الكتائب اللبنانية - آخر الأخبار المحلية والعربية والدولية

ريفي: حزب الله يرمي صنارة رئاسية لباسيل... حذارِ ما يحضّرونه للبلد مستظلين بواجهة التسوية

غرّد اللواء اشرف ريفي عبر حسابه الخاص بموقع تويتر فكتب: "تهديد "حزب الله" للنظام المصرفي اللبناني تحت عباءة العهد القوي، وتكليفه باسيل ترميم نظام الأسد، هو أبعد من إنقلاب على شركاء التسوية. إنه تهديد لودائع اللبنانيين المهددة أيضاً بفعل الأزمة الإقتصادية". واضاف: "حزب الله" يحمِّل لبنان واقتصاده أعباء تبعيته لإيران، ويرمي صنارة رئاسية لباسيل، وبتهديده القطاع المصرفي ينسف آخر المكتسبات الضئيلة للتسوية. للقوى السيادية في الحكم نقول: حذارِ ما يحضّرونه للبلد مستظلين بواجهة التسوية".

فك ارتباط الليرة بالدولار: دواء مُرّ وحل وحيد

بالرغم من كل ما يُشاع عن مخاطر تثبيت العملة في عالم الهندسات المالية، خصوصاً ما يتعلق بالنظرية المرتبطة برأسمالية السوق الحر أو ما يسمّى بكفاءة السوق المالية، إستطاعت بعض الدول الاستفادة من هذه الاستراتيجية النقدية وتوظيفها في استقرار الاقتصاد ودعم الأسواق، وبالتالي تنمية الشعوب وازدهارها. ومن التجارب المتميّزة في هذا المجال تجربة الصين ودول الخليج العربي. نجحت الصين، من خلال زعيمها دنغ شياو بينغ (المهندس الرئيسي للإصلاحات الاقتصادية) في أواخر القرن الماضي، في دمج الايديولوجية الاشتراكية وسياسة التجارة الحرة لإنقاذ الصين إقتصادياً. وحوّلت إصلاحات دنغ استراتيجية التنمية الصينية إلى التركيز على الصناعات الخفيفة والنمو الذي تقوده الصادرات، كما اتّبعَت الصين سياسة تثبيت عملتها بالدولار حتى 2005 بسِعر صرف أقل من قيمة اليوان الفعلية في استراتيجية تهدف الى دعم صادراتها. ساهمت الهندسات المالية الصينية، مدعومة بسياسة تثبيت العملة، في غزو المنتجات الصينية العالم. وتضاعف حجم الإقتصاد الصيني خلال سنوات، ليحتلّ المركز الثاني كأكبر إقتصادات العالم بعد الاقتصاد الأميركي، مؤسِّسَاً بذلك لحقبة اقتصادية عالمية جديدة قوامها الحرب التجارية. عندما تُستثمَر سياسة تثبيت العملة ضمن استراتيجية مُمنهجة ولمدة محدّدة، مُستفيدةً من مقومات نجاح الاقتصاد الوطني، تكون النتائج محمودة. ومن أهم إيجابيات تثبيت العملة: إستقرار التبادل التجاري، حماية الأسواق من التضخم، جذب الاستثمارات، قدرة الحكومات على تخطيط ميزانيتها بشكل أدق، ومصدر أمان للشعوب لعدم تلاعب السياسيين بالعملة الوطنية (كما حصل في زيمبابوي، حيث أدّت سياسة المسؤولين في طبع العملة الوطنية إلى تدهور قيمتها بشكل دراماتيكي ووصول سعر رغيف الخبز إلى 550 مليون دولار زيمببوي). لكن، ما هي مخاطر سياسة الربط بالدولار؟ كثيرة هي الأمثلة عن البلدان التي اعتمدت سياسة تثبيت سعر الصرف في غير مكانها، والتي عانت في نهاية المطاف آثاراً سلبية على الاقتصاد، إستنزفت في معظمها أصول واحتياطات الدول واستمرّت آثارها لسنوات. نذكر منها على سبيل المثال تجربة تايلاندا التي وضعت استراتجيات إقتصادية مهمة، ولجأت إلى تثبيت العملة المحلية. وقد نجحت باستقطاب الاستثمارات الخارجية، ووجّهت رؤوس الأموال إلى القطاعات المنتجة، مما أسّس لاقتصاد متين. وأدّى ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الين الياباني لفقدان الصادرات التايلاندية جزءاً من قدرتها التنافسية، وبالتالي انكمَش الاقتصاد ولجأت تايلاندا للاستدانة بالعملات الأجنبية للمحافطة على تثبيت العملة. في العام 1997 وقع المحظور، بدأت المضاربات على بيع العملة المحلية، فرفع المصرف المركزي سعر الفائدة إلى 25 في المئة، واستنزَف معظم احتياطاته في محاولة لكبح جماح السوق والمحافظة على سعر الصرف. بعد يوم واحد من تصريح رئيس وزراء تايلاندا بإصراره على تثبيت العملة، إنهارت الأسواق وتمّ فك الارتباط بالدولار، ففقَدت العملة 20 في المئة من قيمتها خلال ساعات، وتدهور الوضع تدريجاً إلى أن فقدت العملة نصف قيمتها. في الخلاصة، إنّ سياسة تثبيت العملة تحمل معها مخاطر جمّة، مما يُحتِّم على من يتّبعها القيام بدراسة تقييمية دورية لهذه السياسة وتأثيرها على بنية الاقتصاد. من أهم مخاطر تثبيت العملة: تقييد حركة المصرف المركزي، الحاجة إلى احتياطي ضخم من العملات الأجنبية مما قد يؤدي إلى التضخم وزيادة الدين العام، الاستهداف من قبل المُضاربين الذين قد يستنفذون مقدّرات المصرف المركزي، ومنع انخفاض سعر العملة المحلية (لانخفاضها آثار إيجابية من حيث تحفيز الاقتصاد). في الوضع اللبناني إنّ تثبيت سعر صرف الليرة في العام 1997 أسدى الى الأسواق اللبنانية خدمة كبيرة من خلال إرساء حالة من الاستقرار النقدي، خصوصاً بعد ما عاناه اللبنانيون من تقلّب سعر الصرف منذ فترة الحرب الأهلية وحتى منتصف التسعينات. إنّ مشكلة لبنان ليست في السياسة النقدية، بل في الاستمرار في سياسة تثبيت سعر صرف الليرة على مدى 22 عاماً، فيما فشلت الدولة في بناء اقتصاد مُنتج ومُستدام قادر على قيادة اللبنانيين نحو حياة أفضل بعيداً من سياسة الاستدانة. يستورد لبنان بما يقارب الـ 20 مليار دولار سنوياً، بينما يُصدِّر أقل من 3 مليارات دولار سنوياً. يعني هذا انّ العجز بالميزان التجاري قدره 17 مليار دولار سنوياً من العملة الأجنبية. إعتمد الاقتصاد اللبناني منذ التسعينات على الإستدانة، وعلى تحويلات اللبنانيين المقيمين في الخارج بشكل أساسي لتغطية حاجته من العملة الصعبة. لقد وصلت ديون لبنان لتوازي ما نسبته 160 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة تُقوّض كثيراً قدرة لبنان على الاستدانة مجدداً. وبالتالي، إنّ القدرة المحدودة على الاستدانة وشحّ تحويلات المغتربين واستمرار ارتفاع الاستيراد أدّى الى تبخّر العملات الأجنبية من الأسواق، وقد أظهرت إحصاءات مصرف لبنان أنّ 10.3 مليارات دولار خرجت من الاقتصاد اللبناني منذ بداية الـ2018 حتى الآن، وهي أعلى نسبة في تاريخ لبنان. نعم هناك شحّ بالدولار، والعملات الأجنبية الأخرى. وبالتالي، بدأ الضغط على سعر صرف الليرة بسبب الطلب الهائل لتسديد حسابات استيراد السلع. يبدو أنّ المسؤولين اللبنانيين اتّخذوا القرار بالإبقاء على قرار تثبيت سعر صرف الليرة مهما كلّف الثمن، فسيطرح لبنان سندات إضافية من اليوروبوند في الأسواق العالمية للاستدانة مجدداً، والتي بحسب وكالة بلومبرغ قد تكون السندات العالمية ذات أعلى قيمة فوائد في التاريخ بسبب مخاطرها، ومن البديهي أن يبدأ قريباً بتسييل احتياطاته. يكاد لبنان ان يقع في المحظور، وبالتالي الدخول في دوامة استنزاف موارد الدولة في سبيل محاولة المحافطة على سعر صرف الليرة في ظل انكماش الاقتصاد كما شهدنا في العديد من الدول. إنّ الحل الأمثل الذي يُعتمد في حالات مشابهة هو فك ارتباط العملة المحلية بالدولار، وبالتالي خفض قيمتها بما يؤدي إلى رفع أسعار السِلَع المُستَورَدة، بينما تصبح صادرات لبنان أرخص في الأسواق الأجنبية. يؤدي هذا الحل إلى تقليص الاستيراد وزيادة التصدير، مما يعني تخفيف الطلب على العملات الصعبة ونمو الإقتصاد. كما أنّ لخفض سعر العملة فوائد مهمة، منها: إستعمال احتياطات لبنان لتحفيز الإقتصاد بدلاً من محاربة المضاربات، خفض قيمة الدين العام بالعملة المحلية (44 مليار دولار من الدين العام هو داخلي)، تنمية الصناعة والزراعة من خلال ازدياد الطلب المحلي والعالمي على المنتجات اللبنانية، دعم السياحة من خلال توفير قدرة شرائية أكبر للسياح، وجذب الإستثمارات الخارجية. طبعاً لن تتحقق كل هذه الفوائد بين ليلة وضحاها ومن دون أثمان، إذ انّ فك ارتباط الليرة بالدولار وانخفاض قيمتها له تداعياته على الاقتصاد أيضاً، حيث ستنخفض مرحليّاً القوة الشرائية للمواطنين، وسترتفع الأسعار خصوصاً للسلع المُستَورَدة من الخارج، وستعاني الشركات والأفراد الذين لديهم التزامات مالية بالعملات الأجنبية. في الختام، من وجهة نظر اقتصادية ومالية، إنّ فك ارتباط الليرة بالدولار هو الحل الأمثل لا بل يكاد يكون الوحيد للأزمة التي يمّر فيها لبنان، وكلما عَجّل المسؤولون باتخاذ هذا القرار كلّما جَنّبوا لبنان مخاطر استنفاد مقدّراته وموارده واحتياطاته، وبالتالي تجنّب الإنهيار، حيث سيسقط الهيكل على الجميع، والذي سيضع لبنان تحت رحمة المنظمات الدولية التي ستفرض شروطها القاسية لإخراج البلد من الإفلاس. إذا اتُخِذ قرار فك ارتباط الليرة بالدولار الآن، سيَمّر لبنان في مرحلة صعبة، لكن مؤقتة، قد تكون الدواء المرّ والشر الذي لا بدّ منه في سبيل بناء اقتصاد مُنتج، قوي ومُستدام على المدى البعيد.