إيران أقوى من فرنسا بلبنان: أديب بين الاحتراق والاعتذار

إيران أقوى من فرنسا بلبنان: أديب بين الاحتراق والاعتذار

من المستحيل توفر شخصية تتمكن من تشكيل حكومة، ترضي الولايات المتحدة الأميركية، فرنسا، المملكة العربية السعودية، وإيران.. وفي الوقت نفسه، ترضي الثنائي الشيعي ورؤساء الحكومة السابقين. لم تنفع سياسة الحدّ الأدنى في ترتيب الحكومة شكلاً ولا مضموناً. وبعد موقف الملك السعودي بشأن حزب الله، لم يعد الرئيسان سعد الحريري ونجيب ميقاتي قادرين على التسليم بالتنازلات المطلوبة من قبل الحزب.

جاء مصطفى أديب بمهمة محددة، وهي أن يشكّل حكومة اختصاصيين مستقلين، ولا تخضع للأحزاب. وعندما سيتنازل للثنائي الشيعي، سيتنازل لغيرهما من الأفرقاء. وعندها ستكون أسباب التكليف قد سقطت. في الجلسة الثانية مع الخليلين ليل الجمعة، والتي عقدت بعد لقائه برئيس الجمهورية، لم تحرز أي تقدم. حاول إقناع الثنائي بتقديم تنازل لتشكيل "حكومة مهمة"، وإنقاذ البلد، ولكن لم يكن هناك أي استعداد للتنازل من قبل الخليلين.

عندما انتهى اللقاء الأول، أي يوم خميس، بين الرئيس المكلف مصطفى أديب والخليلين، اعتبر الرجل أن لا مجال لحلحة العقد الحكومية. رفض استلام أي لائحة بأسماء المرشحين لتولي أي وزارة، بينما أصر الثنائي على تسمية الوزراء الشيعة. وأيقن أديب أن خيار الاعتذار يبقى الأنسب. واللقاء الذي كان يفترض أن يعقد بينه وبين رئيس الجمهورية الساعة الحادية عشرة قبل ظهر الجمعة، كان أديب ينوي فيه الاعتذار عن تشكيل الحكومة. تلقى المزيد من الاتصالات الفرنسية، وغير الفرنسية، لحثّه على التأجيل لبضع ساعات. تأجل اللقاء إلى الخامسة عصراً. لم تحرز الاتصالات أي تقدم. لا بل جاءت مواقف من تيار المردة، وحزب الطاشناق، والحزب الديمقراطي برفض اختيار رئيس الحكومة المكلف لأسماء الوزراء، وبأنهم لن يمنحوا الثقة للحكومة بحال لم يشاركوا باختيار الوزراء فيها.
حجب الثقة 
إنه اللقاء الخامس بين عون وأديب. لم يتم تقديم فيه أي صيغة حكومية، على ما تؤكد المصادر المتابعة. لكنه اللقاء الأول الذي يحمل فيه أديب معه ملفاً أسود. وحسب ما تشير المعلومات، تضمن الملف تصوراً حول كيفية توزيع الوزارات على الطوائف. لم يذهب أديب إلى بعبدا خالي اليدين، خصوصاً أن عون كان قد اتهمه من قبل بأنه لم يأت حاملاً أي طرح أو تصور. حسابات أديب -ومن خلفه داعموه- متعددة. لا يريدون تقديم تشكيلة حكومية فيتم رفضها ويضعون كل القوى في مواجهة معهم. ولا يريدون إفشال فرنسا المتمسكة حتى النهاية بالمبادرة، حتى وإن تم تفريغها بشكل كامل من مضمونها. لذلك هو تريث في تقديم اعتذاره.

في اللقاء ما قبل الأخير، توجه عون لأديب بسؤال، هل أنت واثق من أن تشكيلتك ستنال ثقة المجلس النيابي؟ أجاب أديب بالنفي. فقال عون وماذا إذا لم تحصل على الثقة؟ ليجيب الرئيس المكلف: عندها تصبح هي حكومة تصريف الأعمال. بناء على هذا الجواب، اتخذ عون قراراً بعدم توقيع أي صيغة حكومية غير متوافق عليها. ولذلك، جاءت مواقف كل حلفاء حزب الله بإعلان حجب الثقة عن الحكومة، في حال لم يكونوا شركاء في اختيار الوزراء. فهم أديب الرسائل، وبقي مصراً على الاعتذار، لكن استمرت عملية ثنيه وتأجيل خياره.
أسلوب "خذ وطالب"
على ما يبدو أن الحسابات التي تعرقل عملية تشكيل الحكومة، أصبحت أبعد بكثير من مجرد حقيبة وزارية. أو هي كانت كذلك في الأساس، بينما أديب أصبح يعبّر صراحة عن أن حزب الله يعتمد استراتيجية خذ وطالب بالمزيد. وهو الأسلوب المتبع والمعروف من قبل الحزب دوماً، والذي يستند عليه لتطويع خصومه وتحصيل المزيد من المكاسب. فبعدما انتزع وزارة المال، بدأ يفاوض على تسمية الوزراء الشيعة الآخرين، ودفع بحلفائه إلى المطالبة بالمثل. وهذا أسلوب عدا كونه أنه يفرض شروطاً واضحة لتشكيل الحكومة بميزان واضح، يميل لصالح الحزب.. فهو باب لاستمرار البازار بين حزب الله وإيران من جهة، وفرنسا ومن خلفها أوروبا من جهة أخرى، للتفاوض على ملفات متعددة أبعد من الحكومة، وأبعد من تثبيت إيران لركائز نفوذها في لبنان، بشكل تمنع فيه باريس من تسيّد الساحة اللبنانية.
مصير المبادرة الفرنسية 
استعرض أديب مع عون آلية تشكيل الحكومة، والتي أصبح من الواضح أن الثنائي الشيعي قد نسفها بالأمس. لم يقدم يوم الجمعة أي تشكيلة قبل لقائه الخليلين مساء الجمعة، على أن يذهب إلى بعبدا الساعة 11 قبل ظهر السبت. وبحال كان قد اتفق مع الخليلين على الصيغة والأسماء يقدم تشكيلته. أما بحال استمرار الخلاف فيتجه إلى الاعتذار. لكن عون قال له عليك أن تلتقي بكل القوى السياسية والكتل النيابية، كما تلتقي مع الخليلين، للأخذ برأي الجميع. فأجاب أديب: أزورك غداً (السبت) قبل الظهر. 

لم يكن اللقاء إيجابياً بين أديب والخليلين. بقيت العقد على حالها والخلاف على أصل الجهة المسمية للوزراء. لم يقل أديب أمام الثنائي إذا ما كان سيتوجه إلى بعبدا ليعلن اعتذاره. لكن لم يحدث اتفاق على تحديد موعد جديد بينهم، فيما بقيت باريس على الخط مع أديب بهدف إيجاد حل في الربع الساعة الأخير. لكن لم تلح أي مؤشرات في الأفق.
ستبقى باريس متمسكة بمبادرتها بمعزل عن تشكيل حكومة، أو عدمها. وسيستمر بشكل آخر البحث عن رئيس حكومة آخر. وهذا ما يعني تسليماً فرنسياً باعتذار أديب.

 

المصدر: المدن