الحكي عليه جمرك: تجريم التعبير السلمي في لبنان

  • محليات

تحت عنوان: "تقرير "هيومن رايتس ووتش" ومنهجية النظام اللبناني لقمع الناشطين"، كتبت صحيفة "المدن": قالت "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير أصدرته يوم الجمعة 15 تشرين الثاني، إن السلطات اللبنانية زاد اعتمادها على قوانين القدح والذم والتحقير، لإسكات الصحافيين، والنشطاء، وآخرين ممن ينتقدون سياسات الحكومة والفساد.


منع النقاش والانتقاد
ويجد التقرير الصادر في 99 صفحة، بعنوان "الحكي عليه جمرك: تجريم التعبير السلمي في لبنان"، أن الشخصيات السياسة والدينية النافذة، ازداد استخدامها للقوانين الجزائية التي تجرم القدح والذم والتحقير، ضد من يثير اتهامات بالفساد، ويتحدث عن تدهور الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد. الإدانة بموجب هذه القوانين قد تؤدي إلى السجن حتى ثلاث سنوات.
لذا، ينبغي لمجلس النواب، بشكل عاجل، أن يلغي القوانين التي تجرم التعبير، ومنها ما يعود إلى الحقبة العثمانية أو حقبة الانتداب الفرنسي.

وقال جو ستورك، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط في هيومن رايتس ووتش: "قوانين القدح والذم الجزائية هي سلاح فتاك بيَد من يريد إسكات الانتقاد والنقاش بشأن القضايا الاجتماعية والحقوقية الملحة. في هذه المرحلة المفصلية، ينبغي للمسؤولين اللبنانيين حماية حرية التعبير وليس خنقها".

خلال العام الفائت، قابلت هومن رايتس ووتش 42 متهماً ومحامياً في قضايا تشهير جزائية، بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين وقادة في المجتمع المدني. أفاد معظم المتهمين بأنهم يمارسون الرقابة الذاتية بعد عيشهم تجارب مرعبة نتيجة قضايا التشهير.

ويروي التقرير: في 17 تشرين الأول 2019، خرج الآلاف إلى الشوارع للاحتجاج على ضرائب جديدة. سرعان ما تطورت الاحتجاجات إلى غضب شعبي واسع ضد السلطة السياسية بأكملها، التي يلومها المتظاهرون على الوضع الاقتصادي المتدهور والفساد المستشري. وتعاني البلاد من نقص في الدولار، مع تداعيات خطيرة على القدرة على استيراد السلع الضرورية، بما فيها الأدوية، والقمح، والوقود.

وفي 30 أيلول الماضي، أفادت وسائل الإعلام أن مكتب رئيس الجمهورية أصدر بياناً يفيد بأن أولئك الذين يقومون بـ"بث وقائع أو مزاعم كاذبة بما يؤثر على سعر صرف النقد الوطني، أو لزعزعة الثقة في متانة نقد الدولة وسنداتها وجميع الأسناد ذات العلاقة بالثقة المالية العامة" قد يواجهون عقوبة "تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامات مالية".

 

مكتب الجرائم الإلكترونية
وفي أول تشرين الأول، استدعى "مكتب الجرائم الإلكترونية"، وهو وحدة في قوى الأمن الداخلي، الصحافي في موقع "مستقبل ويب" عامر الشيباني لاستجواب دام ثلاث ساعات بعد أن نشر على "تويتر" أن مصرفه لا يسلم الزبائن دولارات. "طلب" مسؤولو الأمن حذف تغريدته، وهو ما فعله. في 5 تشرين الأول، تقدم أربعة محامين لبنانيين بشكوى ضد مجلة "إيكونومست"، متهمين إياها بإلحاق الأذى بسمعة لبنان وتحقير العلم اللبناني في تقريرها عن نقص الدولار.

أحد مطالب المحتجين الرئيسية كان محاسبة المسؤولين عن الفساد. رداً على ذلك، يستخدم المسؤولون المتهمون بالفساد قوانين القدح والذم لترهيب منتقديهم. ويقول الصحافي الاستقصائي رياض قبيسي إن مسؤولاً حكومياً رفع على الأقل قضيتَي تشهير ضده، وكان آخرها بعد نشر وثائق وتسجيلات مكالمات ورسائل "واتساب" في 31 تشرين الأول، والتي قال إنها تورط المسؤول في ممارسات فاسدة. وبعد ذلك، اتهمت النيابة العامة المسؤول بإهدار الأموال العامة بناءً على أدلة قبيسي.

بعد الاحتجاجات الجماهيرية العام 2015، شهد لبنان زيادة مقلقة في الهجمات على التعبير السلمي. فتح مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية 3599 تحقيقاً في ادعاءات تشهير بين كانون الثاني 2015 وأيار 2019. تشير الأرقام التي زود بها المكتب هيومن رايتس ووتش إلى ارتفاع بنسبة 325 في المئة في عدد قضايا التشهير المتعلقة بالتعبير عبر الإنترنت بين 2015 و2018. وتتوافق هذه الزيادة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وخيبة الأمل الشعبية بسبب الفساد وسوء إدارة المال العام.

أدانت المحاكم الجنائية ثلاثة أشخاص على الأقل وحكمت عليهم بالسجن بتُهم التشهير في هذه الفترة. أحدهم حصل على تسعة أحكام بالسجن تتراوح بين شهرين وستة أشهر في قضايا جزائية مختلفة رفعها ضده سياسي واحد. وأصدرت محكمة المطبوعات على الأقل حكماً واحداً بالحبس خلال الفترة نفسها، وأصدرت المحكمة العسكرية ثلاثة أحكام، منها اثنان نُقضا في الاستئناف.

 

أساليب عنيفة وغير لائقة
رغم أن معظم هذه الأحكام صدرت غيابياً وعدداً قليلاً من الأشخاص قضوا بالفعل محكوميتهم، وجدت هيومن رايتس ووتش أن هيئات الادعاء والأمن أخافت، بشكل غير لائق وأحياناً غير قانوني، أفراداً متهمين بهذه القضايا وحاولت إسكاتهم. في أربع حالات على الأقل، أوقف عناصر مسلحون المتهمين بالتشهير بطريقة عنيفة، وإلى حد كبير لا تتناسب مع جريمتهم المزعومة.

تحدث الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات عن استخدام أساليب استجواب جسدية ونفسية اعتقدوا أن المحققين أرادوا بها إذلالهم ومعاقبتهم، وردعهم عن نشر أي محتوى قد يكون مهيناً أو منتقداً لأصحاب النفوذ في البلاد. قال المتهمون أن المحققين بحثوا في هواتفهم وتفحصوا حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، أحيانا من دون أمر قضائي.

كما ضغط محققون على أشخاص ليوقعوا تعهدات بعدم انتقاد المدعي مستقبلا، أو بإزالة المحتوى المهين فوراً، قبل أن يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم أمام المحكمة. وفي بعض الحالات، من دون حتى أن توجه إليهم أي تهمة. أمضى تسعة أشخاص قابلتهم هيومن رايتس ووتش وقتاً في الحبس الاحتياطي، في إحدى الحالات 18 يوماً، بتهم تشهير.

شعر بعض الأشخاص الذين حُقِق معهم بتهم التشهير بأنهم مجبورون على نفي أنفسهم إلى الخارج لخوفهم من الاعتقال أو المضايقة. خسر آخرون وظائفهم ووجدوا صعوبة بإيجاد وظيفة جديدة. تركت الغرامات والعقوبات الأخرى أثرا كبيرا على متهمين عدة والمطبوعات التي يعملون لصالحها.

 

قانون جديد!
وإذ يناقش البرلمان قانون إعلام جديد يعدّل أحكام التشهير الموجودة المتعلقة بالمحتوى المنشور، قالت هيومن رايتس ووتش إنه ينبغي للبرلمان ضمان أن يحترم قانون الإعلام الجديد المعايير الحقوقية العالمية. فقد لا تتوافق القوانين التي تجيز الحبس لانتقاد أفراد أو مسؤولين حكوميين مع التزامات لبنان الدولية بحماية حرية التعبير. كما ينبغي للبرلمان إلغاء أحكام التشهير في قانون العقوبات واستبدالها بأحكام مدنية.

قال ستورك: "بينما يبدأ لبنان عملية مضنية لمعالجة أزمته الاقتصادية ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة، فإن قوانينه يجب أن تحمي الأشخاص الذين يفضحون الفساد وسوء السلوك. لتحقيق هذه الغاية، ينبغي للبرلمان إلغاء تجريم التشهير على وجه السرعة".

المصدر: المدن