الحكومة الجديدة المستعصية: العهد الذي فجّر مجالس الوزراء

الحكومة الجديدة المستعصية: العهد الذي فجّر مجالس الوزراء

لم يُسجَّل أي خرق في عملية تشكيل الحكومة. مهلة الشهر التي أعطاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ستنقضي من دون تحقيق أي تقدم سياسي وحكومي، تماماً كان حال مهلة الخمسة أيام التي أعطاها رئيسي الجمهورية والحكومة، لإعلان نتائج التحقيقات بتفجير مرفأ بيروت. فحتى الآن لم يتم التوصل إلى أي نتيجة حاسمة ونهائية ولا حدث إعلان حول مجريات التحقيق.

عملياً، دخل لبنان في مراوحة قاتلة. كل الطروحات من مختلف الأفرقاء متضاربة ومتناقضة. لم ينجح الرئيس نبيه برّي في التوليف بين وجهات النظر المتعددة. طرح الحكومة الحيادية غير ممكن بفعل رفض حزب الله، وحركة أمل له. والتيار الوطني الحرّ لا يمانع مثل هكذا طرح، طالما أنه يُبعد سعد الحريري عن تشكيل الحكومة، ويقدّم موقفاً إيجابياً للأميركيين والغرب. أما طرح حكومة الوحدة الوطنية فمرفوض أيضاً، من قبل الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية، اللذين يصران على أن المرحلة تقتضي تغييراً جوهرياً في آلية تشكيل الحكومة وبرامجها.
نموذج حسان دياب
لا حلّ يلوح بالأفق، إلا بحال حصلت معجزة سياسية، أو حدث كبير يدفع إلى تجديد التحرك السياسي المحلي والدولي، يضع الأفرقاء أمام مسؤولياتهم ويحثهم على التحرك، والتخلي عن نزاع الأنانيات، الذي يتجاذبهم في فرض الشروط والشروط المضادة.

وكان واضحاً أن المعركة التي يخوضها الرئيس نبيه برّي، لتكليف سعد الحريري برئاسة الحكومة، لها أكثر من هدف. الأول، استعادة قواعد اللعبة التقليدية، والاستعجال بالتخلص من نموذج حسان دياب، وعدم إفساح المجال أمام تكرار هكذا تجربة فاشلة، في ظل الطروحات التي يتقدم بها رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحرّ.

وحسب المعلومات، هناك إصرار من قبل عون وباسيل على تكرار تجربة حسان دياب، من خلال طرح أسماء متعددة لتكليفها برئاسة الحكومة. وبالإضافة إلى إسمي القاضيين أيمن عويدات وحاتم ماضي، تشير المعلومات إلى أن عون يقترح أيضاً الوزير السابق خالد قباني، والمحامي غالب محمصاني. والهدف من هذه الطروحات هو البحث عن رئيس حكومة طيّع أكثر، يتمكن عبره التيار الوطني الحرّ من فرض ما يريده على الحكومة، ويسيّره وفق ما تقتضي مصلحته. ما يعني أن الذهنية العونية في التعاطي لم تتغير. هذه الذهنية التي سارع برّي إلى مواجهتها من خلال إصراره على طرح الحريري.
الرفض الجنبلاطي
رئيس تيار المستقبل عمم على جميع نواب كتلته بمجانبة السجال أو النقاش في الملف الحكومي. وهذا يعني ضمناً أنه يطمح مجدداً لرئاسة الحكومة، طالما أنه لم يتخذ موقفاً واضحاً برفضه لها، منتظراً ما ستؤول إليه تحركات برّي.

استمر الحريري بتعميم أجواء تفيد أنه ملتزم بشروطه، بينما برّي نفى أن لدى الحريري شروطاً. التقط وليد جنبلاط كل هذه المؤشرات، وذهب إلى قطع الطريق على محاولة تمرير حكومة مشابهة لحكومة حسان دياب، داعياً إلى إجراء الإستشارات النيابية وفق الأصول، من دون اتفاقيات الغرف المغلقة. وذهب وائل أبو فاعور إلى الرئيس نبيه برّي، ليبلغه صراحة أن كتلة "اللقاء الديمقراطي" لا ترى مناسباً السير بتكليف الحريري لرئاسة الحكومة، لأسباب عديدة. أولاً، أن المرحلة والظرف يقتضي تغييراً جدياً، والناس قد تعود إلى الساحات إذا ما شعرت أن ما يجري يستهدف توجهاتها وينتقص من عقولها. ثانياً، أن المجتمع الدولي يحتاج إلى جدّية في التعاطي ليتمكن من تقديم المساعدات للبنان.

موقف جنبلاط واضح. وفي خلفيته، لا يستهدف الحريري بقدر ما يريد أن يحميه من محرقة جديدة قد يقدم عليها بقدميه، والسير في طريق ستكون مزروعة بأفخاخ كثيرة تنفجر به. وليس من المناسب للحريري بعد حكم المحكمة الدولية المجيء إلى رئاسة الحكومة. ففي بقائه بالمعارضة يكسب الحريري وفي السلطة سيخسر. وعودته إلى السرايا ستكون أسيرة توقيع ميشال عون. ما يعني أن مدخل السرايا سيكون معبّداً بموافقة جبران باسيل. وهذا أضعف ما يمكن أن يمّر به الحريري وموقع رئاسة الحكومة. وإذا ما حصل ذلك، يعني أن الحريري سيكون قد عاد إلى بيت الطاعة العونية مقدماً التزامات كثيرة، حتى وإن بقي باسيل خارج الحكومة، إلا أنه سيكون قادراً على تكبيلها. وهناك تجربة غير جيدة نسبياً عندما كان الحريري في رئاسة الحكومة. إذ كان انسجامه مع الآخرين يتم على حساب حلفه مع جنبلاط. أما في المعارضة، فيعود إلى ثابتة أن لا حليف له إلّا جنبلاط.
التأثير الخارجي.. وحزب الله
الموقف نفسه بالنسبة إلى القوات اللبنانية، التي تؤكد على ضرورة تشكيل حكومة حيادية ومستقلة، وتجتمع مع الحزب التقدمي الاشتراكي على تسمية نواف سلام لرئاستها. هذا الموقف يعتبره البعض انسجاماً مع مناخ خارجي يرفض الحريري ويفضل الحكومة المستقلة. وتشير المعلومات إلى أن الولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، والسعودية لا تريد عودة سعد الحريري في هذه المرحلة. وما كان جبران باسيل قادراً على فرض فيتو على الحريري لو لم يكن هناك رغبة أميركية وفرنسية في قطع طريق وصوله إلى السراي.

عليه، تبقى المراوحة مستمرة. وسيكون أمام حزب الله خيار من اثنين: إما بقاء حكومة تصريف الأعمال طويلاً، وإما أنه مع حلفائه يمتلك الأكثرية النيابية، بما يخوله الذهاب إلى الاستشارات النيابية الملزمة، ويسمّي مرشحاً يريده، ويشكل حكومة مشابهة لحكومة حسان دياب. عندها، سيكون لبنان أمام أزمة متجددة في ظل المعطيات الدولية القائمة. وسينتقل لبنان إلى مزيد من الانهيارات والأزمات، إلا إذا قرر الحزب تقديم تنازلات كبيرة مقابل تشكيل الحكومة التي يريدها، وتكون مهمتها البت بملفات كثيرة عالقة. لكن ذلك لا يبدو متوفراً حالياً في ظل استمرار التصعيد الأميركي والتشدد الإيراني.

 

المصدر: المدن