الجامعة اللبنانية ... الى اين؟

  • مقالات
الجامعة اللبنانية ... الى اين؟

دعت الهيئة العامة لرابطة الأساتذة في الجامعة اللبنانية في ٦ أيار ٢٠١٩ الى الاضراب المفتوح تحقيقًا لخمسة مطالب هي: عدم المسّ بموازنة الجامعة، عدم المسّ بصندوق التعاضد، إقرار الدرجات الثلاث، إقرار قانون الخمس سنوات، وإقرار ملف التفرغ والملاك. وتُعتبر الهيئة العامة السلطة العُليا في الرابطة وقراراتها ملزمة للهيئة التنفيذية ولمجلس المندوبين، وبالتالي هي الجهة المسؤولة حصرًا عن البتّ في مصير هذا الاضراب. في المقابل، وبالرغم من خطورة هذا الاضراب الذي يهدد مصير ما يزيد عن ثمانين الف طالب، ألاّ ان موقف الحكومة لا يرتقي الى حدّ الآن الى مستوى المسؤولية، كما ان أحزاب السلطة ما زالت تشكك بمشروعية هذا الاضراب وأحقية المطالب، هذا فضلا عن قيام كبار مسؤوليها بالتعدي على كرامة الأستاذ الجامعي.

 

بداية لا بدّ لنا من تفنيد هذه المطالب الخمس. ففي ما خصّ ميزانية الجامعة، لا بدّ من الإشارة الى قيام الحكومة في موازنة ٢٠١٨ بحسم حوالي ٤٠ مليار ليرة بطريقة مباشرة من موازنة الجامعة اللبنانية، كما انها لم تلحظ في مشروع موازنة ٢٠١٩ مبالغ إضافية لدفع مستحقات موظفي الجامعة المستحقة للضمان الاجتماعي ولدفع زيادة على رواتب الموظفين. وتبلغ هذه المبالغ حوالي ٤٠ مليار ليرة ايضًا والتي ستُدفع حكمًا، ووفق مشروع موازنة العام ٢٠١٩، من ميزانية الجامعة. وامام خفض ميزانية الجامعة ٨٠ مليار ليرة في اقل من سنتين، فإن الجامعة لن تتمكن من تطوير مبانيها وأجهزتها الإدارية وقدراتها البحثية والعلمية والتكنولوجية، وهي لن تكون قادرة على مواكبة الثورة الرقمية العالمية. ونتيجة لذلك سينخفض التصنيف العالمي للجامعة، وربما حتى انها ستخرج من هذا التصنيف، ما سينعكس سلبًا على المتخرجين الذين سيجدون حكمًا صعوبة لا بل استحالة في إيجاد فرصة عمل في الشركات الدولية، كما في متابعة اختصاصهم في الجامعات الكبرى في العالم. أما في الشق المتعلق بصندوق التعاضد الممول بجزء مهم منه من الاساتذة، تحاول الحكومة دمجه مع صناديق أخرى، وهذا سيؤثر حكمًا على إنتاجية هذا الصندوق، الذي سيصبح بطبيعة الحال عاجزًا عن تغطية كافة المصاريف الطبية للأساتذة خاصة بعد تقاعدهم. وفي هذا الموضوع ايضًا، تحاول الدولة التهرب من مساهمتها في هذا الصندوق، والتي لا تبلغ بأقصى الحالات حوالي ثلاثة مئة مليون ليرة في السنة، وهي مساهمة نسبيًا ضئيلة خاصة اذا ما قورنت بما تدفعه الدولة، على سبيل المثال لا الحصر، على اجار مبنى الاسكوا في وسط بيروت والذي يبلغ حوالي خمسة عشر مليار ليرة سنويًا وذلك منذ العام ١٩٩٧. أما فيما خصّ موضوع إقرار الدرجات الثلاث، بعد إقرار الحكومة في العام ٢٠١٧ لقانون سلسلة الرتب والرواتب، والذي لم يشمل أساتذة الجامعة اللبنانية، اصبح هناك خلل في هيكلية رواتب موظفي الدولة حيث اصبح معاش الأستاذ الجامعي موازيًا تقريبًا لموظفين من فئات اقل منه، او اقل من بعض الفئات الأخرى. في حين ان الأستاذ الجامعي يدفع ضريبة دخل موازية لموظفي الفئة الثالثة، ما يعني وبكلام اخر زيادة الضريبة على الأستاذ الجامعي من دون اعطائه أي زيادة على معاشه الشهري. وهنا لا بدّ من الإشارة الى ان معاش الأستاذ في الجامعة اللبنانية، والذي يبلغ معدله حوالي الأربعة ملايين ليرة في الشهر، هو اقل من بقية الأساتذة العاملين في الجامعات الخاصة، أكان في لبنان او في المنطقة. كما تجدر الإشارة الى خصوصية الأستاذ الجامعي، فهو ليس موظفًا حكوميًا عاديًا ولا أستاذ بمدرسة حكومية، فالأعمال المنوطة به لا تقتصر فقط على تأمين عدد معين من ساعات التدريس، بل تشمل ايضًا القيام بأبحاث علمية والمشاركة والتحضير لمؤتمرات محلية ودولية، وتجديد مضمون مواد التعليم، والاشراف على أبحاث ودراسات التلاميذ. اما اذا كان هناك من بعض التلاعب من قبل بعض الأساتذة، فهذا يستوجب تفعيل أجهزة الرقابة، وليس الى تهديد إنتاجية الأساتذة الفاعلين. أما في موضوع قانون الخمس سنوات، فهذا الاخير هو عبارة عن إضافة خمس سنوات خدمة على سنوات العمل للأستاذ الجامعي بهدف رفع معاشه التقاعدي. وتنطلق مبررات هذا القانون من ان أستاذ الجامعة اللبنانية، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية، يمضي حوالي عشر سنوات او احيانًا اكثر وذلك قبل الحصول على شهادة الدكتوراه وبالتالي قبل دخوله الى الجامعة اللبنانية. عدم إقرار هذا القانون يؤدي حكمًا الى تراجع معاش الاستاذ التقاعدي. اما في موضوع إقرار ملف التفرغ والملاك، فهنا لا بدّ من الإشارة أولا الى وجود ثلاث فئات من الأساتذة في الجامعة اللبنانية: ١. أساتذة الملاك والذين يبلغ عددهم حوالي الف أستاذ. ٢. الأساتذة المتفرغون والذين يبلغ عددهم حوالي الف أستاذ. ٣. الأساتذة المتعاقدون والذين يبلغ عددهم حوالي خمسة الاف أستاذ. لا يمكن لأي جامعة في العالم ان يفوق عدد اساتذتها المتعاقدين بكثير اساتذتها المتفرغين او أولئك بالملاك. ففي ما خصّ مسألة ادخال بعض الأساتذة الى الملاك، فهنا نستغرب عدم مبادرة الدولة الى المبادرة في ذلك، خاصة وان ادخال الأساتذة يُدخل على خزينة الدولة أموال مباشرة. اما في ملف التفرغ، فلا بدّ من تسليط الضوء على وضع الأستاذ المتعاقد الذي يتقاضى كل ثلاث او اربع سنوات، كما انه، وخلافًا لقوانين العمل، غير مسجل في الضمان الاجتماعي. وعدم إقرار ملف التفرغ للأساتذة الذين أتموا شروطهم الاكاديمية يعود الى أسباب مذهبية وتحديدًا الى فقدان التوازن المذهبي.

انطلاقًا من هذه الوقائع، لا يمكن التشكيك ابدًا بمشروعية هذا الاضراب واحقية مطالب الأساتذة، واضرابهم هذا هو بالفعل اضراب للجامعة اللبنانية. فالاهتمام بالأستاذ الجامعي، والذي هو جزء محوري من النخبة الثقافية في لبنان والذي يقع على عاتقها إعلاء شأن لبنان وتطوير مجتمعه، هو واجب وطني. والتقاعس عن ذلك يشكّل انتهاكًا صارخًا للمواثيق الدولية التي وقع عليها لبنان، والتي تنصّ على ضرورة قيام الحكومات بتأمين كافة الوسائل الضرورية وتطويرها بهدف توفير التعليم بكافة مستوياته لجميع أبناء الشعب. فعلى الحكومة واحزابها اللاهثة وراء الأموال المتأتية من قروض مؤتمر سيدر، ان تلتزم اقله بمقررات هذا المؤتمر كما بنصائح خطة ماكينزي اللتان تمحورا حول أهمية الاستثمار في القطاع التربوي، الذي مازال يملك في لبنان حد ادنى من البنية التحتية التي تجعله قادرًا على مواكبة التطور، اذا كفت السلطة وادواتها الإعلامية والحزبية والدينية عن التدخل بشؤونها الداخلية. واذا كان هناك من يُعيب على الأساتذة إطالة امد الاضراب، فهنا لا بد لنا من التذكير كم من الهدر كلف الفراغ الرئاسي الذي دام حوالي سنتين، او الفراغ الحكومي الذي دام اكثر من تسعة اشهر. فبالتالي، على الحكومة واحزابها، وبدل اعتماد أساليب ملتوية كمثلاً وضع التلاميذ في مواجهة الأساتذة، او كبث الشائعات، ان تبادر وفي اسرع وقت ممكن الى اظهار نوع من الجدية والمسؤولية في معالجة هذا الملف الحيوي.

المصدر: Kataeb.org