إردوغان وتكديس صواريخ أطراف النزاع

إردوغان وتكديس صواريخ أطراف النزاع

تجلّت الأسباب الحقيقية التي دفعت انقرة اليوم لدعوة واشنطن للحوار مع الولايات المتحدة الأميركية بغية إطلاق محادثات جديدة بشأن شراء تركيا منظومة الدفاعات الجوية الروسية ومن ثم لرفع العقوبات الأميركية عن هيئة الصناعات الدفاعية التركية.

تجلّت الأسباب الحقيقية التي دفعت انقرة اليوم لدعوة واشنطن للحوار مع الولايات المتحدة الأميركية بغية إطلاق محادثات جديدة بشأن شراء تركيا منظومة الدفاعات الجوية الروسية ومن ثم لرفع العقوبات الأميركية عن هيئة الصناعات الدفاعية التركية.

اللافت في الأمر، هو أن هذه الدعوة ربطتها أنقرة بتأكيدها واصرارها على عدم تخلّيها عن منظومة "إس 400". بل شدّدت أنها تتباحث مع موسكو لشراء دفعة ثانية منها.

اذاً اي دعوة للحوار هذه؟ هل هي واقعية ومقنعة، خصوصًا للجانب الأميركي؟ على ماذا تعوّل أنقرة في إقناع الإدارة الأميركية الجديدة؟

من يتابع تصريحات وزير الدفاع التركي يرى أنها تشير إلى توّرط الأتراك في إتمام صفقة "إس 400" ولا يمكنهم الرجوع عنها لذلك لا بد للأميركيين ان يتفهّموا الموقف التركي.

اذا على ماذا يبني خلوصي اكار آماله في التفهم الأميركي هنا؟

هناك نقطة أساسية لا يجب إغفالها وتتجلى بضبابية العلاقات التركية-الأميركية بعد أقل من أسبوع لتقلّد جو بايد الحكم في أميركا. لكن هناك نقطة أساسية، من يقرأ في السياسة يرى أن هناك احتمالاتٍ كبير للمفاجآت. اي بعد 20 كانون الثاني هل سنشهد مراجعة وانتهاج أسلوب جديد في العلاقات؟

بالعودة لتركيا، نكاد نجزم أن تركيا اليوم لا تعلم اي سياسة ستعتمدها في العلاقة مع بايدن، فهي تريد الإصغاء لما سيقوله وفريق عمله في التعامل مع ملفات ثنائية وإقليمية من ضمنها موضوع صفقة صواريخ "إس 400".

هذه الصفقة التي تواجهها تركيا بتصلّب موقفها حول عدم تخليها عنها لا بل طلب دفعة ثانية منها، يواجهها موقف أميركي حازم لأنقرة يقضي بوجوب إعادة هذه المنظومة لموسكو او وضعها في مخازنها ومستودعاتها.

السؤال: هل ستتمكن تركيا، حفظًا لهذه العلاقات، وبانتظار ما ستتكشّف عنه سياسة بايدن، أن تفعل ما طلبه الأميركي او قد تتصرّف بها على غرار ما تقوم به اليونان وعرضها مرة سنويًا بمناسبة العيد الوطني الذي يوجّه من خلاله الاتراك رسائل عدّة؟

القيادات التركية تعلن تمسّكها بهذه الصفقة التي تمّت بهدف إستخدام الصواريخ عند الضرورة ولن يكون هناك تحوّل كبير في الموقف التركي حتى حينه. لكن في إطار المباحثات القادمة بين أنقرة وواشنطن، إذا ما تمّت فعلاً بشكل منفتح، سنشهد ربما صيغة الحلّ الوسط الذي يرضي الجميع. وهذا مرتبط بالصفقة التي قد تتم والمساومات التي ستجري ومثال بسيط على ذلك، صحيح أن صواريخ إس 400 مهمة لتركيا لكن في الوقت ذاته تحاول تركيا إرضاء الأميركي عبر عزمها شراء صواريخ الـ "پاتريوت" كما لا تريد التفريط بعلاقاتها مع أميركا وحلف شمال الأطلسي "ناتو".

لكن المسألة لن تكون سهلة لانه إذا ما عدنا إلى الأسماء التي اختارها بايدن سواء في ملف الشرق الأوسط واختيار بريت ماكغورك وغيره من الأسماء ينذر بصعوبة حلحلة الأمور بشكل سلس وسهل في المرحلة المقبلة.

هناك نهفة طالت الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان مفادها أن لديه هواية في جمع كل هذه الصواريخ ولا أحد يعلم لماذا قد يحتاجها...!

اذا ما ذكرت منظومة دفاع جوي يتبادر للاذهان منظومة "إس 400" والباتريوت الأميركية ومقالع داوود الإسرائيلية. لكن دولاً عدة نجحت في تصنيع منظوماتها المحلية بكفاءة تحاكي أهمية وقوة هذه المنظومات العملاقة. وعلى رأسها منظومة دفاع الاتحاد الأوروبي "أستر" والتي يتمّ تصنيعها عبر شركة "يوروسام" بشراكة فرنسية-إيطالية. وكغيرها من المنظومات عالية الجودة تسطتيع الإصدارات الحديثة لـ "أستر" الدفاعية التصدي لجميع الاختراقات الجوية والصاروخية داخل مجالها الجوي. لكن ما يميزها أنها صُمّمت بخاصية تجعلها مؤهلة للاندماج في اي نظام دفاع جويّ وصاروخي قائم. وخصوصًا أنظمة دفاع دول حلف "الناتو".

وفي مطلع 2018، أعلن كل من إردوغان ونظيره الفرنسي ماكرون توقيع تركيا اتفاقية شراكة مع شركة "يوروسام" بهدف إنتاج مشترك لمنظومة دفاع جويّ وصاروخي متطابقة ومعايير دول الأعضاء في حلف "الناتو". وبعد أشهر قليلة، تفاجأ العالم بشراء تركيا لمنظومة "إس 400" الروسية لتفتح النار على نفسها وتدخل في خلافات مع أكبر دول الأعضاء في حلف الأطلسي وهي الولايات المتحدة الأميركية حتى تقدم الأخيرة على فرض عقوبات على أنقرة.

واليوم فتحت تركيا الباب من جديد للتفاوض من أجل حلّ الأزمة مع واشنطن من خلال إعرابها عن استعدادها للبحث مجددًا في اقتنائها منظومة الدفاع الأوروبية المطابقة لمعايير حلف الناتو؛ إلا أن ذلك لا يتعارض مع اقتنائها المنظومة الروسية.

فكم من منظومة دفاع جوية ستشتريها تركيا لترضي جميع حلفائها؟

في الواقع، المشكلة بدأت قبل سنوات، قبل أن تمتلك تركيا هذه المنظومة. وكانت قد طالبت الكثير من العواصم الغربية بتزويدها بها لكنها لم تحصل على أي ردّ إيجابي. وعندما لجأت إلى موسكو بدأ التوتر والتصعيد في هذا الشأن.

كما أن المسألة لم تعد فقط مشكلة شراء صواريخ، لكن تداخل وتشابك الملفات السياسية والأمنية والاستراتيجية والاقتصادية تعكس تأثيرها على موضوع الصواريخ ويساعد في معرفة اين ستصل الأمور.

اذا، المشكلة الأساسية تتلخّص بالتوتر التركي-الأميركي والتركي-الأوروبي في السنوات الأخيرة. واذا كان هناك نية حقيقية لدى الأطراف بالذهاب نحو تهدئته وتبريد هذا التصعيد.

ولكن حتى اللحظة لا يبدو جليًّا ان هناك مؤشراً للتهدئة رغم الرسائل التركية المنفتحة لإصلاح ذات البين ورأب الصدع. لكن السيناريوهات التي تستعدّ لها تركيا كثيرة في حال أتى خطاب بايدن تصعيديًا مطالبًا بتعميق العقوبات عليها.

في الختام، نقطة الانطلاقة تبدأ من ترجمة أنقرة لرسائلها الانفتاحية في الأسبوعين الماضيين عملانيًّا وميدانيًا سواء باتجاه الداخل التركي أو باتجاه السياسة التركية الخارجية في المرحلة الانتقالية ليتجلّى المشهد بشكل أوضح. ولعل ما سيلي يوم 20 كانون الثاني سيكون الفيصل سواء تجاه مزيد من التصعيد خصوصًا وان فريق عمل بايدن لا يعكس طمأنة بأن الأمور ذاهبة باتجاه التهدئة او تجاه الضغط لجرّ أنقرة إلى طاولة حوار لمناقشة ما يقض مضجع الإدارة الأميركية.

المصدر: Kataeb.org