المصدر: النهار
الكاتب: مهى كنج
الأحد 24 أيار 2026 14:25:43
الحديث متواترٌ عن اتفاق وشيك بين الولايات المتحدة و إيران. رغم أن هذه ليست المرة الأولى، لكن، إذا أُعلن الاتفاق اليوم أو غداً أو بعد حين، عودة مضيق هرمز إلى "طبيعته الاقتصادية" لن تحصل فوراً. هناك ثلاث مراحل زمنية مختلفة يجب التمييز بينها: فتح الممر ملاحياً، وهبوط كلفة المخاطر والتأمين، وعودة تدفقات النفط والغاز إلى مستوياتها السابقة. فالبيان السياسي قد يصدر في يوم واحد، لكن السوق تحتاج إلى أسابيع أو أشهر كي تسعّر وفقه.
السيناريو الأول: انفراج سريع ومنظّم
في هذا السيناريو، يتضمن الاتفاق وقفاً واضحاً للنار، إزالة الألغام أو تحييدها، ضمانات أميركية–إيرانية لحرية الملاحة، ورفعاً جزئياً أو كاملاً للحصار عن الموانئ الإيرانية. عندها، يمكن السفن أن تبدأ بالعودة خلال أسبوع إلى اثنين، خصوصاً الناقلات التي تنتظر خارج منطقة الخطر. لكن العودة إلى مستوى الملاحة السابق لإغلاق هرمز قد تستغرق بين 4 و8 أسابيع، لأن شركات الشحن والتأمين ستراقب أولاً إذا كان العبور آمناً فعلاً. أهمية هذه العودة كبيرة، فهرمز كان يمرّر في 2024 نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط ومشتقاته، أي نحو 20% من استهلاك العالم، وأكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
في هذا السيناريو، يمكن النفط أن يبدأ بالهبوط سريعاً من مستويات الحرب، لأن الأسواق ستلغي جزءاً من "علاوة الخوف". لكن العودة إلى أسعار ما قبل 28 شباط/فبراير أصعب من مجرد فتح المضيق. فوفق رويترز، قفز خام برنت بنحو 50 دولاراً للبرميل منذ بداية الحرب، ما يعني أن السوق لا تسعّر خطر هرمز وحده، بل أيضاً نقص الإمدادات والتوتر العسكري وتعطل صادرات إيران. لذلك، في أفضل الأحوال، قد يحتاج النفط إلى شهرين أو ثلاثة أشهر للعودة إلى نطاق قريب من أسعار ما قبل الحرب، شرط ألا تظهر حوادث أمنية جديدة، وألا ترفض شركات الشحن العودة.
السيناريو الثاني: انفراج حذر ومجزّأ
هنا، يُفتح المضيق رسمياً، لكن يبقى التأمين مرتفعاً، وتبقى بعض السفن مترددة في العبور، وتُستأنف الصادرات الإيرانية تدريجياً. وهذا هو السيناريو الأكثر واقعية. فشركات التأمين لا تخفّض الأسعار بناءً على التصريحات، بل بناءً على سجل عبور آمن. خلال الحرب، وصلت كلفة التأمين ضد مخاطر الحرب في الخليج إلى مستويات ضخمة؛ بحسب "رويترز"، قسط التأمين لناقلة قيمتها بين 200 و300 مليون دولار قد يصل إلى 3% من قيمة السفينة، أي نحو 7.5 ملايين دولار، مقارنة بنحو 0.25% سابقاً. ولاحقاً، أشارت S&P Global إلى أن الأقساط تراجعت من نحو 2.5% إلى قرابة 1%، لكنها بقيت أعلى كثيراً من مستويات ما قبل الحرب، التي كانت تدور حول 0.1 إلى 0.15%.
لذلك، قد تحتاج العودة إلى كلفة التأمين السابقة لإغلاق هرمز بين 6 أسابيع و12 أسبوعاً، إذا استقر الوضع، أما العودة إلى مستويات ما قبل الحرب فقد تحتاج إلى 6 أشهر، فالسوق ستطلب "خصم خوف" إضافياً قبل أن تعتبر الخليج منطقة منخفضة المخاطر مجدداً.
السيناريو الثالث: اتفاق هش وانفراج بطيء
إذا بقيت بنود الاتفاق غامضة، أو حصلت حوادث متفرقة، أو تأخر رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، سيبقى المضيق مفتوحاً نظرياً لكنه مكلف عملياً. في هذه الحالة، يمكن أن تعبر السفن لكن بأسعار تأمين مرتفعة. وقد تبقى علاوة الخطر في النفط والشحن قائمة مدّة 6 أشهر أو أكثر، خصوصاً إذا لم تتأكد الأسواق من أن إيران والولايات المتحدة ملتزمتان فعلاً بوقف التصعيد.
النفط الإيراني عامل حاسم
إذا رُفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وخصوصاً عن مرافئ التصدير مثل جزيرة خرج، فقد تدخل السوق كميات إضافية على مرحلتين: المرحلة الأولى تكون من المخزون العائم: ذكرت "فايننشال تايمز" أن إيران اضطرت إلى تخزين كميات كبيرة من النفط على ناقلات قديمة، وأن المخزون العائم بلغ نحو 42 مليون برميل، بزيادة تقارب 65% منذ بداية النزاع. هذا يعني أن جزءاً من النفط الإيراني يمكن أن يظهر في السوق سريعاً خلال أسابيع قليلة إذا رُفعت القيود وسُمح للسفن بالتحميل والتأمين والدفع.
أما المرحلة الثانية فهي عودة الصادرات المنتظمة. تشير "رويترز" إلى أن الحصار الأميركي على الشحن من الموانئ الإيرانية وإليها خفّض الصادرات البحرية الإيرانية، وكان التعطل جزءاً من أكبر اضطراب في إمدادات النفط بحسب وكالة الطاقة الدولية. إذا رُفعت القيود، قد تحتاج إيران من شهرين إلى أربعة أشهر لإعادة الصادرات إلى وتيرة مستقرة، لأن المسألة لا تتعلق بالإنتاج فقط، بل أيضاً بالناقلات والتأمين والمشترين والمدفوعات والعقوبات.
وهكذا، عودة هرمز "إسمياً" إلى العمل قد تبدأ خلال أيام، لكن عودة الثقة تحتاج وقتاً أطول. الملاحة قد تتعافى خلال شهر أو شهرين، والتأمين خلال ثلاثة إلى ستة أشهر، وأسعار النفط قد لا تعود إلى ما قبل 28 شباط إلا إذا عاد النفط الإيراني، وانخفضت كلفة التأمين، وثبت وقف النار ميدانياً. أما إذا رُفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، فقد يكون النفط الإيراني هو العامل الذي يسرّع الهبوط.