إلى كميل طويل بعدما خطفه كورونا ‏

إلى كميل طويل بعدما خطفه كورونا ‏

كتب فارس خشان في النهار:

هل يقرأ من يرحلون، حتى نكتب عنهم ولهم؟

هل تعني لهم الكلمات شيئاً، حتى نغمّسها بالعطر ونلوّنها بأشعة الشروق ‏ونستعير لها من العندليب نغمة؟

لا أملك جواباً، لأنّه، كلّما تقدّمت بي السنين تعرّى صنم الحتميات، وبات ‏ما كنتُ أظنّه غير معقول حقيقة، وما كنتُ أعتبره وهماً واقعاً.‏

ولأنّني لا أملك جواباً، أكتب لصديقي الطبيب كميل طويل وعنه، بحبر ‏الروح، علّه يتمكّن من خرق حجاب المادة ليصل إليه، كما كان يصل ‏الشفاء عبر حبّة يصفها دواء، والراحة عبر التفسيرات التي كان يجابه بها ‏ما يعتريني من قلق بسبب أوجاع "غريبة" ألمّت بي.

لا تقولوا لي إنّ الكلمات لا يُمكنها أن تخترق حجاب المادة، لأنّني أقول ‏لكم إن الطبيب الذي سهر على رعاية المرضى ضد الفيروسات، فتك به، ‏في غفلة من الجميع، فيروس كورونا، فأخسرنا إيّاه.‏

اللامعقول إذا صحّ هنا فهو يصح هناك، فلماذا نتوسّله، حصراً، في ‏الخسارة، ونهمله في الربح؟

وما من ربح أعظم من أن تتمكّن من مخاطبة شخص غالٍ تركك من دون ‏تمهيد، ومن دون وداع، ومن دون وصيّة!‏

لم يكن كميل طويل شخصاً عادياً. كان مميّزاً بكل شيء. الطب الذي ‏مارسه بتفانٍ لا يصلح وحده للتعريف به، لأنّه كان مثقفاً كبيراً، وفنّاناً ‏حقيقياً، ولبنانياً صميماً، وفرنسياً مخلصاً، وزوجاً نموذجياً، وأباً حنوناً، ‏وصديقاً عزّ نظرائه.‏

لا يُشوّه هذه الصفات أيّ نوع من أنواع المبالغة، ولهذا فالخاسرون من ‏رحيله أكثر من أن يُحصوا. المرضى خسروا، الأدباء خسروا، المفكرون ‏خسروا، الموسيقيون خسروا، الشعراء خسروا، ولبنان الحلم خسر. ‏

أصدقاؤه يتلمّسون، بموته، هوّة كبيرة يعتقدون أنّ جسرها مستحيل، فمن ‏أين تأتي بشخصية بنبل كميل طويل، وإيجابيته، وكرمه، وجهوزيته، ‏وتفاؤله، وانفتاحه، وتعاطفه؟

لم يخشَ الموت يوماً ولكنّه لم يكن ينتظره. دائماً تعاطى معه على أنّه ‏انتقال من مكان جميل، هو الأرض، إلى رحاب أجمل، هو دار الخلد.‏

كان يحب الحياة بشغف، ولكنه كان يؤمن بأنّها لا تنتهي مع نهاية الجسد.‏

وكإيمانه برجاء الحياة الأبدية، كان ايمانه بلبنان الذي بدأ تجهيز الأرضية ‏التي تسمح له بالانتقال نهائياً إليه.‏

أدرك، بعمق، أنّ لبنان يعيش أزمة عميقة وحقيقية، ولكنّه اعتبر أنّ ‏الأوطان لا تدخل ضمن القضايا التي نتبنّاها إن ربحت ونتخلّى عنها إن ‏خسرت، بل هي من القضايا التي تفرض عليك، شئت أم أبيت، نضالاً لا ‏ينتهي أبداً.

أحبّ لبنان مثل حب معزوفة موسيقية خلّابة، وقصيدة خالدة، ورواية ‏مميّزة، ومثل تفانيه من أجل عائلته.‏

لم يتوقف، يوماً عن خدمته، طبياً ووطنياً وحزبياً.

كان رائداً في تجمّع خاص بالأطباء اللبنانيين-الفرنسيين فما غاب، يوماً ‏عن لبنان وحاجاته الملحّة، وتحمّس إلى أقصى مدى لـ"ثورة 17 أكتوبر" ‏وكان مؤمناً، حتى افترقت روحه عن جسده، أنّها ستنتصر، يوماً، "لأنّه ‏لا بديل عن الثورة إلّا الثورة"، ووجد في طروحات "حزب الكتائب ‏اللبنانية" برئاسة سامي الجميّل وطنه الحلم، حتى انتُخب نائباً له.‏

لم تكن أفكار كميل طويل تتقاطع مع توجّهات الكثير من أصدقائه، ولكنّه ‏لم يحاول، يوماً أن يفرضها على أحد. كان يكفيه أن يلمس أنّك تحب ‏لبنان حتى يجد أنّ ما يجمعك به أسمى بكثير ممّا تختلف به عنه. 

كانت السياسة في جلساتي الكثيرة معه، عابرة. كنّا نتحدث عن الكتب ‏والشعراء والموسيقى. مكتبته الغنيّة التي استثمر فيها قسماً كبيراً من ‏مدخوله، ستفتقده حتماً. بالأموال التي أنفقها عليها كان يمكن أن يبني ‏قصراً، ولكنّه فضّل أن يورث عائلته...مكتبة.‏

يا صديقي كميل، ما أصعب أن أكتب عنك. ‏

لو كنتُ أخطّ هذه الحروف على الورق لمحتها دموعي، ولكنّ الكومبيوتر ‏أنقذها.‏

لو كان الحبر قادراً على أن يعكس الألوان لكانت كلماتي هذه حمراء، مثل ‏دمي الذي كنتَ تطاردني حتى أفحصه.‏

لو كانت العبارات تتحرّك، لكانت تنبض على إيقاع نبضات قلبي التي ‏كنتَ تحرص دائماً على تفقّدها.‏

لا أريدك أن تحزن، حيثُ أنتَ الآن، ولكنّ الحياة من دونك، بالنسبة لي ‏ولكثيرين أمثالي، وإن استمرّت، فهي ستكون أقلّ جمالاً، وأندر تفاؤلاً، ‏وأكثر صمتاً.‏

حزنتُ كثيراً، في العقد الأخير من عمري، ولكن برحيلك، أدركتُ أنّ ‏الحزن أقلّ قسوة من الخسارة.‏

رحيلك يا كميل هو خسارتي. خسرت طبيبي ومستشاري. خسرتُ ناقدي ‏ومشجّعي. خسرتُ ابتسامتك السمحاء واستقبالك المتلهّف. خسرتُ صديقاً ‏احتلّ منصب الأخوّة.‏

سأنكب، في الآتي من الأيّام، على أن أتعلّم "استحضار الأرواح" ‏الحقيقي، سأحاول أن أدوّن حواراتنا، سأسعى الى أن أعيد رسم ملامح ‏نفسيتك الطيّبة، سأجهد على تذكير نفسي بنصائحك، سأنكب على قراءة ‏من أحببتَ من الأدباء والشعراء، سأقتني المعزوفات التي كنتَ تعشق، ‏وسأتعاطى مع الحياة، كما لو كانت فعلاً رحلة لعلّنا، في نهايتها نعود ‏ونلتقي.‏

سلّم على الأصدقاء الذين سبقونا، وإذا التقيتَ بوالدي وشقيقتي فسوف ‏يعرفان، فوراً أنّك، بالصداقة التي جمعتنا، لستَ إلّا واحداً من العائلة.‏

 

المصدر: النهار