الانتخابات النيابية المبكرة

  • مقالات
الانتخابات النيابية المبكرة

يشهد لبنان، ومنذ ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، ثورة بكل ما للكلمة من معنى

يشهد لبنان، ومنذ ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، ثورة بكل ما للكلمة من معنى، ثورة لم يعرف وطن الأرز مثيلاً لها في تاريخه. وذلك لأنها لم تجمع الفقراء ضد الأغنياء، او اهل منطقة معينة ضد اهل منطقة أخرى، كما انها لم تتحول، وكما ثورة ١٨٥٨، الى حرب طائفية بالرغم من المحاولات الحثيثة لأهل السلطة لمذهبة الثورة. أهمية ثورة ١٧ تشرين تكمن في انها ضد نهج سائد في إدارة الدولة، نهج جعل الفكر الطائفي والتزلف والتبعية طريقة لبلوغ السلطة. تكمن أهمية هذه الثورة ايضًا في أنها تطالب السلطة السياسية بالعودة الى حكم الدستور والقانون، وذلك من خلال استعادة الشعب للوكالة التي منحها لممثليه في ٦ أيار ٢٠١٨، لكي يستطيع إعادة تكوين السلطة التشريعية بهدف تحقيق مطالب الثورة عبر إعادة تصويب عملية بناء الدولة على أسس دستورية صلبة.

 

أضحت عملية الدعوة الى انتخابات نيابية قبل موعدها الدستوري في ٦ أيار ٢٠٢٢ أمرًا لا مفر منه وذلك نتيجة لتجاوزات عديدة قامبها أهل السلطة الحالية. ومن بين هذه التجاوزات التوقيع على ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله في ٦ شباط ٢٠٠٦، والتي أعادت اولاً إحياء تحالف الأقليات في الشرق، والذي يُعتبر النقيض لمبدأ وجود الدولة وتكوينها وصيرورتها وتطورها. وأدت ورقة التفاهم هذه، ثانيًا،الى الاعتراف بوجود سلاح خارج سلطة الدولة، كما بدوره في إعلان حالة الحرب والسلم عندما تقتضي ذلك ظروف إقليمية لا علاقة للبنان بها. والمستغرب في أمر توقيع النائب ميشال عون وقتذاك لتلك الورقة، انه وخلال ترأسه لحكومة انتقالية عسكرية بين العامين ١٩٨٨ و١٩٩٠، كان يرفض التوقيع على جميع اوراق التفاهمات التي أعدت مع قائد القوات اللبنانية وقتذاك السيد سمير جعجع، بحجة انه رئيس حكومة ولا يجوز له إبرام ورقة تفاهم مع قائد ميليشيا. واستمرت عملية تجاوز الدستور بنصّه وروحه من خلال توقيع التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية على ورقة تفاهم في ١٨ كانون الثاني ٢٠١٦، وذلك من خلال بنودها، التي بقيت سريّة لفترة زمنية قصيرة، والتي تضمنت صراحة ومن دون أي خجل تقاسم لحصص نيابية ووزارية ومدراء عامين ووظائف عامة وكأنه تقاسم مغانم بين مجموعة قبائل. ومن بين المرات الأخرى التي تمّ خلالها تجاوز الدستور، كانت من خلال عملية تشكيل حكومة العهد الأولى وحكومة ما بعد الانتخابات النيابية في أيار ٢٠١٨، برئاسة دولة الرئيس سعد الحريري، والتي تمّت بطريقة تقاسم نفوذ وتوسيع مغانم، من دون الاخذ بعين الاعتبار لأي آلية دستورية وقانونية في تشكيل الحكومات. وأتى بعدها عمل الحكومتين شبيهًا بطريقة تشكيلهما، فتجاوز رئيس الحكومة كما الوزراء القوانين المرعية الاجراء في أكثر من مرة، وخاصةً في إقرار موازنتي العام ٢٠١٨ و٢٠١٩، والذي شكّل بما تضمنتهما من ارقام كاذبة وضرائب عشوائية السبب الرئيسي في الانهيار الحاصل اليوم في لبنان.

 

وبناءً على ما تقدم، ليس هناك من أي مهرب لإصلاح هذا الاعوجاج الدستوري والقانوني إلاّ عبر إجراء انتخابات نيابية مبكرة. وهذا امرًا بديهي وطبيعي في أي نظام ديمقراطي في العالم، خاصةً وأن لبنان كان قد شهد انتخابات نيابية مبكرة مرتين خلال تاريخه. تعود المرة الأولى الى ٣٠ أيار ١٩٥٣، عندما أصدر الرئيس كميل شمعون مرسوم رقمه ٢٠٦٢ والذي قضى بحلّ مجلس النواب قبل إكمال ولايته الدستورية. وكان هذا المجلس أصغر المجالس النيابية في تاريخ لبنان، بحيث قضى من ولايته سنتين فقط. وقد جاء في حيثيات الحلّ أنه "لما كان المجلس النيابي قد أثبت عجزه عن تأدية مهمته، كما أمه تهاون في إنجاز الاعمال الكثيرة بسبب تخلّف أعضائه عن حضور اللجان المختلفة، ومغادرته الجلسات قبل الأوان، مما أدى الى فقدان النصاب وتعطيل العمل التشريعي .... ولما كان الشعب يرغب في تمثيل صحيح، أعرب عنه مرارًا مكالبًا بتعديل قانون الانتخاب. ولما كان هذا التعديل قد تمّ بالمرسوم الاشتراعي رقم ٦ فجعل الانتخاب إجباريًا على أساس الدائرة الفردية والدائرة المصغّرة ومنح المرأة حقوقها السياسية". أما المرة الثانية فقد أتت في عهد الرئيس فؤاد شهاب وذلك في ٤ أيار ١٩٦٠، عندما أصدر الرئيس شهاب مرسوم رقمه ٤٨٣٩، والذي قضى بحلّ مجلس النواب التاسعوبدعوة الهيئات الانتخابية لانتخاب أعضاء المجلس الجديداستنادًا الى أسس التمثيل النيابي التي وضعها قانون ١٩٦٠.أراد الرئيس شهاب من خلال حلّ المجلس النيابي ودعوة الهيئات الناخبة الى الاقتراع حضّ المواطنين على اختيار ممثلين تضع الناس بين أيديهم كل ما يضعه شعب ديمقراطي بين أيدي ممثليه، ليديروا شؤون الوطن الداخلية والخارجية بوعي وصدق. وبمقدار ما يحسنون الاختيار سيكون الممثلين أمناء للوطن، وأوفياء لناخبيهم. وبهدف تحقيق ما يصبو اليه، تشكّلت في ١٤ أيار ١٩٦٠ حكومة حيادية برئاسة أحمد الداعوق، عُهد اليها في الاشراف على إجراء الانتخابات بين ١٢ حزيران و٣ تموز. لم يكن في صفوفها مرشّحون، واستقالت في الأول من شهر اب ١٩٦٠ على أثر إتمامها مهمتها.

 

أما اليوم، فإن هناك مخرجان دستوريان لإجراء انتخابات نيابية مبكرة. يتمثّل الأول بطلب رئيس الجمهورية، ووفق المادتين ٦٥ و ٧٧ من الدستور، الى مجلس الوزراء حلّ مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة، واذا قرر مجلس الوزراء، بناءً على ذلك، حلّ المجلس، يصدر رئيس الجمهورية مرسوم الحلّ وتجري بعدها الانتخابات. اما المخرج الثاني، فيتمثّل بتقصير ولاية المجلس بناء على اقتراح قانون من المجلس نفسه، وهذا ما تقدمت به كتلة الكتائب النيابية في ٣٠ تشرين الأول ٢٠١٩. إلا ان سلوك إحدى هذين المخرجين يستوجب بدايةً اعترافا واضحًا وصريحًا من قبل أحزاب السلطة السياسية التي اغتصبت الدستور منذ العام ٢٠٠٦ الى يومنا هذا من خلال مجموعة تفاهمات وتسويات. فهذا الاعتراف ضروري لأجل أيجاد توافق سياسي بين اركان السلطة للشروع في حلّ المجلس النيابي الحالي والدعوة الى إجراء انتخابات نيابية مبكرة تحت إشراف حكومة حيادية لا يكون بين أعضائها مرشحون للانتخابات. وكل ما عدا ذلك يعني استمرار في حالة الانهيار التي يعيشها لبنان اليوم، وتأجيل مشروع بناء الدولة، أقله حتى تشرين الأول من العام ٢٠٢٢، موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. 

المصدر: Kataeb.org