أعيدونا بلداً، نُعيدكم قادةً؟!

أعيدونا بلداً، نُعيدكم قادةً؟!

كتب المحامي انطوان القاصوف :

تقول القصّة العبرة : يُحكى أنّ غابةً تآلف فيها أسدٌ وحمارٌ وثعلبٌ، وصدفَ أن خرج الثّلاثة في رحلة صيد، وكانت الحصيلة: غزالاً وأرنباً واوزّة.
طلب الأسد من الحمار أن يتولّى القسمة ، فافتى :
الغزال لمولانا الأسد
الأرنب لي
والأوزّة لهذا الثّعلب
غضِب الأسد وضربه ضربةً أطاحت برأسه، فعَلِق على الشّجرة!
وطلب من الثّعلب ان يُعيدَ القِسمة، فقال له مُرتجفاً :
الغزال لمولانا الأسد
الأرنب لمولاتنا اللّبؤة
والأوزّة لِشبلكم النبيل.
فقال الأسد : " نِعْمَ القِسمة ، ولكن أيّها الثّعلب الماكر، من أين تعلّمتَ الذّوق"؟ فأجابَه : من رأس الحمار المُعلّق فوق "؟!
هذا ما حَدث في غابة ، فهل يحصُل في بلد؟
لمّا كان "الأدب الشّعبي" يُؤَنْسِنُ الحيوانات، فماذا لو كان وراء كلّ حيوان في هذه القصّة، يختبئ انسانٌ ما من بلدٍ ما، أفلا نَشْهدُ للطّمع في القسمة ولإستعراض القوّة وللتّزلّف خوفاً... في حين أنّ الشّعب يتفرّج؟!
في الغابة ، شريعةٌ قِوامها القوّة، ولأنّ الأسد هو الأقوى، فهو ملكُ الوحوش وسيّدُ الغابة... والبقيّة جماعةٌ من المتزلّفين، يساعدون طائعين، يُفْتون خائفين، يعيشون صابرين..."وكلٌّ يسعى الى غايته"...!!
وكلُّ دولةٍ ، تعتمد القوّة ، قاعدة لحكامها، هي في الواقع غابة محكومةٌ بشريعة الغاب...!
في زمن " قوّة السّتار الحديدي " في الاتّحاد السّوفياتي، تقول الرّواية الخبيثة عن " خروتشوف" انّه دعا ذات يومٍ وزراءه الى رحلة صيد، ومعروف عنه ، أنّه صيّاد ماهر، وهو كان يفتخر بذلك ويُردّده ، فلمّا طارت أوّل بطّة وصوّبَ بندقيته اليها وأطلقَ النّار ولكنّه لم يُصِبْها... عندها صاحَ أحدُ الوزراء:
" إنّها معجزة حقاً...هذه أوّل بطّة على ما أعلَم، تستمرُّ في طيرانها وهي ميتةٌ ..."
إنّها ذروة التّزلّف، فما الفرق بين هذا الوزير وذاك الثّعلب!!
... وعندنا، ألم يخترع الوصوليّون، الذّين لا تاريخ لهم ولا تراث، وكذلك الواردون حديثاً الى السّلطة مع قنّاصي المناسبات، وبفعل المصالحات والمحاصصات والتفاهمات والشركات المختلطة ... مبدأ "الأقوى في طائفته يتبوّأ المركز الأوّل المُعتمد لطائفته"! فبات لكلّ طائفة أسَدُها فتحوّل البلد الى غابة... ومنذ متى كانت الأسود تتعايش؟
وقياساً ، صار ايضاً لقوّة المال" إقطاعيّ-أسد" ولقوّة السّلاح "سيّدٌ-أسد" ولقوّة إعلامهم " غوبلز-أسد" ، فباتت الغابة مسرحاً جاهزاً لصراع الأقوياء!!
ولأنّ الأسود ، كالطّواحين، أصواتها عالية صاخبة والسّمع قليل، ولأنّ عداواتها متأصّلة لا تتغيّر وعوراتها لا تُستر، ولأن مُصالحاتها كالوُرود عُمْرُها قصير، ولأنّ مشاكلها لا حلول لها... فكُلّما اهتزّ " التعايش المشترك " وهو أصلاً " تكاذب مُشترك"، تبدأ المسرحيّة: يستدعون الاحتياط مِن رجال دين ودنيا ويأتون بهم الى درج " المتحف الوطني "لإنشاد " النّشيد الوطني" فتصدحُ حناجرُهم ودونَ وَجَل:
"أُسْدُ غابٍ متى ساورتنا الفتن... كلّنا للوطن"
تُرى متى لم تُساوِرنا الفتن؟ ألَم نتقاتل ماضياً ، ألا نختلف حاضراً وسوف نتنازع مستقبلاً؟ فهل عالجنا أسباب الفِتن لنقضي عليها، كي لا نبقى " أُسد غابٍ "؟ والاّ كيف وصَلْنا الى الإنهيار الكبير، حيث لم تبقَ لنا دولة لبنان الكبير بل أصبحنا في غابة مجهولي المَصير؟
كيف بُتنا أمام مُعادلة نهائية خطيرة مأساويّة: "التابوت او الحقيبة"؟
أين " الرّجُل" الذي يُوحّدُنا بالحوار خوفاً من نهاية البلد؟
أين " الكبير "الذي يُعلّمنا أن نحيا حياة واحدة ونعيش عيشاً متنوّعاً؟
أيّها الأسود الحُكّام؟
كان اليونانيّون القدامى، يقولون :إنّه كي لا تكون حاكماً ظالماً او محكوماً مظلوماً، لا بُدّ من الحلّ الوَسَط : " القانون "
لـــذلـــك
تخَلّوا عن شريعة الغاب لمصلحة شرعة حقوق الإنسان!
أُنبذوا قانون القوّة واعملوا بقوّة القانون!
أعيدونا بلداً ... نعيدكم قادةً قبل أن يضجّ في آذانكم صوت الشّعب المقهور، المردّد مع المفكّر اميل سيدران :" أحلم بلغة كلماتها كالقبضات تُهشّمُ الأحناك ..."!

المصدر: Kataeb.org