آخر مؤسسات لبنان: الجيش يتعرض للتهشيم رسمياً وحزبياً

آخر مؤسسات لبنان: الجيش يتعرض للتهشيم رسمياً وحزبياً

كتب منير الربيع في المدن: وصل المأزق في لبنان إلى تهشيم ما تبقى من مؤسسات الدولة وقطاعاتها. لم يعد هناك من خطوط حمر حول أي مؤسسة: السلطات كلها في حالة تعطيل. الاقتصاد في حال انهيار مستمر. القطاعات المالية تشارف على الإفلاس. القضاء تتجاذبه سجالات وانقسامات تعرقل دوره، كحال عرقلة التشكيلات القضائية وتسييس الأحكام وجعلها غب الطلب السياسي.


والناظر إلى لبنان من داخله ومن خارجه، يرى بلداً مشلولاً لم يعد قابلاً للحياة: مؤسساته الدستورية جوفاء مشخصنة وفقدت أي مصداقية ودور عام. الجيش اللبناني لم يعد في منأى عن التجاذبات والصراعات. ووصلت الأمور ببعضهم إلى شن الهجوم المركّز على المؤسسة العسكرية.

أسئلة كثيرة تطرح حول خلفيات الهجوم على الجيش في هذا التوقيت. وهو كان قد بدأ في أعقاب انتفاضة 17 تشرين 2019، عندما رفض قائد الجيش الانصياع إلى أجنحة في السلطة السياسية ضغطت عليه لاستخدام القوة ضد المتظاهربن. حصلت تجاذبات كثيرة آنذاك بين الجيش وتلك الأجنحة من السلطة السياسية، وخصوصاً رئيس الجمهورية.

وتزايدت نقمة الأجنحة السياسية إياها على المؤسسة العسكرية بعد تفجير مرفأ بيروت، وإيكال تسلم المساعدات الدولية وتوزيعها إلى الجيش. وهذا ما عدّته السلطة السياسية إهانة لها ولأدائها، بسبب فقدان عوامل الثقة الخارجية بها.

والجيش اليوم هو المؤسسة الوحيدة التي تحظى بإجماع ما لدى اللبنانيين. وتجدّد الهجوم عليه من باب انفجار المرفأ، بل وتحميله المسؤولية عن الانفجار!

ومعروف أن الجيش كمؤسسة عسكرية هو المسؤول نظرياً وقانونياً عن نيترات الأمونيوم، بوصفها مواد عسكرية. ولكن الوجه الثاني والمكمل لهذه القاعدة هو المسؤولية السياسية. فالجيش لا يمكنه أن يسمح ببقاء هذه المواد في المرفأ من دون توافر قرار سياسي كبير، هو الذي فرض على الجيش إبقاء المواد في المرفأ. وهذا، قبل السؤال عن كيفية السماح بنقل كميات منها. وهناك من يعتبر أن الجهات المحسوبة على حزب الله هي التي تهاجم الجيش.

حزب الاستتباع والحماية 
يعتبر هؤلاء أن استراتيجية حزب الله تقوم على ضرب الخيارات البديلة. أي عدم السماح بوجود طرف سياسي مستقل ومؤسسة رسمية مستقلة عن قوة ونفوذ حزب الله، الذي يتصرف، فيما هو يضعف الجميع، على أنه الملجأ والملاذ للجميع.

هذا ما فعله حزب الله مع انتفاضة 17 تشرين: أيدها لفظياً في البداية، ثم اتهمها بأنها تدار من الخارج ودعا الشيعة إلى الخروج منها، ومن ثم سعى إلى ضربها ونجح في ذلك.

وها هو اليوم - بعدما أضعف القوى السياسية كلها - يقدم نفسه ملاذها ومخلصها والقاضي في منازعاتها. وبما أن الدولة اللبنانية ومؤسساتها مستمرة في تحللها، يمثل الجيش خياراً بديلاً لبعض الجهات الداخلية والخارجية. فهو المؤسسة الوحيدة التي لا تزال متماسكة. وقد يشكل قاعدة ارتكاز للتغيير في مرحلة لاحقة. وهذا بالضبط ما يقلق حزب الله ومشروعه.

تهويل على الجيش 
لذلك لا بد من التهويل على الجيش أو تهشيم صورته. وحتى المعارك التي خاضها الجيش ضد بعض التنظيمات الإرهابية في جرود السلسلة الشرقية، كان لدى حزب الله ميل بعدم الاعتراف للجيش بأي دوره حقيقي فيها. وحين نعود  بالذاكرة إلى تلك المرحلة، نلاحظ دخول حزب الله على المشهد، وحرفه المعركة إلى السياق الذي يريده: أبرز نفسه في واجهتها، وأبرم تسوية انتقال عناصر تنظيم داعش المحاصرين. وكانت غاية ذلك عدم ترك الجيش ينتصر انتصاراً كبيراً وواضحاً على داعش. لذا تدخل حزب الله وأبرم تسوية مع التنظيم الذي لا يتوقف الحزب عن تهديد اللبنانيين به، بوصفه مع إسرائيل العدو الأول والأخير للبنان.

وينطوي الهجوم على الجيش على إرادة حزب الله المستمرة بتطويب نفسه الحقيقة الأقوى في لبنان. وهذا في سياق رده على أي محاولة طرح سلاحه للمناقشة. وهو يقول إنه لا يمكن البحث في الاستراتيجية الدفاعية، أو نزع سلاحه تحت أي عنوان متصل بالتسوية السياسية التي تأتي لاحقاً. وذلك على قاعدة أن الحزب وسلاحه خيار ثابت لا يمكن المس به.

استعمال الجيش 
وهناك أسباب أخرى تدفع قوى سياسية محددة إلى مهاجمة الجيش أو تطويقه وإحراقه. فبعض المصادر تشير إلى أن ثمة من يريد إحراق قائد الجيش في علاقاته الدولية. وذلك بتحميله والجيش مسؤولية عرقلة مفاوضات ترسيم الحدود مع إسرائيل، عبر المطالبة بحق لبنان في الحصول على 2290 كلم مربع في مفاوضات ترسيم الحدود، وليس الحصول على 860 كلم مربع فقط.

وقبل أيام قال وليد جنبلاط إن هذا الاقتراح جاء بطلب إيراني عبر رئيس الجمهورية، وفرض على الجيش اللبناني. وما يقصده جنبلاط هو أن الاقتراح يهدف إلى إحراق قائد الجيش ونصب فخ له. لا سيما أن الاقتراح استُنبط بعد فرض العقوبات على جبران باسيل، الذي أراد مع رئيس الجمهورية ابتزاز الأميركيين: عرقلته ملف التفاوض، ووضع قائد الجيش في الواجهة، والمزايدة على الآخرين، وتقديم المزيد من أوراق الاعتماد لحزب الله. وقد أراد جنبلاط أن يشكل مظلة حماية لقائد الجيش لعدم تحميله مسؤولية التعطيل.

الغاية من ذلك في قراءة استشرافية لمستقبل مفاوضات الترسيم، التي لن يحصل لبنان في نهايتها إلا على 860 كلم مربع. وهكذا سيجري إذاك افتعال بروباغندا لتحميل الجيش مسؤولية التنازل عن مساحة 1430 كلم مربع.

ويتكامل هذا مع مسعى عون لإصدار مرسوم من جهة لبنان، وتسجيله لدى الأمم المتحدة من جانب واحد، لحفظ حق لبنان بمساحة 2290 كلم مربع. وهذا لم يوافق عليه الرئيس نبيه بري، لأن ذلك يؤدي إلى أزمة كبيرة: تعمل إسرائيل على الانتهاء من عمليات الحفر والتنقيب، فيما لبنان يتفرج وينتظر مسروراً بحفظ مرسوم لا معنى له في الأمم المتحدة. 

 

المصدر: المدن