الدولة تُشرِّع الاختلاس: 20 عاماً لتقسيط ديون الضمان!

  • إقتصاد
الدولة تُشرِّع الاختلاس: 20 عاماً لتقسيط ديون الضمان!

كتب خضر حسان في المدن: تُضعِف معدّلات البطالة المتزايدة، قدرة اللبنانيين على تأمين الحماية الاجتماعية والصحية. ويزيد ارتفاع نسبة الفقر الوضع سوءاً، ما يُبرِز الحاجة إلى التغطية التي يؤمّنها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

إلاّ أنَّ الصندوق يواجه طعنات متكررة مِن قِبَل الدولة التي يُفترض بها تأمين الحماية له، لا إغراقه أكثر. فالدولة حتى الساعة، ما تزال مديونة للصندوق بنحو 4500 مليار ليرة، متراكمة عن سنوات سابقة، وتجدد إعطاء نفسها "حق" تأجيل الدفع أو عدمه.
تشريع الهروب
بَدَلَ تسديد الديون، تتنقَّل الدولة من تأجيل إلى آخر، مستعملة مسوّغات قانونية ساكسونية (نسبة إلى ما يُعرَف بقانون ساكسونيا الذي يحاكم ظلَّ المتَّهَم إن كان من الطبقة العليا). فأركان الدولة يقبضون رواتبهم ومخصصاتهم وكامل مستحقاتهم ويحظون بأفضل الخدمات الصحية، فيما يحرمون عامة الشعب من حقوقهم التي يقدّمها الصندوق، ويبادرون إلى محاكمة أنفسهم على تقصيرهم، بإعفاء أنفسهم من تسديد الديون أو فوائدها، أو ترحيلها إلى آجال أخرى. وفي كل الأحوال، النتيجة واحدة، وهي التنصّل من الدفع.

تشرِّع الدولة هروبها هذه المرة من خلال المادة 96 من موازنة العام 2021، والتي تنص على أنّ "تقسّط الديون والفوائد كافة المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على الدولة لغاية 2020 على أقساط متساوية ولمدة 20 سنة، على أن يسدد القسط الأول قبل نهاية شهر أيلول من العام 2021، وذلك بعد تدقيق قيمة هذه الديون من قبل وزارة المالية". ولإضفاء طابع الجديّة والثقة على القرار، تعهّدت الدولة بدفع فوائد سنوية على تلك الديون "توازي نصف معدل الفائدة على سندات الخزينة لمدة سنة". أما مستحقات العام 2021 فتسدد "في مواعيدها القانونية من الاعتمادات المخصصة لهذه الغاية في الموازنة".
دولة الفساد وعدم الإلتزام بالتعهّدات والقوانين، وَعَدَت بدفع الديون "بواسطة سندات خزينة بالليرة اللبنانية تصدرها الحكومة لهذه الغاية". والدولة في هذا الوعد تستحضر أمام الجميع موقفها من سندات اليوروبوند، وعدم التزامها بالدفع لمستحقيها الأجانب، ضاربة عرض الحائط نتائج هذا التخلّف على المستوى الداخلي والخارجي. وهي بالتالي لن تأبه لنتائج عدم الدفع للصندوق. فتصبح سندات الخزينة في الوضع الحالي لمالية الدولة، أشبه بدفتر "جودة أبو خميس" في المسلسل الساخر، ضيعة ضايعة. يحتوي الدفتر على ما يدين به جودة لجاره، لكن موعد التسديد غير معروف.
لا تسديد للمستحقات
استمرار الاستدانة وعدم الإيفاء، يؤكّد عدم الدفع مستقبلاً، والتجربة خير دليل. فمع استفحال الأزمة في العام 2019، وتحت ذريعة العجز المالي، أعفت الدولة نفسها من سداد فوائد الديون، والتي بلغت آن ذاك 400 مليار ليرة.

وفي العام 2020، أكد المدير العام للصندوق، محمد كركي، أن الصندوق لم يحصل سوى على نحو 100 مليار ليرة، فيما كان من المفترض حصوله على نحو 750 مليار ليرة، هي حصيلة ما نصت عليه موازنة العام نفسه، أي 300 مليار ليرة، بالإضافة إلى 400 مليار ليرة من العام الذي سبق.
ويندرج هامش الـ20 عاماً المنصوص عليه في موازنة العام 2021، ضمن خانة الإعفاء المبطّن من دفع الديون وفوائدها. فذريعة العجز المالي التي أُطلِقَت في العام 2019، ما زالت سارية المفعول حتى العام الحالي، لا بل بات استعمالها أكثر فعالية.
ولذلك، إن رَحَّلَت الدولة الديون من عام إلى عام وبذريعة تلو أخرى، متنازلة عن 100 مليار ليرة من أصل أكثر من 700 مليار عن عام واحد، فهل تملك اليوم القدرة على خلق المعجزات؟
المعجزات لا وجود لها، وأركان الدولة يُدركون ذلك، وبناءً عليه، قونَنوا لأنفسهم مهلة 20 عاماً للدفع. وخلال هذه المدّة، قد لا يبقى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي موجوداً، وقد تنهار قيمة الليرة أكثر، فتصبح الديون بلا قيمة.
رهان رابح للدولة
يعرف الخصمان في هذه المعادلة حجم كلٍّ منهما وإمكانياته ونواياه. ويعلم الصندوق أن الدولة لن تدفع، بل هي عازمة على تصفيته والتخلص منه، ببركة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وحتى ذلك الحين، أو إلى أن تُبتَدَع حلول أقل خطراً، يحاول الصندوق تغطية مضمونيه بما توفَّر، على قاعدة تبادل الأموال بين "العِبْ والجيبة"، فيقترض الصندوق من فرع تعويضات نهاية الخدمة ليموِّلَ الطبابة والمرض والأمومة، وهي تقديمات يزداد استنزافها لموجودات فروع الضمان، نظراً لارتفاع الحاجة للتغطية الصحية بكافة جوانبها، وتحديداً مع تفشّي وباء كورونا. علماً أن كركي أصدر منذ نحو أسبوع، مذكرة قضت باعتبار "جميع الأمراض بما فيها فيروس كورونا مشمولة بتقديمات فرع ضمان المرض والأمومة".

وإن كان الصندوق قد زاد في هذه الخطوة أثقالاً على أكتافه تُضاف إلى مبلغ 1200 مليار ليرة، وهو ما يصرفه سنوياً، فهو بذلك يعطي ورقة إضافية لصالح الدولة. لكن وإن ربحت الدولة ظاهرياً، فذلك لا يلغي حقيقة اختلاسها أموال الضمان بصورة مقوننة، ولا يغيّر واقع إعطائها شيكات بلا رصيد بواسطة سندات الخزينة ووعود الدفع والتقسيط لأعوام بعيدة.

 

المصدر: المدن