبة للحكومة المستقيلة  وتصريف الاعمال فيها :

نصت الفقرة (2) من المادة / 64 / من الدستور على ان الحكومة لا تمارس صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها اواعتبارها مستقيلة الا بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال،

والمعنى الضيق لتصريف الاعمال لم يأتِ الدستورعلى ذكره ، ولم يحدد باي قانون،

بل هنالك تعاميم صادرة عن الرئيس نجيب ميقاتي رقم 10/2013  تاريخ 19/4/2013 وعن الرئيس تمام سلام رقم 20/2016 تاريخ 3/11/2016

وتعميم اخير صدر عن دولة الرئيس سعد الحريري على اثر اعتبار الحكومة مستقيلة ، وجميعهم بنفس النص والمعنى  ، حيث جاء فيها ما خلاصته :

1- الاعمال الادارية التصرفية التي لا تدخل في تصريف الاعمال ، وهي الاعمال التي ترمي الى احداث أعباء جديدة أو التصرف بأعتمادات هامة أو ادخال تعديل جوهري على سير المصالح العامة وفي أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية .

2- الاعمال الادارية العادية التي تدخل في تصريف الاعمال ، وهي الاعمال الادارية  اليومية التي يعود للسلطة الادارية المختصة اتمامها ،

3- وكذلك يدخل في تصريف الاعمال تلك القرارات التي من شأن عدم اتخاذها ان ينتج عنه فراغ كامل او تعطيل لكل اعمال السلطة التنفيذية ووقف لادارة مصالح الدولة العامة ، وكذلك يدخل في نطاق تصريف الاعمال التصرفية التي تجد مبرراتها في حالة الضرورة والظروف الاستثنائية وتأمين الأمن والنظام العام وأمن الدولة الداخلي والخارجي أو التي قد تسقط ان لم تتخذ في مهلة محددة  .

وهذا ما قرره مجلس شورى الدولة ، واتخذه اجتهاداً له في قراراته ،

القرار رقم 334/614  تاريخ  17/12/1967 حيث قسّم اعمال الحكومة الى ثلاث فئات :

1- الاعمال العادية الادارية Actesgestion اي الاعمال اليومية التي يعود الى الهيئات الادارية اتمامها ...

2- الاعمال التصرفيةActes de disposition في الظروف العادية وهي التي ترمي الى احداث اعباء جديدة او التصرف باعتمادات هامة او ادخال تغيير جوهري على سير المصالح العامة .... حيث لا يجوز للحكومة المستقيلة القيام بها،

3- الاعمال التصرفية في الظروف الاستثنائية : الاوضاع الاستثنائية التي تتعلق بالنظام العام وبأمن الدولة الداخلي والخارجي تسمح للحكومة المستقيلة باتخاذ تدابير ضرورية تخرج من تصريف الاعمال ....

وكذلك الامر، صدر عن المجلس الدستوري القرار رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 حدد فيه الظروف الاستثنائية بانها الظروف الشاذة الخارقة والتي تهدد السلامة العامة والامن العام في البلاد ومن شأنهما ربما تعريض كيان الامة للزوال ، وهذه الظروف الاستثنائية تعطي شرعية استثنائية غير منصوص عليها لا في احكام الدستور او القواعد ذات القيمة الدستورية.... كما ان العرف والفقه حددا " تصريف الاعمال "وما قد يدخل في نطاقه تلك القرارات التي من شأن عدم اتخاذها ان ينتج عنه فراع كامل لاحد السلطات الدستورية ولا تتصف بالاعمال التصرفية التي تستوجب قرارات تكون ملزمة للحكومة التي ستأتي بعدها ، وذلك عملاً بمبدأ استمرارية العمل في مرافق الدولة خصوصاً وان مصالح الشعب هي بين ايادي هذه المؤسسات،

في حضور الوزراء جلسات مجلس النواب :

نصت المادة /67/ من الدستور ما يلي :

"للوزراء ان يحضرو الى المجلس انى شاؤوا وان يسمعوا عندما يطلبوا الكلام،

"ولهم ان يستعينوا بمن يرون عمّال ادارتهم ... "

مما يعني ان حضور الوزارء الى مجلس النواب هو اختياريعندما ورد في النص   كلمة   كلمة  "للوزراء" ، ولا يوجد اي نص بالدستور يلزم الوزراء بحضور جلسات التشريع لمجلس النواب الا في حالات محددة كما في حالة الزام الدولة باعتمادات مالية مما يعني ايضاً امكانية سنّ القوانين بغياب الحكومة،

مبدأ فصل السلطات :

نص الدستورفي البند " ه " من مقدمته على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها ، وعليه لا يمكن المس بصلاحيات بصلاحيات مجلس النواب أو بصلاحيات رئيس الجمهورية ،

 

ففي حال صدور القوانين عن مجلس النواب في ظل حكومة مستقيلة ، يتوجب على رئيس الجمهورية نشر هذه القوانين ، ولا يمكن لحكومة مستقيلة او لرئيسها ان يحدّان  من صلاحيات رئيس الجمهورية التي تبقى كاملة وغير منقوصة  ،

وبالتالي على رئيس مجلس الوزارء والوزير المختص ان يوقعا هذه القوانين وذلك وفقاً لمبدأ تصريف الاعمال المنصوص عنه بالمادة /64 / دستور وان شلل عمل الحكومة باستقالتها لا ينعكس على باقي السلطات حيث يبقى التعاون بينها ، وبالتالي تبقى صلاحيات رئيس الجمهورية قائمة وكذلك صلاحيات مجلس النواب ، وعلى الحكومة المستقيلة التي تصرّف الاعمال التعاون مع هاتين السلطتين وفقاً لنص المادة 64 دستور

ومن جهة اخرى، وعما يثار في بعض وسائل الاعلام في شأن الموضوع التشريعي ،

نقل بعض النواب عن دولة الرئيس نبيه بري قوله في 2 آب 2018 " ان المادة 69 من الدستور واضحة لجهة حق المجلس النيابي بالتشريع في مثل الوضع الذي نحن فيه الان ، وان هناك اعرافاً سابقة حصلت حين كانت حكومات تصريف الاعمال ، عدا عن آراء الخبراء وكبار الفقهاء "واكد  " رغم هذا الحق الذي لا لبس فيه وفق نص الدستور ، الا انني افضل اتباع سياسة التروي كي لا تفسر الامور على غير محملها "

أختلفت الاراء الفقهية حول هذا الموضوع ،

 رغم اننا نقول ونردد المبدأ القانوني بأنه لا اجتهاد او تفسير عند وضوح النص

الفقيه الدستوري ادمون رباطحين طلب منه الرئيس برّي رأيه بالموضوع بتاريخ 3 ايار 1988 فيما اذا كان التشريع يتوقف في ظل حكومة مستقيلة  ،

 

كان جوابه : ان المجلس النيابي منذ فترة طويلة قد سار على عقد جلسات تشريعية في ظل حكومة مستقيلة ولان السلطة التشريعية مستقلة عن السلطة التنفيذية بقدر مت تسمح لها الظروف السياسية ، واذا كانت السلطة التنفيذية في حالة من الشك والانقسام فلا تؤلف هذه الحالة ولا يجوز ان تؤلف عائقاً او عذراً لكي تسير السلطة التشريعية على منوالها ، فما دامت السلطة التشريعية قادرة على ممارسة وظائفها الدستورية ، بخاصة في حقل التشريع

( هل يتوقف التشريع في ظل حكومة مستقيلة  مجلة الحياة النيابية المجلد /57/ كانون الاول 2005 – ص 183 –

سعادة النائب السابق بطرس حرب : اعتبر ان من الطبيعي لمجلس النواب ، في غياب الحكومة ، وفي ظل المادة الدستورية /69/ التي تعتبر المجلس في دورة انعقاد استثنائية فور استقالة الحكومة ، لا يتصرف وكأن لا مشكلة في البلد . لكن هذا لا يحد من سلطة البرلمان في الاقدام على العملية التشريعية ، ضمن اطار يحدده المجلس وفقاً للمصلحة الوطنية من دون التوسع في هذا المفهوم ، اي ان لا شيئ يمنع البرلمان من الاجتماع كهيئة تشريعية في جلسة يصدر فيها قوانين ويناقشها في غياب الحكومة  .......

وكذلك اعتبر النائب في حزب الله نواف الموسوي انه لا يمكننا ان نرهن عمل السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية ، وبالتالي لا بد لمجلس النواب ان يقوم بعمله  ....واكد ان مجلس النواب سيد نفسه وانطلاقا من مبدأ فصل السلطات وتعاونها ، يملك بموجب الدستور صلاحية التشريع، ويحق له اتخاذ اي قرار يريده .....واعتبر الموسوي ان القول بعدم دستورية وقانونية جلسات مجلس النواب في ظل حكومة مستقيلة يؤدي الى وضع المجلس النيابي في قبضة الشخصية المكلفة تشكيل الحكومة الجديدة ....

 

اما الآراء المقابلة والرافضة لجلسة التشريع :

كتلة تيار المستقبل  في  دراسهاالقانونية  بتاريخ  22/10/2013 حيث جاء فيها ما خلاصته: ان احكام الدستور والهيئات القضائية توافقن بانه لا يجوز التشريع في ظل حكومة مستقيلة لان مبدأ تصريف الاعمال بالمعنى الضيق يحظر على الحكومة المستقيلة ممارسة صلاحياتها التقريرية ومنها ممارسة حقها الدستوري بالكلام خلال اجراءات التشريع ، وان الدستور ينص على ان الحكومة لا تمارس صلاحيتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها الا بالمعنى الضيق لتصريف الاعمال ،

وعن موقف الرئيس نجيب ميقاتي الذي قال باننا لا نريد ان ندخل بهذا الجدل ، لانني اعتقد ان الرئيس بري لديه الحكمة لعدم طرح هذا الموضوع في الوقت الحاضر ، لكن من حيث المبدأ فالدستور يؤكد فصل السلطات ، فاعتقد بانه عندما ينعقد مجلس النواب بموجب سلطة تشريعية قوية وغياب سلطة تنفيذية بسبب الاستقالة ، فذلك يعني خللا في التوازن وبالتالي فالرئيس بري حريص على عدم حصول اي خلل في التوازنات في لبنان .

 

فلكل ما تقدم، يتبين لنا في هذا الموضوع بان الدستور كان واضحا بنصوصه والمحاكم وحدت اجتهاداتهاولا يوجد اختلاف او تناقض فيما بينها ، انما التناقض واقع في الاراء السياسية،  ومنهم من يفسر الدستور وفقا لرأيه السياسي أو وفقاً لغايات ... ،  مما لا يستقيم مع النصوص الدستورية الواضحة والصريحة وغير قابلة للتفسير  .

 

وعـــلـيـــه ،

وبما ان الدستور اعطى لمجلس النواب الحق بالتشريع في دورة انعقاد استثنائية دون ان يحدد برنامجها أو جدول أعمالها ،

 

وبما انه وعملاً بمبدأ الفصل بينالسلطات ، لا يمكن في ظل شلل الحكومة واستقالتها الحد من صلاحيات مجلس النواب ورئيس الجمهورية ، لانه لا يمكن ان يعطل البلد بكامله اذا كانت سلطة مجلس الوزراء معطلة ،

وبما ان العرف اعطى الحق لمجلس النواب بالتشريع في ظل حكومة مستقيلة ، وهناك سوابق بهذا الموضوع،

وبما ان اجتهاد المجلس الدستوري ومجلس شورى الدولة استقرا على أعطاء الحق لمجلس النواب بالتشريع ،

 كما ان هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل اعطت رأيها بحق مجلس النواب في التشريع في ظل حكومة مستقيلة ،

لــذلــــك

وبرأينا، أنه يحقلمجلس النواب عقد جلسات تشريعية ، في ظل حكومة مستقيلة تصرّف الاعمال، لانه يكون حكماً في دور انعقاد استثنائي وفقا لما نص عليه الدستور، ويحق له اصدار القوانين المتوجب توقيعها من رئيس مجلس الوزراء ومن الوزير المختص عملا بمبدأ التعاون بين السلطات و بتصريف الاعمال ، وعلى رئيس الجمهورية توقيع هذه القوانين ونشرها عملا بصلاحياته  الدستورية ،

انما ومن الافضل على مجلس النواب ان لا يتمادى في ممارسة هذا الحق  ، بمعنى ان لا يقّر الا القوانين المستعجلة فقط وياخذ بعين الاعتبار انه هناك خلل في عمل احد السلطات الاساسية في الدولة ، وكذلك ايضا،  عملا بمبدا التوازن والتعاون بين السلطات المنصوص عنهما في مقدمة الدستور،                                                            

وبالتالي يتوجب الاستعجال في تشكيل الحكومة كي لا نقع بجدالات دستورية وقانونية لا تجدي نفعا  ، بل توقع الاضرار بالدولة وبالمواطنين اكثر مما هم عليه اليوم .

المصدر: Kataeb.org