جوزف أبو خليل
جوزف أبو خليل

لبنان الساحة المستباحة

أسوأ ما في هذا السجال بين حزب الله وحكام اسرائيل ان يبدو لبنان ، وخصوصا لبنان الرسمي، كما لو ان الامر لا يعنيه، لا من قريب ولا من بعيد، بمافيه التهديدات المتبادلة والتي قد تصبح افعالا على الاراضي اللبنانية وسبب تدمير لكل ما هو قائم فوقها من عمران ، ولوعشوائياً، ومن حياة ربما.في مطلق الاحوال ليس مسموحا ً ابدا ًان نكون في هذه اللامبالاة المذهلة ، ولا هو مقبول ان تتدنّى مسؤوليتنا عن مصيرنا الى هذه الدرجة ولا هو جائز ان يصل اتكالنا على حزب الله الى حد ّ الاستقالة الكاملة من حقوقنا وواجباتنا . والصحيح انه آن الاوان لبعض المصارحة في مقاربة موضوع السلاح والعمل المسلح ضد ّاسرائيل ، وبقدر محترم ولائق من الموضوعية واحترام الرأي المخالف. يفوتنا في اغلب الاحيان ان لبنان قد اصبح او يكاد كما كان يريده المعترضون على مقولة "قوة لبنان في ضعفه". كان تصنيفه على مستوى القيادة العربية المشتركة "دولة مساندة" فاصبح اليوم"دولة مواجهة"ولكنفاقد كل اوصاف الدولة ومقتضياتها وخصوصا مقتضى السيادة والقرار الحر والمسؤول. هذا فضلا عن ان قوة لبنان من هذا القبيل ليست ذاتية بقدر ما هي مستوردة اومستعارة ، بل مفروضة عليه احيانا ً، تماما ً كما كانت الحال في زمن الوصاية السورية الذي كان ثمنه هو ايضا التنازل عن السيادة وعن المسؤولية عن الذات. فبفضل التمويل الايراني لحزب الله ، وكذلك التسليح المنقطع النظير مقابل التنازل ايضا عن السيادة وعن القرار المستقل والمسؤولأصبح لبنان في مصاف"دولة مواجهة"، تهابها اسرائيل ربما ولكن من دون ان تكون دولة حقيقية. فقيمة لبنان كلها في هذه الحال هي ان يكون هذه الساحة المستباحة ، وخصوصا بعدما اقفلت كل الساحات ولم يبق ألا ّلبنان تخاض فيه وعليه كل الحروب من الآن والى أجل غير مسمّى . أليس هكذا تدار الأن شؤون هذا البلد وشعبه؟ أمّا الى متى فهو السؤال الذي ينبغي ان يتطارحه اللبنانيون، وهل الغاية هي الوصول الى تسوية مع اسرائيل أم اقتلاعها من جذورها . والحق يقال ان الصراع العربي ـ الاسرائيلي هو صراع اجيال وليس جائزا ًبالطبع ان نعلق مصيرنا الى اجيال .

لحس المبرد

وأخيرا ً تم ّ التصديق على ما عرف باسم "سلسلة الرتبوالرواتب "، التي لم نعرف لها مثيلا من قبل ، كما على سلسلة الضرائب والرسوم الملازمة لها ، وكان ذلك أشبه بلعبة قمار. فماذا بعدها ، والى متى نظل ّ نداوي العجز الناتج عن توريط البلد في حروب الآخرين على ارضه بالرسوم والضرائب الجديدة ؟ والحال ان افضل وصفة للنهوض باحوال لبنان الاقتصادية والمالية والاجتماعية هي في اعادته الى طبيعته ، اي ان يكون بلد حوار لا بلد حروب ، سيدا حرا مستقلا ، وعلى علاقة طيبة مع محيطه العربي والاسلامي ، اي ان يكون نفسه ، فلا يفرض عليه ما ليس منه . وعلى هذا الاساس يبنى اقتصاده الذي كان اقتصاد معرفة قبل ان يصبح الاقتصاد العالمي كله اقتصاد معرفة . اجل ، كان الخلق والابداع ، مع الحرية طبعا ، من اختصاصات هذا البلد ، ولم يكن اللبناني ليطلب من الدولة الا توفير الامن والسلام وهو يتكفَل بالباقي ـ كما كان يقول الشيخ بيار الجميل . فهل من يعيد للبنان اختصاصه ودوره ... ورسالته؟ وعلى هذه الصورة ينمو الاقتصاد الوطني، وتنمو معه الواردات ، واردات الدولة وواردات الافراد والاشخاص ، ولا ضرورة ابدا ً لقهر الناس بالضرائب المتزايدة كي تتأمّن هذه الواردات . والصحيح انه لم يكن لينقص لبنان لتمويل سلسلة الرتب والرواتب إلا العودة الى اعلان بعبدا، مثلا، اوالى مايشبهه، مقرونة طبعا بالتزام كامل به ، وبخاصة من قبل حزب الله والقائلين قوله. ولو تم ّ ذلك لما كانت هذه المخاوف على مالية الدولة كماعلى مالية الافراد والجماعات وعلى لبنان كله. لقد تم ّ التصديق على سلسلة الرتب والرواتب كما على الضرائب الملازمة لها لكن المخاوف قد تضاعفت واصبحت كلها في محلها، وسيكتشف المستفيدون منها بعد حين انها مثل لحس المبرد. فالثقة في هذا البلد هي المفتقدة ، الثقة في اوضاعه السياسية والاقتصادية والامنية ، وفي قضائه المستقل وفي محاكمه واداراته العامة ، وفي اختصار في كونه دولة ناجحة لا دولة فاشلة . كانت سمعة لبنان في المحافل الدولية من ذهب، فاصبحت من تنك . فأي اقتصاد ينمو في هذه الحال ، وفي بلد ثروته الوحيدة الثابتة والدائمة هي انسانه ؟

loading