جوزف أبو خليل
جوزف أبو خليل

المصالحة المؤجلة

هل هي معركة انتخابية أم حرب اهلية أم الاثنتين معا ، ًوقد قيل ان السياسة هي امتداد للحرب الاهلية ولكن من دون سلاح . والمقصود بكلمة سياسة هنا ذلك الصراع من اجل السلطة الذي يبلغ احيانا ًحدّه القصي ، اي عندما تكون شهوة السلطة مشتعلة وعلى قدر من الحدّة ما يعمي البصيرة ، يصبح الخصم او المزاحم معتديا ًوعدوا ً حقيقيا . وبماذا تختلف هذه المعارك الطاحنة عن معارك الاسواق والوسط التجاري واشتباكات الضاحية والشياح وعين الرمانة إلا ان القتل هو حقيقي ولكن بالكلمة الجارحة او القاتلة بدلا من الرصاص والسكاكين والقصف المدفعي والصاروخي وسائر ادوات الفتكبالبشر؟ والصحيح اننا لا نزال في الحرب الاهلية عينها التي انفجرت قبل نصف قرن ولم تكتمل بعد ولا قامت معها او بعدها مصالحة وطنية حقيقية كما في كل الحروب الاهلية . هناك فقط "مصالحة الجبل" التي يكثر الكلام عليها والدل ّ الى محاسنها ، أمّا المصالحة الوطنية فمؤجلة او باقية متعذرة لتعذر حلّ الميليشيات المسلحة كلها وخصوصا ميليشيا حزب الله فضلا عن الميليشيات الفلسطينية الباقية تنعم بامتيازات لا حدود لها او سدود . . قيل لنا ان اتفاق الطائف هو المصالحة او الخاتمة للحرب الاهلية، فتبين بعد حين انه لم يكن اكثر من اتفاق من اتفاقات وقف اطلاق النار التي حفلت بها الحرب اللبنانية وحققت هدنات متقطعة لكنها في المحصلة لا تصنع مصالحة او تسوية ، وخصوصا ان الغرض منها كان انتزاع تنازلات اضافية لا الوصول الى ولادة جديدة للدولة اللبنانية مكتملة السيادة والصلاحيات . كان الغرض فقط تقليص صلاحيات "الرئيس الماروني " فلما كان ذلك عادت الحرب تشتعل في ظل ّالوصاية السورية ورعايتها المباشرة . بالنسبة الينا انها حرب تحرير نخوضها بالسياسة التي هي ايضا ً امتداد للحرب الاهلية من دون سلاح ، وقد بدأت تحقق انجازات وانتصارات سياسية تحدث تغييرا في النصوص كما في النفوس وتمهد لمصالحة وطنية حقيقية تضع حدا لهذه الفوضى ولما تنتجه من احقاد.

13 نيسان

هل صحيح ان حرب لبنان بدأت او انفجرت يوم 13 نيسان 1975 ؟ أمّا لماذا السؤال فلأننا لا نزال نصدّق هذا الزعم ونبني عليه قراءاتنا لحقبة كبيرة من تاريخنا الذي لم يكتب بعد كما ينبغي ان يكتب، اضافة الى النجاحات الكثيرة التي حققها الكذب في بلدنا في تحويل الحقائق الى اكاذيب والاكاذيب الى حقائق. لقد صدق من قال ان الكذب هو احدى القوى التي تقود خطى البشرية ، وبخاصة بعد التقدّم الذي حققته الدعاية السياسية للانظمة الاستبدادية من الناحية التقنية. كان احد اقطابها إبّان الحرب العالمية الثانية جوزف غوبلز يقول " يكفي ان تكرّر الكذبة مرات عدّة حتى تصبح حقيقة ". وهكذا كان انتشار النازية والفاشستية والستالينية التي كلّفت ما يقارب السبعين عاما ً من عمرالبشرية اضافة الى حياة الملايين من الناسكي يبين في نهاية المطاف انها كانت كذبة كبرى . وهكذا كان الترويج للزعم القائل ان حرب لبنان بدأت يوم 13 نيسان 1975 وكانت "عصابات الكتائب" من اطلقها وفجّر حممها . فيما الحقيقة ان ما حدث ظهيرة ذلك اليوم كان نتيجة اشتباكات مسلحة تتوالى فصولا منذ سنوات بين دوريات الجيش في الجنوب وعلى الحدود والمسؤول عن حماية الحدود والجنوب من جهة والمنظمات الفلسطينية المسلحة من جهة ثانية، فأدّى الامر الى انقسام اللبنانيين الى فريقين، وبالتالي الى تعطيل الدولة وجيشها فلم يبق الا الكتائب تعترض على هذه الهيمنة على البلد وتقاومها وتحاول منع امتدادها فكانت تلك الحملة عليهاالتي استحالت حربا ً أهلية تدوم سنوات. المهم ان حرب لبنان بدأت في الجنوب وعلى الحدود لا في عين الرمّانة، وكان ذلك في العام 1968 لا في 13 نيسان 1975، وان من تسبب في هذه الحرب هي المنظمات الفلسطينية المسلحة لا "عصابات الكتائب" كما كان يحلو لبعضهم ان يقول، الى ان كان يوم تم ّ فيه الاتفاق على انهاء هذه المأساة بموجب ما عرف باتفاق الطائف الذي أهم ّ ما فيه انه يقضي باحلال الامن وبسط سلطة الدولة على كل الاراضي اللبنانية وحل ّ الميليشيات المسلحة وادخال بعض الاصلاحات السياسية على النظام اللبناني ومنها نقل السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعاً .بيد ان الطريف هنا هو التنفيذ الفوري لنقل السلطة الاجرائية الى مجلس الوزراء، عبر انتخاب رئيس جديد للجمهورية على الفور وقبل طلوع الشمس وبالسلطة والصلاحيات الجديدة، وتعليق سائر الاصلاحات والاجراءات ، وخصوصا البند المتعلق بحل ّ الميليشيات. حلّت كل الميليشيات إلا واحدة هي ميليشيا حزب الله لتزداد قوة ومنعة تحت عناوين المقاومة والممانعة وماالى ذلك من اوصاف. بكلام آخر: علّقت الحرب التي انفجرت قبل خمسين عاما ً لكن اسبابها ظلت قائمة حتى هذه اللحظة. والاكثر طرافة هو ان حزب الله يذهب الى الانتخابات العامة بالعدّة نفسها وبذات الخيارات مع العزم على اقحام نفسه في كل المعارك قائلا : "لا اعتكاف ولا استقالة بعد الآن" بل انه يرشح نفسه لكل الادوار ، في مجلس الوزراء وفي المجلس النيابي وكل المجالس وكل الدروب امامه يجب ان تكون مفتوحة .

loading