أول سقف للصوت الإنتخابي بـ 400 دولار ولولار

أول سقف للصوت الإنتخابي بـ 400 دولار ولولار

قدّم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة «سترة النجاة» لأركان السلطة بـ» 400 دولار اميركي» و»400 لولار لبناني» من جيوب المودعين. وإن اختلف المراقبون على تفسير الخطوة، فقد التقوا على واحدة منها، وهي تقول بضرورة إمرار الاستحقاق الانتخابي مطلع السنة الجديدة بأي ثمن، لتقفل الحنفية من بعدها، تاركاً للسلطة الجديدة ان تقلع من مكان ما. فكيف السبيل الى شرح هذه المعادلة؟

كتب جورج شاهين في الجمهورية: من المستحيل بالنسبة الى عدد من المراقبين الماليين والسياسيين فصل الخطوة التي أقدم عليها حاكم مصرف لبنان بإعادة 50 الف دولار مقسطة على 5 سنوات من ودائع اللبنانيين اليهم ابتداء من الاول من تموز المقبل، عن الخيارات السياسية المعتمدة، لمواجهة التطورات على الساحة الداخلية في هذه المرحلة بالذات، أياً كان شكل العلاقة «المتحورة» منذ فترة بين سلامة والمنظومة السياسية في البلاد

فسلامة كان وما زال واحداً من أركان السلطة، أدار الملف المالي على مدى العقود الثلاثة الماضية بالتكافل والتضامن في ما بينهم. فهم من اداروا شؤون البلاد والعباد طوال تلك الفترة وحتى اليوم. وسبق له ان راهن على كثير من المبادرات والقرارات السياسية الكبرى التي لم تصدر يوماً، وبقي يغض النظر عن كل ما يجري، من دون اي يتخذ اي موقف حاسم، كما شرح في وقت لاحق، وكذلك من دون ان يفصح عن الأسباب التي حالت دون بعض الخيارات التي كان يجب اتخاذها لتحصين الوضع المالي، واستغلال المظلة السياسية التي وفّرها المجتمع الدولي أكثر من مرة، بغية تمديد فترات الإنعاش وتحصينها.

ولكن سلامة وغيره ممن أمسكوا بإدارة المال العام طوال العقود الماضية، يدركون أكثر من غيرهم حجم ما فرّط به القادة اللبنانيون من فرص، الى درجة التقوا فيها مع المؤسسات الاممية والدولية، الى اعتبارهم من «ملوك الفرص الضائعة» عن سابق تصور وتصميم. وتبعاً لمعنى هذه التهمة، فقد أغمضوا العيون عمّا ارتكبت أيديهم من موبقات في حق الدولة ومؤسساتها والقطاعات الانتاجية، التي تشكّل أعمدة الاقتصاد الوطني الضامن الأول والاقوى للاستقرار الاجتماعي. وكل ذلك احتُسب على اساس إحصاء مجموعة المراحل التي عبرت من دون ان ينفذوا اياً من سيل التعهدات التي قُطعت في أكثر من مؤتمر ومحطة ومناسبة، منذ مؤتمرات باريس الثلاثة وصولاً الى «سيدر 1»، وتمنّعهم عن مجاراة الدعم الدولي وملاقاته، بما يؤدي الى استثماره بأفضل الوسائل الممكنة، ضماناً لاستمراره أطول فترة ممكنة.

وعلى عكس ما اشتهى الخبراء في شؤون المال والاقتصاد على قلّتهم، وخصوصاً الذين بقوا خارج دائرة مكاتب السمسرة والمستشارين في القصور، الذين يتقنون إصدار الفتاوى غبّ الطلب بقدرة قادر- فقد استمرت المناكفات السياسية التي تُرجمت انهاكاً للدولة ومؤسساتها وماليتها، إلى ان جاءت التحوّلات السياسية في السنوات الثلاث الاخيرة، التي انقادت اليها البلاد، في ظل المحاور الكبرى، لتقطع الطريق على مجموعة من المشاريع التي كانت على لائحة الخطوات الاصلاحية.

وبدلاً من تسهيل المراحل التنفيذية مهما كانت قاسية وصعبة، فقد أمعن اهل السلطة في حروبهم الداخلية الصغيرة، وهو ما ادّى إلى تمييع الفرص واحدة بعد اخرى، الى ان انفجرت الأزمة بنحو لم يكن محتسباً في الداخل والإقليم والعالم دفعة واحدة. فألقت جائحة «كورونا» بتداعياتها الخطيرة على العالم، وزادت من مخاطر ما تعيشه البلاد نتائج انفجار مرفأ بيروت، فتعاظمت الانهيارات لتتجاوز كل القطاعات الحيوية وتعثّر قسم منها وشلّت أُخرى بنحو دراماتيكي.

وأمام هذه الصورة السوداوية، بدأت المعالجات النقدية الموضعية من ضمن ما هو متوافر في «بيت المال» على ندرته. فتعدّدت الخطوات الفاشلة التي أضاعت كثيراً مما تبقّى منه هدراً وسرقة، على وقع الانتفاضة الشعبية التي واجهتها السلطة باستنسابية واستخفاف. وعلى وقع ما اصاب القطاع المصرفي من وهن، تعاطت المصارف مع زبائنها بطريقة لم يألفها المودعون من قبل، لمجرد التمييز في ما بينهم، فأعطيت الاولوية لاصحاب رؤوس المال والنافذين، بطريقة لم تعد خافية على احد.

وعليه، ظهر العجز الحكومي مبكراً، وتوالت القرارات العشوائية وتراكمت الخطوات الفاشلة وسادت استنسابية قاتلة ترجمة لسياسة الدعم الفاشلة، التي قضت على موجودات مصرف لبنان وصولاً الى الإحتياطي الالزامي، بعدما تجاهلت مصالح صغار المودعين، وأنهت بلمح البصر الطبقة الوسطى ورفعت من نسبة الفقراء بين ليلة وضحاها، أحيت في ذاكرة كثير منهم ما شهده الأجداد إبّان الحروب العالمية.

ليس في ما سبق مجرد سرد للمراحل السابقة، فهي لم تغب عن اذهان اللبنانيين ويومياتهم بعد، ولكن بهدف الإشارة الى طريقة مواجهة اهل الحكم لمظاهر الازمة، وبدل التنحّي عن مواقع المسؤولية وتحاشي إعلان فشل اي منهم وغياب من تبرّع بتحمّل المسؤولية. فبعد استقالة حكومة «مواجهة التحدّيات» انفجرت موجة من الاتهامات المتبادلة، تبرأ مطلقوها من مسؤوليتهم، من دون القدرة على تحديد المسؤول الأول أو تعميمها وفق التراتبية السياسية والادارية والمالية.

وأمام هذه المعطيات، وعلى الرغم من الأجواء السلبية التي تحكّمت بالسعي الى تشكيل الحكومة الجديدة، فقد اختلط الحابل بالنابل ما بين المسؤولين السياسيين والاقتصاديين، وبات منطق الفصل بينهم ممكناً، وأُلقي اللوم على حاكم مصرف لبنان، الذي واصل تقديم الاقتراحات والمبادرات المالية، رغم حجم الخلافات التي تنامت في ما بينه وبين رئيس الجمهورية، كما مع رئيس الحكومة وأطراف سياسية وحزبية نافذة، الى ان اتُهم بتجاوز حدّ السلطة في بعضها، وباتت حكومة تصريف الاعمال واللجان النيابية وكأنّها مؤسسات يديرها المصرف المركزي، متحكّماً بكل خياراتها.

وإن دخل البعض في التفاصيل، لا يمكنه تجاهل انّ خطة مصرف لبنان لإعادة شيء من أموال المودعين تجاوزت سعي اللجان النيابية الى توليد قانون «الكابيتال كونترول»، حتى ظهر انّه، وإن ولد، سيكون لترجمة خطة مصرف لبنان، بدل ان يكون حلاً للأزمة النقدية وتنظيم العلاقة بين المصارف والمودعين. وعليه، فقد اظهرت الوقائع لاحقاً، انّ سلامة يُعدّ احد المنقذين لهم جميعاً. فهو الذي يمتلك مفاتيح لحل بعض الأزمات، وقادر على مدّهم بالاوكسيجين السياسي على الاقل لمواجهة الاستحقاقات المقبلة ومنها الإنتخابات النيابية.

وهناك من قرأ قرار مصرف لبنان الاخير على انّه «أول سعر للصوت الانتخابي» الذي يمكن ان تسوّق له احزاب السلطة مبكراً، وبسقف حُدّد سلفاً بـ «400 دولار اميركي» و400» لولار لبناني»، على ان تظهر قريباً قدرات الأطراف الآخرين الذين يستعدون لخوض الانتخابات على أساس تحديد سعر جديد، ما لم يتمكنوا من إقناع الناخبين بقبض سعر الدولة، على انّه حق لهم ومن أموالهم، والتصويت للطرف الآخر.

المصدر: الجمهورية