Kataeb.org : ارتبط وجودهم بقيامة لبنان، هم الذين حولوا الجبال مناسك صلاة ومنارة ايمان في وجه الاضطهاد والظلم والذل الذي حاولوا عبثًا ان يفرضوه عليهم،... ففشلوا.
كل جبل من جبال لبنان يحوي تاريخًا كتبوه بدم الشهادة، فصدروا اعلامًا حملوا بيارق العلم والثقافة الى كل اصقاع العالم.
انهم الموارنة، او ابناء مارون ذلك القديس الذي شاء الله ان ينطلق من قورش الى لبنان مؤسسًا كنيسة رسالتها الاولى عيش المسيحية الجذرية بكل ابعادها وفي مختلف مجالات الحياة اليومية.
من هم الموارنة، ما هو دورهم وما المطلوب منهم في لبنان؟
الموارنة هم ابناء القديس مارون الروحيين، الذين بنيت كنيستهم وفق روحانية نسكية بدأها القديس في العراء. وتقوم هذه الحياة الروحية النسكية على التقشف والزهد والتفرغ الكلي لله فاجتمع حولها مجموعة من المؤمنين مما ادى الى نشوء مدرسة تطورت تدريجًا حتى وصلت الى العالم.
وانطلق الموارنة من شمال لبنان في حين كانت هناك صراعات بين المسيحيين على خلفيات دينية وروحية حول طبيعة يسوع المسيح. فنشأت هذه الكنيسة في صلب هذه الخلافات لتكون الشاهد الحق على طبيعة المسيح الالهية والانسانية في وجه سائر الهرطقات التي نادت بطبيعة واحدة للمسيح. فكان ظهور هذا القديس حاجة للشرق خصوصًا ان الموارنة كانوا وجه الكنيسة الكاثوليكية العالمية في وجه سائر البدع.
واهمية نشوء الكنيسة المارونية تكمن في دعوتها الى المسيحية الجذرية خصوصًا بعدما حرر الملك قسطنطين المسيحيين في روما واعلن ان المسيحية هي دين الامبراطورية الرومانية فانتسب اليها كثيرون من مختلف الاطياف مما افقدها المفاهيم التي قامت عليها المسيحية الاولى وكذلك فكرة الشهادة والاستشهاد للمسيح فكانت انطلاقة الرهبانيات في العالم ومنهم الرهبان الموارنة كرد فعل على ذوبان الروحانية المسيحية في قلب العالم.
من ضمن هذا الاطار ظهرت هذه الروحانية في مار مارون الذي ذهب الى الجذرية المسيحية الممثلة بالاستشهاد للمسيح في الحياة اليومية وبالاعمال لله فتوجه الى الجبل وتخلى عن العالم وعاش هذه الروح التي جذبت المسيحيين الجذريين.
وانطلاقًا من هذه الروحانية تحدث مدير فضائية "نورسات، واحد مؤسسي عائلة مار شربل ريمون ناضر لـKataeb.org عن ابناء هذه الطائفة، قائلاً إن الماروني يجب ان يكون على صورة القديس مارون، ليس في التنسك بالعراء، وانما بالتميز بروحانية معينة ان لم يتحل بها يكون مزورًا." مؤكدًا اننا في عصر التزوير بامتياز.
واعتبر ان من يعيش على صورة "مارون" في الوقت الراهن هم النساك امثال الاب يوحنا خوند والاب رزق..وتلاميذهم هم الموارنة الذين يلتزمون جذرية عيش الانجيل والمسيحية في العالم الا ان ذلك ليس ظاهرًا في المجتمع بسبب التزوير المتفشي في الحياة المسيحية. واضاف:" على رغم ان المارونية نشأت كحال اعتراض على ذوبان المسيحية في العالم، الا ان الموارنة يعيشون اليوم هذه الحال بدلاً من الجذرية التي يجب ترجمتها في العيش وممارسة الحياة اليومية."
وشدد على أن المطلوب من هؤلاء، مكرسين كانوا ام علمانيين، عيش جذرية الانجيل، لأنهم رهبان على صورة القديس مارون، وبالتالي يجب الا يساوموا على الايمان بالمسيح والالتزام فيه في كل مجالات الحياة. لافتًا الى ان التخلي عن مفهوم المارونية يؤدي الى زوال الموارنة روحًا وهوية.
وقال ناضر انه في نظرة الى واقع الموارنة، نرى أنهم يفقدون هويتهم عبر الهجرة والتخلي عن ارضهم على رغم ان احدى ميزاتهم التشبث بالوطن، فيتلهفون لنيل الجنسية الاجنبية قبل هويتهم المارونية. الا انه ليس قلقًا بسبب ايمانه بتدبير الله.
وعن تفسيره المارونية السياسية، اشار ناضر الى ان الماروني هو المسيحي الملتزم الذي يعيش الفضائل الالهية والايمان ويمارس سياسته انطلاقًا من هذه القيم في ابعاد حياته كافة وليس على الصعيد السياسي فحسب. معتبرًا ان لا معنى للمارونية السياسية اذا تم حصرها بالمكاسب والمواقع الحكومية فقط.
وسأل ناضر إن كان القادة السياسيون موارنة فعلاً، "لأن القائد الماروني هو الذي يمارس طقوسه الدينية كافة عبر المشاركة في القداس الالهي والاعتراف وتناول جسد المسيح وبالتالي الالتزام بالمسيح وبعيش الانجيل، والا يكون مارونيًا مزوّرًا."
واضاف:" افهم بالمارونية السياسية تلك الخاصة بالبطريرك يوحنا مارون، الذي كان القائد الروحي والسياسي للموارنة في آن معًا، والمسؤول عن الموارنة في كيان ماروني قائم على السياسة والاقتصاد والتجارة". واوضح أنه ليس مطلوبًا ان يكون القائد الماروني اليوم في ثوب اكليريكي ولكن قد يكون رئيس حزب او رئيس جمهورية او اي مسؤول يعيش المارونية بحذافيرها.
ولفت الى ان المكاسب المارونية في الدولة تحفظ من ناحية الحال المارونية، الا انها غير كافية لأننا قد نخسرها متى فقدنا الروحانية المارونية.
وعن الحضور الماروني، ذكّر بشعاع ابناء هذه الطائفة وحضورهم المميز في العصور الاولى منذ انطلاقتهم مرورًا بمجيء البطريرك يوحنا مارون وصولاً الى العصر الثالث عشر والرابع عشر وفي زمن العثمانيين حيث جسدوا شعبًا يعيش القيم ويضيء محيطه تاركًا بصمة في الشرق في الفكر والثقافة والرؤية وفي طريقة العيش، فكان عملهم السياسي محط اعجاب المحيط العربي. أما اليوم، فنحن وفق ناضر نفقد هذا الشعاع في وطننا فيما نلمع في الخارج ونتحول تدريجًا الى نسخة اخرى من البلدان المحيطة وذلك لأننا كسبنا منطقها التوتاليتاري، بدلاً من ان نؤثر نحن فيها لتتحول الى الديمقراطية. فيحاول زعيم ما الغاء الزعماء الاخرين انطلاقًا من منطق القائد المسيحي الاوحد، واصفًا ذلك بالكارثة التي نعيشها في العصر الحديث.
ويعزو ناضر هذا الواقع الى غياب الروحانية المارونية عن القادة الموارنة محمّلا كل منهم مسؤولية نفسه، وسأل:"عندما يبيع الزعيم المسيحي، المسيح ماذا ستكون النتيجة، وكيف سنبشر غير المسيحي بقيمنا اذا تخلينا نحن عنها؟"
واذ اعتبر ناضر أن القادة الموارنة السياسيين ليسوا احرارًا بسبب تخبطهم في مشكلاتهم الخاصة، لفت من جهة اخرى الى أن بعضهم يؤمن في بعض القيم النابعة من الروحانية المارونية مثل الديمقراطية وحرية الرأي والتعددية.
ودعا ناضر الى نشوء انظمة ومؤسسات تفسح في المجال امام شباب كثيرين يعيشون الروحانية المارونية ليمارسوا الحياة السياسية وبالتالي اطلاق قادة جدد، معتبرَا ان الكنيسة تستطيع التمهيد لذلك.
وتحدث ناضر عن اهمية الارشاد الرسولي وشرعة حقوق العمل السياسي اللذين وضعا في الادراج بدلاً من الالتزام بهما وتبنيهما من قبل مؤسسات، علمًا ان الالتزام بهما يشكل خطوة ايجابية تدفع نحو الامام.
من جهة اخرى، اكد ناضر ضرورة وجود احزاب سياسية مسيحية ملتزمة بتعاليم الكنيسة تمارس السياسة تحت مظلة بكركي التي تضع بدورها الخطوط الوطنية الكبرى.
وشدد على دور البطريرك الماروني مارنصرالله بطرس صفير في ابداء الرأي في الشؤون الوطنية والارشاد العام، مستغربًا كيف يطلب بعضهم منه عدم التعاطي في الشؤون السياسية فيما يقود رجال دين في طوائف اخرى الاحزاب، واضاف:" تاريخيًا، تحدث البطريرك باسم الموارنة فكان يرسم الخطوط العامة ويبدي رأيه في المواضيع كافة وبالتالي فإن هذا الامر ليس مستجدًا".
وأكد ان البطريرك صفير مستمر في الثوابت نفسها التي سار وفقها البطاركة السابقون ويجب ان يستمر في هذا الدور الذي يقوم به حاليًا.
ورأى أن الحرب التي تتعرض لها بكركي تصب في اطار تلك المشنة في وجه الموارنة في محاولة لضرب رأس الكنيسة مما يؤدي الى سقوط الطائفة. وذلك لأن الموارنة يشكلون الطرف الاكبر في لبنان والاقوى على رغم المظاهر التي توحي بغير ذلك. فهم اقوياء فكريًا وثقافيًا وماديًا واقتصاديًا الا انهم لا يعرفون استثمار هذه الامكانات التي يتمتعون بها لانهم مشرذمون فيما لو اجتمعت امكاناتهم، حققوا المستحيل.
وبالنسبة الى الانتقادات الموجهة الى سيد بكركي، قال:"ثمة طريقة لائقة ومهذبة يمكن التعبير من خلالها عن اعتراض سياسي لموقف البطريرك. وذلك عبر الاعتراف به كرأس الكنيسة المارونية في لبنان، والانطلاق في الموقف المعارض من موقع الابن الذي يبدي رأيًا مغايرًا، ويكون ذلك في لقاء مغلق واجتماع عائلي ابوي وليس في السباب والشتم عبر الاعلام."
وتابع:"عندما كان الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل يعترضان على موقف قيادي ديني كانا يجتمعان به ويحلان المشكلة من دون الاعلان عن ذلك أو المجاهرة في الاعلام بطريقة بذيئة."
وعمّا اذا كان يتخوف على الوجود المسيحي، قال:"بشريًا كل شيء يدل الى ان المسيحيين يذوبون شيئًا فشيئًا، لكنني مرتاح ايمانيًا، لأن ثمة تدبيرًا الهيًا يتخطى كل القدرات البشرية. المسيح هو سيد التاريخ وليس امام المسيحيين سوى التمسك به، فكلما اقتربنا منه شعّ حضورنا ووجودنا في هذا الشرق، لأنه هو وحده مصدر قوتنا."
وفي ما يتعلق بعيد القديس مارون، اعتبر أن هذا العيد يعني المسيحيين جميعهم لأن اي علم روحي مسيحي بغض النظر عن مذهبه هو كنز للمسيحيين، ويجب ان يفخر المسيحيون بكل رمز ديني او سياسي مسيحي.
وعن انقسام عيد مارون بين سوريا ولبنان، ابدى ناضر استغرابه للإحتفال في سوريا، لأن منبع الموارنة في لبنان حيث نشأوا وانطلقوا وحيث مكمن قيادتهم ورأسهم. وكونهم كالأغصان المتشعبة في كل العالم، لا يلغي مرادفتهم لبنان في المفهوم الوطني.
وتعليقًا عن محاولة نقل الكرسي البطريركي الى سوريا، قال :"ان ذلك معاكس للتاريخ الذي يسحق كل ما يقف في وجه مسيرته. نشأ الموارنة هنا ونموا وتطوروا وامتزجت دماء شهدائهم بكل حبة تراب في لبنان، فهل يتوقف نقل الكرسي البطريركي على قرار مجموعة ما؟"
واضاف:" لا شهداء موارنة في سوريا ولا نفسًا روحانيًا ولا تاريخًا لهم هناك."
واعتبر ان لا نتائج بعيدة ستتأتى من جراء هذه الخطوة لأنها سرعان ما ستختفي. لافتًا الى أنها احدى الامور التي يحاول بعضهم من خلالها اضعاف هذا الحصن التاريخي الذي سيبقى واقفًا كما دائمًا، إذ ان بكركي لن تسقط على رغم محاولات ابواب الجحيم.
واشار الى أنه لا يمكن الحفاظ على الحضور المسيحي من دون بكركي سائلاً ما هو الشعاع المسيحي الذي سيظهر من براد اليوم، واين هم مسيحيو سوريا؟
واذ اعتبر ان القادة الذين يعلنون وقوفهم تحت مظلة بكركي ورايتها يحملون فعلاً راية الدفاع عنها، سأل ان كانوا سيظلون كذلك في حال غير البطريرك صفير موقفه الوطني.
وعن العلاقة بين الموارنة والاطراف اللبنانية الاخرى، وصفها بالجيدة والتي يجب ان تكون منظمّة لدفع البلد نحو الامام والا تكون مجرد نكايات سياسية.
واضاف:" ارى ان الموارنة قادرون على ايصال رسالة مسيحية لغير المسيحيين عبر الانفتاح وابراز الشعاع الماروني الحقيقي."
وتعليقًا عمن يعتبر المسيحيين تابعين لسائر الطوائف، اشار الى ان الشريك الاقوى هو الذي يرسم السياسة، لكن الحاجة المتبادلة بين الطرفين تفسح في المجال امام المسيحي للتحرك في اتجاهات جيدة الا ان المشكلة تكمن في غياب الامكانات المسيحية لفرض بعض الامور.
وعن الحضور المسيحي في مؤسسات الدولة، قال:"متوافر على رغم غياب تمثيله في الوظائف الاولى الا ان ذلك يمكن معالجته. من ناحية اخرى يجب ان ندرك اننا لسنا الطائفة الاكبر في لبنان، وبالتالي فإن مواقعنا لا تزال جيدة نسبة الى حجمنا الديمغرافي".
ووجه ناضر رسالة الى الشباب المسيحيين، داعيًا اياهم لأن يكونوا مسيحيين حقيقيين لا مسيحيين مزورين، والا ينتحلوا الصفة المسيحية لان ذلك يحمّلهم مسؤولية كبيرة عند الممات.
مايا الخوري - Kataeb.org Team