أنطوان غانم لم يمتَثِلْ للهَرَب، لِيَنجو

أنطوان غانم لم يمتَثِلْ للهَرَب، لِيَنجو

أنطوان غانم لم يمتَثِلْ للهَرَب، لِيَنجو... تحت هذا العنوان كتب الدكتور جورج شبلي في ذكرى اغتيال النائب الشهيد.

لطالما سمعَ لبنانُ بأُذُنٍ، وأغلقَ الأخرى، فَصُوِّمَ عن الحقِّ الذي لم يَحصدْ من بَرَكاتِهِ ما يَجعلُه قادراً على طَيِّ صفحاتِ الإنحطاط، هذا الذي كانت له الغَلَبَةُ المُطلَقَةُ في القرار، فأُزهِقَت، به، تباشيرُ الصَّحوةِ، وفرحُ الوجود.

أنطوان غانم عاشَ بريئاً، وقَضى بريئاً، وهو ابنُ الحضارةِ والفَرح، الخارجُ من رَحِمِ الثقافةِ الوطنيّةِ المَنسولةِ من تَرصيعٍ لا يَحوكُهُ إلّا المُوَجَّهونَ ببوصلةِ الجرأة. إنّ هذا المُتَماهيَ مع نِظامِ العَقلانيّة، والمؤمنَ بسلطةِ الحريّة، والمُبتَعِدَ في مَدى الإعتدالِ، والطّيبة، لم تكنْ وطنيّتُهُ هيكلاً مُستعاراً، حتى يخلَعَ قدسيَّتَه في زمنِ الغَزوِ، يومَ عَبَثَ أحفادُ هولاكو بالوطنِ، ومزَّقوه. فأنطوان غانم، النقيُّ في وطنيّتِهِ، فِكراً ومُمارَسَة، من حقِّهِ، اليومَ، مع مَن قَضَوا ظُلماً، أن يكونَ الأكثرَ بُؤساً في بلدِنا، فقَفزَةُ التَّضحيةِ المُلَوَّنَةُ بالعنفوان، والتي حَرَّرَت مَفاهيمَ الوطنيّةِ من مُعَوِّقاتِها، لم تستطعْ أن تَغزوَ عصرَ الظّلماتِ، في مجتمعِ ما قبلَ الدولةِ، عندَنا.

عندما قتلوا أنطوان غانم، أولئكَ المُستَهتِرونَ بالقِيَم، والعابِثونَ بمَصائرِ البلادِ والعِباد، كان مقصدُهم إزهاقَ مَشروعِ الوطنِ الذي آمنَ بهِ الرَّجُلُ، وقضى لأَجلِه. وكُلَّما تَعَرَّفنا الى هذا المَشروعِ، في لُبِّهِ وأهدافِه، كُلَّما اقترَبْنا من تحديدِ هويّةِ القَتَلَة، وبالتالي، لن يكونَ الإتّهامُ، في هذا المَجالِ، سياسياً.

أمامَ تَهالُكِ مفهومِ السّلطةِ، في لبنان، وأمامَ تَوَزُّعِ الولاءِ ولاءات، وأمامَ سقوطِ مشروعِ قِيامِ الدولة، ما كان يُنذِرُ، ولَمّا يَزَلْ، بعودةِ الوطنِ الى زمنِ العشائريّةِ، والتَّخَلُّفِ المَدَنيِّ، وتَسَلّطِ المُستَقوينَ بفائضِ القوّة، كان لأنطوان غانم، وهو السياسيُّ المُتَمَرِّسُ، مُشاركةٌ في صرخةٍ، للنُّهوضِ من مهنةِ بناءِ الموتِ، الى احترافِ بناءِ الحياة.

 ومن مَداميكِ هذه الصَّرخة، استعادةُ لبنانَ من تشقُّقاتِ كيانِه، وإِحياءُ هذه الجنّةِ المَفقودةِ بالتَّوافقِ على نظامٍ قانونيٍّ يُنهي مآسيَ الحرب، ويَجعلُ الوطنَ واحَةَ سلامٍ، تَسعى الى التَّقدُّم. هذا الطَّرحُ يعني، تماماً، التَّعاونَ الصّادقَ لإيجادِ بَديلٍ للتّقاتل، من خلالِ الإيمانِ بالوطنِ، دونَ سواه، من خلالِ السَّعيِ الحثيثِ لتَبَنّي مُبادراتٍ تُعَزِّزُ قيامَ الدولةِ ذاتِ السّيادة، والضّامنةِ لِحقوقِ أهلِها، ما يؤَدّي، حتماً، الى تَطَلُّعِ الجميعِ في اتّجاهٍ واحد، لاستعادةِ ثقةِ المواطِنِ بوَطَنِهِ، مَجالاً رَحباً، آمِناً، لتحقيقِ ذاتِهِ، والمستقبل.  

من مداميكِ قناعةِ أنطوان غانم، ومن صُلبِ نِضالِه، الإلتزامُ بالثّوابتِ الوطنيّةِ، وفي طليعتِها مفهومُ المُواطَنةِ الذي يَستندُ، دائماً، الى مَبدَأَي الإنتماءِ والولاء، ما يَستَتبِعُ، حُكماً، التَّشَبُّثَ بالسّيادةِ الوطنيّة، وحريّةِ تقريرِ المَصير. إنّ ما يَدعمُ هذينِ المبدأين، هو الدّفاعُ عن الحريّة، وتأمينُ العدالةِ، من خلالِ المُشاركةِ السياسية، وتَداوُلِ السّلطةِ بعَدل، وذلك بالعودةِ الى ما تقتضيهِ الديمقراطيّة، وبِهذا، فقط، يُوضَعُ مشروعُ الدولةِ على نارٍ جديّة.                                                                                                        

إنّ النظامَ الديمقراطيَّ الذي دافعَ عنه أنطوان غانم، هو المساحةُ الوحيدةُ التي يُمكِنُ لمُؤَسساتِ المجتمع، أنْ تُمارسَ الحقَّ في تأسيسِ مُواطِنٍ واعٍ، لا يتنازلُ عن مُثُلِهِ، ما يستدعي نقلةً نوعيّةً لِجهةِ المُستوى الذي يَجِبُ أن يتمتَّعَ به المُشتغِلون بالسياسةِ، فلا نعودُ نُواجِهُ طُغاةً، أو عُشّاقَ سُلطةٍ مُتَخَلِّفين،  بل طبقةً راقيةً تُنشِئُ دولةً تتكلَّمُ، وتَعقُلُ باسمِ الشّعب.

إنّ الذين قتلوا أنطوان غانم، هم الذين أظهروا، بالمُمارسةِ، عِدائيَّتَهم لوجودِ لبنانَ، وللدّيمقراطيّةِ السّليمةِ، ولِمَشروعِ قيامِ الدّولة. وهم الذين عملوا، بوصايتِهم المَشبوهةِ والمُستقويةِ، على نَشلِ الدولةِ، منذُ عُقود، وأدخلوا البلدَ في تَشابُكيّةِ السّياقِ الإقليميِّ بكلِّ تَعقيداتِهِ، وتداعياتِهِ القاتلة. وهم الذين مزَّقوا الكيانَ، والهويّةَ، وهزّوا صورةَ المؤسّسات، وفرضوا استعماراً جديداً بِفَرطٍ منَ الظّلمِ، والتَّرهيب.

وبعد، لم يُقتَلْ أنطوان غانم، على يَدِ عساكرِ السَّماء!!!

المصدر: Kataeb.org