الدولة البوليسية تفرض تراخيص مسبقة من الاستخبارات قبل التغطية الصحافية الميدانية

  • محليات

تفعيل إجراء عسكري قديم يُضيّق الخناق على عمل الصحافيين.

حتّى إبان الإحتلال السوري للبنان لم يجرؤ النظام الأمني السوري على فرض هكذا إجراء، إذ أن الحكومة تشعر انها مهددة، قلقة، خائفة... لا تعرف كيف تتصرف، تخفي توتّرها من جهة، فتظهره من جهة اخرى بممارسات مقنّعة وديكتاتورية .

هذه هي خلاصة الواقع الذي نعيشه اليوم ولا سيما نحن وسائل الاعلام، وسط سلطة تجاهر بانجازاتها الوهمية تارة وتغرق باجراءاتها البوليسية طوراً لكي تخفي "عورتها".

انها سلطة التضييق على الحريات التي تفاجئنا في كل مرّة بقدرتها على ممارسة القمع والخناق على اللبنانيين والصحافيين، وها نحن في بلد الحريات تعيدنا دولتنا الى وضع اسوأ مما كنا عليه ايام الاحتلال السوري، وقد كتب موقع "سكايز" الآتي:

في خطوة جديدة تمسّ بحرية العمل الصحافي في لبنان وتُضيّق الخناق على الصحافيين، يتمّ تفعيل العمل بإجراء قديم يعود إلى نهاية القرن الماضي، "أيام عزّ" وصاية النظام السوري على لبنان. ويفرض هذا الإجراء على الصحافيين الحصول على ترخيص مسبق من قِبل مديرية التوجيه في الجيش اللبناني للسماح لهم بإجراء وتصوير مقابلات صحافية مع المواطنين على الأراضي اللبنانية. وقد طالت مفاعيل هذا القرار منذ أيام عدداً من الصحافيّين، وبشكل استنسابي، ما يطرح أكثر من علامة استفهام وتعجّب واستهجان على توجه السلطات في لبنان تجاه العمل الإعلامي، في ظل تفاقم الأزمة المعيشية والاقتصادية. فعلى سبيل المثال، هل التصوير في شارع الحمرا في بيروت مسموح، أم ممنوع، أم "إنت وحظّك؟". وماذا عن سائر المناطق؟

فقد أبدى عدد من الصحافيين استغرابهم ورفضهم للإجراء الأخير، لا سيّما بعد أن اعترض عنصران من مخابرات الجيش اللبناني بلباس مدني في شارع الحمرا، فريق عمل قناة "فرانس 24"، ومراسلة محطة "الشرق" من بيروت مها حطيط، في 6 تموز/يوليو الجاري، وطلبا منهم الحصول على ترخيص للتصوير في الشارع.

وفي التفاصيل، قال مصدر أمني لمركز "سكايز": "هذا الإجراء قديم ويتمّ اتّباعه منذ سنوات، بعد قرار صدر عن مجلس الوزراء عام 1998، ويُطبّق على الصحافة المحلّية والدولية. والصحافيون والمراسلون على علم به، ويقدّمون بشكل دوري طلبات للحصول على التصاريح للتصوير، وهذا الإجراء يُطبّق على كل الأراضي اللبنانية وليس فقط محصوراً حصوله عند التصوير داخل مخيمات اللاجئين مثلاً أو مراكز أمنية أو عسكرية". وأشار إلى أن "الصحافي يحصل على التصريح خلال عشر ساعات بعد تقديم طلبه، ويتمّ استخدامه على فترة ثلاثة أشهر، ويتمّ تسهيل عمل الصحافيين كلهم كي يحصلوا على التصاريح اللازمة". 

وفي الوقت الذي أكد فيه المصدر الأمني أن الإجراء المذكور قديم ومتّبع منذ سنوات عدّة، أبدى عدد من الصحافيين الذين يعملون مع مؤسسات صحافية أجنبية ومحلّية استغرابهم، علماً ان نموذج طلب الترخيص للتصوير يمكن إيجاده على صفحة قيادة الجيش - مديرية التوجيه، والذي يشمل المعلومات والمستندات المطلوبة وصولاً إلى مدّة إنجاز المعاملة وهي أسبوع على الأقل، أي أن الصحافي الذي يُفترض أن يغطّي تبعات حدث معين مثلاً، عليه أن ينتظر أسبوعاً أو أكثر ليحصل على موافقة. لكن المستغرب هو سبب تفعيل هذا الإجراء في الفترة الحالية، والتي تشهد انحداراً في كل مؤشرات الحريات العامة والإعلامية في لبنان.  

وعلّقت مراسلة قناة "الحرّة" سحر أرناؤوط على القضية، واعتبرت في حديث إلى مركز "سكايز" أن "هذا الإجراء غير مقبول وغير منطقي، ونحن نقوم بالتصوير في كل المناطق سواء في شارع الحمرا أو برج حمود أو الدورة أو سواها من دون الحصول على تصاريح مسبقة للقيام بذلك". وأوضحت أنهم يحصلون فقط على ترخيص شهري من قِبل مديرية التوجيه كوسيلة إعلام دولية إذا أرادوا الدخول إلى مخيمات اللاجئين أو مناطق حدودية.

أما مراسل قناة "سكاي نيوز" سلمان عنداري، فقد أكد لمركز "سكايز" أنهم لا يقومون بتقديم أي طلب مسبق للحصول على تصريح للتصوير وإجراء المقابلات الصحافية مع المواطنين في منطقة الحمرا أو غيرها من المناطق، مضيفاً: "نحن نحمل بطاقة صحافية مكتوب عليها (الرجاء تسهيل مهام الصحافي...)، إلا إذا كنّا بالقرب من مركز أمني أو مخيمات اللاجئين. لكننا تفاجأنا بما حصل مع الزميلين عبود وحطيط في شارع الحمرا الذي هو متنفّس للمواطنين كي يعبّروا عن وجعهم، ومثل هذا الإجراء هو استمرار لقضم الحقوق بشكل بطيء ويمسّ بحرية الصحافة بشكل صارخ، ويبدو أنهم منزعجون من أن تعبّر الناس عن رأيها ووجعها".

وفي الإطار ذاته، أبدى مراسل قناة "الجديد" آدم شمس الدين استغرابه من هذا الإجراء، مضيفاً: "عادةً تُعتبر الحمرا والأشرفية المنطقتان الوحيدتان اللتان نستطيع نحن كصحافيين التصرّف براحتنا فيهما ونقوم بمقابلات مع المواطنين، لذلك من المستغرب جداً أن تتمّ مساءلة أي صحافي عن حصوله على ترخيص مسبق للقيام بتلك المقابلات، وهذا دليل على أننا نتحوّل شيئاً فشيئاً إلى دولة بوليسية". 

من جهتها، أوضحت مراسلة قناة "العربية" في بيروت غنوة يتيم أنها نزلت إلى شارع الحمرا لمتابعة هذه القضية، وقالت لمركز "سكايز": "توجّهنا قصداً وعن سابق تصوّر وتصميم إلى شارع الحمرا، بعد أن علمنا بتعرّض عنصر من المخابرات للزميلين عبود وحطيط، وبقينا هناك حوالي ساعتين، ولم يعترضنا أحد علماً أننا لم نتقدّم للحصول على أي تصريح، ولا نقوم بذلك في العادة إلا في أمكنة معروفة مسبقاً أنها تحتاج إلى تصريح".

وحاول مركز "سكايز" التواصل مع وزيرة الدفاع زينة عكر، دون الحصول على أي ردّ منها. وكذلك تواصلنا مع وزيرة الإعلام منال عبد الصمد التي طلبت مهلة للتشاور مع وزيرة الدفاع لمعرفة خلفية هذا الإجراء. وفي اليوم التالي أفادنا مصدر من مكتب الوزيرة عبد الصمد بأن "الإجراء صحيح، والقرار صدر عن مجلس الوزراء في العام 1998، وينصّ على أن كل صحافي يُصوّر على الأراضي اللبنانية يجب أن يحصل على ترخيص من قيادة الجيش". لتعود الوزيرة عبد الصمد وتؤكد لنا أنها "ستعمل جاهدة على إلغاء هذا الإجراء في جلسة مجلس الوزراء المقبلة، كونه يمسّ بحرية العمل الصحافي، وأنها على تواصل مع قيادة الجيش لمعالجة المسألة".

يشدد مركز "سكايز" على ضرورة إلغاء هذا القرار القمعي وعلى مسؤولية السلطة السياسية في وضع المعايير الآيلة إلى تأمين الأمن والاستقرار بشكل يراعي حقوق الإنسان والحريات العامة، والتي تشكل قواعد دستورية تسمو فوق أي اعتبار آخر. فإجبار الإعلام المحلي والأجنبي على الحصول على ترخيص مسبق للتصوير:

يشكل رقابة مسبقة على الإعلام، ما يتعارض مع كل القوانين والمبادئ الناظمة للعمل الصحافي في لبنان؛
يعتبر قرار اعتباطي واستنسابي، يختفي تطبيقه لسنوات ويعود إلى الواجهة في مسار عام حافل بالانتهاكات بحق الإعلاميين والناشطين؛
يحاكي ممارسات الأنظمة القمعية ويعيد إحياء إجراءات فُرضت في زمن الوصاية؛
يساهم في خنق صوت المواطنين في مواجهة الألم المعيشي المتفاقم؛
ويزيد من تدهور صورة لبنان كدولة عاجزة عن الإصلاح وعن اعتماد أبسط معايير الحكم الرشيد.

وقد صدر عن قيادة الجيش – مديرية التوجيه البيان الآتي:

تتناقل بعض وسائل التواصل الاجتماعي معلومات مغلوطة حول فرض تراخيص مسبقة على الاعلاميين.
يهم قيادة الجيش أن توضح بأن مسألة اعتماد تراخيص لوسائل الاعلام ليست جديدة وهي تندرج في إطار التدابير والإجراءات المعمول بها وفقاً للقوانين، كما أنها تهدف من ناحية أخرى إلى تأمين سلامة الإعلاميين أنفسهم.
مع الإشارة إلى أن الإجراءات تفرض على جميع وسائل الاعلام طلب تراخيص تُعتمد فصلياً ويتم تجديدها بناءً على رغبة الوسيلة الاعلامية.
أما في ما خصَ التصاريح الاستثنائية فهي ليست دائمة وتصدر عند الطلب وهي متعلقة بالمناطق الخاضعة لتدابير أمنية استثنائية.
تؤكد قيادة الجيش حرصها الشديد على حرية العمل الاعلامي وتقديرها للدور الذي تؤديه وسائل الاعلام على اختلافها، وتجاوبها مع الاجراءات المتخذة حفاظاً على سلامة الاعلاميين ودورهم الوطني ورسالتهم السامية.
كما تدعو مديرية التوجيه في قيادة الجيش، وسائل الاعلام الراغبة بالحصول على تراخيص، زيارة الموقع الالكتروني للاطلاع على المعلومات والمستندات المطلوبة.

وتجدر الاشارة الى ان القرار كان قد صدر عام ١٩٩٨ من دون ان يتم تطبيقه  خلال السنوات الماضية لناحية اعتراض الصحافيين اثناء تأديتهم مهامهم والطلب منهم ابراز تراخيصهم وذلك لان هذا القرار كان قد صدر اصلا في ظل الاحتلال السوري وبهدف السيطرة على عمل الاعلام والحد من الحريات. اما اليوم فقد أعيد هذا القرار الى الواجهة سعيا من السلطة الحاكمة الى كم الافواه التي تصدح منذ ثورة ١٧ تشرين والمعترضة على السياسات الفاشلة للدولة وطريقة ادارة البلاد التي تدفع بنا كل يوم الى مزيد من الانهيار، وهو ما حدث منذ ايام مع احد الزملاء الصحافيين في شارع الحمرا في بيروت.

المصدر: سكايز