الرئاستان الأولى والثانية في لبنان تخوضان حربا بواسطة حزبيهما

الرئاستان الأولى والثانية في لبنان تخوضان حربا بواسطة حزبيهما

تحاول "حركة أمل" دفع "حزب الله" إلى الاختيار ما بين التحالف معها أو مع "التيار الوطني الحر"

كتبت دنيز فخري رحمة في independant arabia: منذ جلسة انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية وامتناع رئيس البرلمان نبيه بري وكتلة التنمية والتحرير (حركة أمل) عن التصويت له، شهدت العلاقة بين عون و"تياره" (التيار الوطني الحر) ورئيس السلطة الثانية و"حركته" الكثير من المد والجزر، ونادراً ما كانت علاقة صافية مئة في المئة.
اختلف الفريقان أشهراً واتفقا أياماً، ولولا وضعية "حليف الحليف"، التي تترجم الارتباط بين الطرفين بتحالفهما مع "حزب الله"، لكان وقع الطلاق النهائي ونشبت حرباً دائمة منذ اليوم الأول لعهد عون الرئاسي. لم يكن صعباً إيجاد موضوع ليختلف "التيار الوطني الحر" و"حركة أمل" بشأنه. لم ينسَ بري وجمهوره اتهامه على لسان باسيل بـ"البلطجي" ولم يتخطَّ الأخير ما نُقل عن رئيس البرلمان بعد الانتخابات الرئاسية "أتخوّف من أن نضطر إلى التعامل مع رئيسَين لا رئيس واحد، بالإشارة الى الرئيس عون وصهره باسيل.
لا تناغم
في الاصطفافات داخل مجلس الوزراء وعلى مرّ الحكومات المتعاقبة، نادراً ما كان وزراء "أمل" في الجانب ذاته مع وزراء "التيار الحر". كان ملف الكهرباء والمعامل والبواخر المنتجة للطاقة الكهربائية، أكثر ما تقاتلا حوله، وإن كان التصويت في النهاية يصبّ مع ما كان يطلبه "حزب الله" تجنّباً لإغضاب الحليف. ولطالما اتهم "التيار الوطني الحر" رئيس البرلمان ووزراءه ونوابه بإفشال "التيار" في تنفيذ خطط إصلاح قطاع الكهرباء المتتالية.
وكما في الحكومة، كذلك داخل المجلس النيابي، حيث العلاقة لم تكُن أيضاً في أفضل حال. آخر المعارك التي عكست تمايزاً بين الفريقين اللدودين، كانت حول "التدقيق الجنائي" في حسابات الدولة، إذ أصرّ نواب "حركة أمل" بالتنسيق مع كتل نيابية أخرى على أن يشمل التدقيق كل الإدارات التي تولّاها وزراء تابعون للتيار الوطني الحر. وفي الذكرى الـ15 لـ"تفاهم مار مخائيل" (في إشارة إلى الكنيسة التي وقِّع فيها التفاهم)، بين ميشال عون (كان رئيساً للتيار الوطني الحر حينها) والأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، لم يتردد الرئيس الحالي للتيار جبران باسيل في قول إن "وثيقة التفاهم تحتاج إلى إعادة النظر في بعض بنودها". وحمل كلام باسيل إيحاءات مباشرة باتجاه برّي عندما اعتبر أن أحد البنود التي لم تُطبق من "ورقة التفاهم" كان "بناء الدولة". وألمح نواب التيار مراراً إلى اضطرار "حزب الله" إلى "مسايرة" برّي في ملفات الفساد، تجنّباً لإثارة الحساسيات وتحاشياً للدخول في تحديات فئوية وطائفية ومذهبية. لم يقتصر التمايز بين "التيار" و"أمل" على الملفات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والمالية بل لامس السياسية أيضاً، ففي ملف يُفترض أن يكون سيادياً بحتاً، وهو ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، تسابقا على كسب ودّ الجانب الأميركي كل لمصلحته. وتمكّن رئيس الجمهورية من نقض اتفاق سبق وتوصّل إليه رئيس البرلمان مع وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل، باعتماد الخط 23 لتحديد الحدود البحرية اللبنانية الجنوبية. وشكّل عون وفداً عسكرياً بالتعاون مع قيادة الجيش أعاد المفاوضات إلى الخط 29 وعادت الأمور بذلك إلى نقطة الصفر وتوقفت المفاوضات.
أما الانفصال الأخير بين "التيار" و"أمل"، فكرّسته مساعي تأليف الحكومة الجديدة، حين وقف بري مع الرئيس المكلّف سعد الحريري داعماً طرحه في تشكيل حكومة لا "ثلث معطل" فيها لأحد، تحديداً للرئيس عون والتيار الوطني الحر، فاتخذ في المقابل رئيس الجمهورية ومعه التيار موقفاً رافضاً لأي وساطة من قبل بري.

بيان عالي السقف

من موقع غير المباشر إلى المباشر، انتقل بري و"حركة أمل" في المواجهة مع عون و"التيار الوطني الحر". وفي بيان قاسي اللهجة تقصّد قراءته المعاون السياسي لبري، النائب علي حسن خليل، ما اعتُبر بمثابة رسالة واضحة مفادها بأن الكلام صادر عن رئيس البرلمان، صوّب المكتب السياسي لـ"أمل" أسهم التعطيل والوضع المنهار باتجاه رئيس الجمهورية و"التيار الوطني الحر".
وجاء في بيان "أمل" أن "مواقف بعض الأطراف، في رمي الاتهامات بالتعطيل السياسي الذي تجاوز حدود المعقول، لم يضرب صورة العهد والسلطة وقدرتهما على المعالجة فقط، بل بدأ يطرح أسئلة أكثر تعقيداً حول طبيعة النظام، والقدرة على الاستمرار والحفاظ على وجود اللبنانيين وحمايتهم سياسياً واجتماعياً، وعلى الثقة بالنهوض من جديد". وشكّل البيان "مضبطة اتهام" للتيار والعهد الرئاسي معاً في أكثر من ملف يتعلق بمكافحة الفساد، لا سيما الكهرباء والبواخر والتدقيق الجنائي والتشكيلات القضائية، معتبراً أنه ليس "مطلوباً تكرار شعارات شعبوية، بل ترجمة فعلية وكشف وفضح ومحاسبة تقوم على معايير القانون والعدالة".
بيان "أمل" وُصِف بالرسالة المباشرة من بري إلى "حزب الله" قبل "التيار الوطني الحر"، أكدت تموضعه الجديد إلى جانب الحريري مقابل رفض أي تسوية مستقبلية مع باسيل ربما يطلبها "الحزب" منه.

الخلاف الكبير
فهل "انكسرت الجرّة" مع التيار؟ (تعبير بالعامية يُقصد به أن الخلاف نهائي)، السؤال طرحناه على عضو "كتلة التنمية والتحرير" النائب ياسين جابر، فأكد لـ"اندبندنت عربية" أنه "لم يعُد هناك من جرار للقول إن الجرّة انكسرت بين التيار الحر وحركة أمل. كل القصة أن السكوت عما يحصل لم يعُد جائزاً والبلد اقترب من الاصطدام". وحمّل جابر مسؤولية تراجع العلاقة بينهما إلى التيار الحر ورئيسه. واعتبر أن "باسيل يعيش في عالم سوريالي وهو يتفرج على البلد ينهار والأمور تتدهور، فيما هو يتحدث عن المعايير"، متسائلاً "ماذا تنفع المعايير إذا راح البلد؟ أليس من الأجدى أن يتحوّل قصر بعبدا في هذه الظروف القاهرة إلى خلية نحل تتلقف مبادرات وتبحث عن حلول؟ هل يمكن أن يتسلّم فريق حقيبة وزارية، مثل وزارة الطاقة لأكثر من 12 عاماً ويوصل البلد إلى عتمة شاملة وهدر فاق الـ50 في المئة، بحيث بلغت كلفة استئجار البواخر وحدها مليار و100 مليون دولار، ثم يقول: هذه ليست مسؤوليتي!". وردّاً على ما يقوله نواب "التيار" حول أن الآخرين منعوهم من العمل وتنفيذ خطة الكهرباء ومن بينهم وزراء ونواب "حركة أمل"، يجيب جابر "استلموا الوزارة 12 عاماً، ولم يدعهم أحد يعملون؟ فليخافوا الله". وذكّر باستقالة وزير الصحة الأردني ووزير الصحة العراقي بمجرد حصول خطأ تأذّى بسببه المواطن، سائلاً "أين نحن من المحاسبة وتحمّل المسؤولية؟". وأكد عضو الكتلة التابعة لـ"حركة أمل" أن "الهدر والفساد غير محصورين بفريق واحد وليس المقصود التيار الحر وحده"، مذكّراً بقطاعات أخرى غير الكهرباء مثل الاتصالات، التي تعاقب عليها وزراء من "التيار الحر" و"تيار المستقبل" (يرأسه سعد الحريري) وجرت فيها "صفقات عدة". واتهم جابر "التيار" بفتح "معارك وهمية"، وسأل "ماذا حصل في التدقيق الجنائي ولماذا التركيز على جهة واحدة هي مصرف لبنان؟ وماذا عن الإغارة على شركات الصيرفة؟ هل وصلت إلى نتيجة؟ وهل أعادت الأموال المحوَّلة إلى الخارج بعد 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019؟".
كما ورد في بيان "حركة أمل" تحذير من محاولات تأجيل الانتخابات البرلمانية التي يُفترض أن تجري عام 2022، ما أثار مخاوف من وجود نوايا لعدم تنظيمها. وعلّق جابر على تلك النقطة بالقول "مَن سعى إلى تأجيل الانتخابات الفرعية سيسعى إلى تأجيل الاستحقاق المقبل"، ملمحاً إلى إمكانية حدوث التأجيل حتى يتمكّن البرلمان الحالي من انتخاب الرئيس المقبل، مذكّراً بأن "رئيس الجمهورية لم يوقّع مرسوم إجراء الانتخابات الفرعية، علماً أن النواب المستقيلين، غالبيتهم مسيحيون، بالتالي هل يتم التأجيل لأن النتائج ربما لا تأتي بحسب رغبة التيار وتظهر مدى تراجع شعبيته؟". ودعا جابر، المقرّب من بري، رئيس الجمهورية إلى "التعالي عن المصالح الضيقة والبحث عن حل ينقذ البلد قبل فوات الأوان وإلا فلن يبقى أمامنا سوى الهجرة".

التيار: كل الأجوبة في وزارة المال

في المقابل، علّق عضو تكتل "لبنان القوي" (تابع للتيار الوطني الحر) وزير المهجرين السابق غسان عطاالله على بيان "أمل" مستغرباً توقيته ومضمونه، لا سيما أن "قنوات التواصل كانت قائمة بين الطرفين، كما أن المواطنين كانوا في غنى عن تشنّج إضافي يُضاف إلى أيامهم الصعبة". ولحظ عطاالله في بيان "أمل" تناقضات كثيرة "لأن كل قرار مالي يُتّخذ في البلاد لا يمكن أن يُقَرّ إلا بموافقة وزارة المال ومن خلالها، بالتالي كل الأجوبة عن الأسئلة التي وجّهها المكتب السياسي لحركة أمل موجودة في وزارة المال"، غامزاً بذلك من قناة الحركة نفسها التي تسلّم مقربون منها وزارة المال في الأعوام الماضية ولا يزالون. وقال عطاالله إن "كل الأجوبة موجودة لدى وزير المال، وذلك في ما يتعلق بالتدقيق الجنائي أو الكهرباء أو البواخر، فلماذا سمحوا بصرف غير مبرر؟ وإذا كانت هناك شوائب تعتري أي عملية تخص وزارة الطاقة أو غيرها من الإدارات التي تسلّمها التيار الوطني الحر، فلماذا وقّع عليها وزير المال ورضي بها؟ ولماذا لم يوقفها؟".
وربط وزير "التيار الوطني الحر" بيان "حركة أمل" بكلام نُقل عن برّي في إحدى الصحف، دعا فيه "حزب الله" إلى الاختيار بين الحليفين لأنه لم يعُد يحتمل بقاءه ضمن هذا التحالف مع "التيار". واعتبر عطاالله أن ما ورد في البيان يأتي في السياق ذاته وهو نوع من الضغط على "الحزب" لتحديد خياراته بين "التيار" و"أمل". وتابع الوزير المقرب من رئيس التيار جبران باسيل أن "الادّعاء بالإصلاح ومكافحة الفساد لا يكون بالقول فقط بل بالفعل"، داعياً وزير المال غازي وزني المقرّب من بري ومستشاره المالي سابقاً، إلى تسليم ما لديه من أوراق وأرقام إلى شركة التدقيق الجنائي لتتمكّن من القيام بعملها". ونفى عطاالله في المقابل أي نيّة لدى "التيار الحر" لتأجيل الانتخابات النيابية، مذكّراً بأن باسيل أكد أنه اذا استمر الرئيس المكلف على جموده بعدم تأليف الحكومة وعدم الاعتذار عن المهمة، فإن التيار مستعد للاستقالة من مجلس النواب، وفي ذلك دعوة صريحة للاستعداد لإجراء الانتخابات النيابية قبل موعدها، متسائلاً "كيف نكون نريد تأجيلها؟".
أما عن إرجاء الانتخابات الفرعية، فشرح عطاالله أن "السبب هو أن الرئيس عون يرفض توقيع مرسوم استثنائي، ويرفض اعتماد الاستثنائية، تفادياً لإلغاء دور الحكومة التي يعود إليها اتخاذ قرار إجراء الانتخابات من عدمه".    

 

المصدر: independent arabia