جوزف أبو خليل
جوزف أبو خليل

المحصلة

المطلوب هو ان تستعيد الدولة سيادتها لا فقط النأي بالنفس عن التورط في الحروب او الصراعات الدائرة من حولنا ، فضلا عن ان ما نشكو منه في الاساس هو فقدان السيادة وبالقدر الذي يعطّل الدولة وادوارها احيانا ويجعل الحياة في بلدنا صعبة وشاقة وعرضة لكل الضغوط الآتية من المحيط القريب والبعيد . وفي اي حال الفصل الاخير من قصة "الاستقالة " ليس في حجم ما سبقه من فصول. خيّل الينا في البداية اننا امام تحول كبير في احوالنا فاذا بنا امام مراوحة جديدة عنوانها النأي بالنفس . وبالمناسبة : هل من يقول لنا متى تسترد ّالدولة سيادتها ، وفي اي زمن ، او متى يعيد حزب الله ما للدولة للدولة ، في الداخل وفي الخارج وعلى الحدود ، وهل صحيح ان حزب الله سيكف عن محاربة "التكفيريين" في سوريا او في العراق او في اليمن فتكف الضغوط التي تمارس على لبنان واهله جميعا ًثأرا ً او انتقاما ً او دفاعا عن النفس ؟ فالمشكلة هي ان حزب الله ليس حزبا ً، هو يرفض ان يكون كذلك ويعلن نفسه جزءا من الامة الاسلامية ، ومن الناحية العملية امتدادا ً للثورة الخمينية في ايران، فكرا وعقيدة وطرائق عمل على الساحة اللبنانية تجعل منه دولة ضمن الدولة كما يقال ، يمارس سلطة وصلاحيات هي عادة من شأن الدولة ، أمّا وسائل عمله فانقلابية كلها ، وعسكرية احياناً، ولاغية للآخرين . وباختصار انه تنظيم سياسي وعسكري يزاحم الدولة اللبنانية على وجودها متوخيا ً الحلول مكانها ولو انكر. وليسمح لنا هنا الداعون الى تبسيط المسألة بان نخالفهم الرأي ، وأن نظل ّنعبّر عن هواجسنا ، بل عن هواجس السواد الاعظم من اللبنانيين الذين ليسوا مع ازدواجية السلطة والقرار ولا هم مع التعايش بين الدولتين والسلطتين والجيشين فضلا عن انهم ليسوا مع الاعتدال المرادف للتسليم بواقع الحال.فثمة تزوير على ارادة اللبنانيين ينبغي الدل ّ اليه دوما ً منعا ً لمفعوله المدوّي في تحويل الحقائق الى اكاذيب والاكاذيب الى حقائق.

لبنان الساحة المستباحة

أسوأ ما في هذا السجال بين حزب الله وحكام اسرائيل ان يبدو لبنان ، وخصوصا لبنان الرسمي، كما لو ان الامر لا يعنيه، لا من قريب ولا من بعيد، بمافيه التهديدات المتبادلة والتي قد تصبح افعالا على الاراضي اللبنانية وسبب تدمير لكل ما هو قائم فوقها من عمران ، ولوعشوائياً، ومن حياة ربما.في مطلق الاحوال ليس مسموحا ً ابدا ًان نكون في هذه اللامبالاة المذهلة ، ولا هو مقبول ان تتدنّى مسؤوليتنا عن مصيرنا الى هذه الدرجة ولا هو جائز ان يصل اتكالنا على حزب الله الى حد ّ الاستقالة الكاملة من حقوقنا وواجباتنا . والصحيح انه آن الاوان لبعض المصارحة في مقاربة موضوع السلاح والعمل المسلح ضد ّاسرائيل ، وبقدر محترم ولائق من الموضوعية واحترام الرأي المخالف. يفوتنا في اغلب الاحيان ان لبنان قد اصبح او يكاد كما كان يريده المعترضون على مقولة "قوة لبنان في ضعفه". كان تصنيفه على مستوى القيادة العربية المشتركة "دولة مساندة" فاصبح اليوم"دولة مواجهة"ولكنفاقد كل اوصاف الدولة ومقتضياتها وخصوصا مقتضى السيادة والقرار الحر والمسؤول. هذا فضلا عن ان قوة لبنان من هذا القبيل ليست ذاتية بقدر ما هي مستوردة اومستعارة ، بل مفروضة عليه احيانا ً، تماما ً كما كانت الحال في زمن الوصاية السورية الذي كان ثمنه هو ايضا التنازل عن السيادة وعن المسؤولية عن الذات. فبفضل التمويل الايراني لحزب الله ، وكذلك التسليح المنقطع النظير مقابل التنازل ايضا عن السيادة وعن القرار المستقل والمسؤولأصبح لبنان في مصاف"دولة مواجهة"، تهابها اسرائيل ربما ولكن من دون ان تكون دولة حقيقية. فقيمة لبنان كلها في هذه الحال هي ان يكون هذه الساحة المستباحة ، وخصوصا بعدما اقفلت كل الساحات ولم يبق ألا ّلبنان تخاض فيه وعليه كل الحروب من الآن والى أجل غير مسمّى . أليس هكذا تدار الأن شؤون هذا البلد وشعبه؟ أمّا الى متى فهو السؤال الذي ينبغي ان يتطارحه اللبنانيون، وهل الغاية هي الوصول الى تسوية مع اسرائيل أم اقتلاعها من جذورها . والحق يقال ان الصراع العربي ـ الاسرائيلي هو صراع اجيال وليس جائزا ًبالطبع ان نعلق مصيرنا الى اجيال .

loading