الرئيس الجميّل: الصحافة اللبنانية تجسيد لكيانية لبنان المتلازمة مع الحرية...ومعاناتها تعكس معاناة الوطن

  • محليات

افتتح الرئيس أمين الجميّل ندوة "أي مستقبل للصحافة اللبنانية" التي نظمتها مؤسسة "بيت المستقبل"، بالتعاون مع كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية- الفرع الثاني، في مبنى الكلية في سد البوشرية، وشارك فيها عميد الكلية الدكتور جورج صدقة، الوزير السابق ملحم الرياشي، رئيس تحرير صحيفة "اللواء" صلاح سلام، الناشر والإعلامي مالك مروة، والإعلامي بشاره شربل. وحضرها النائب ادي ابي اللمع ومدير الكلية الدكتور هاني صافي ومديرو كليات ودكاترة واساتذة واعلاميون وطلاب.

بداية النشيد الوطني، فنشيد الجامعة اللبنانية. وتحدث الجميّل، فاعتبر ان "مبادرات جمع الجامعة اللبنانية مع مراكز التوثيق لها اهمية كبيرة وهي خطوة نوعية لدعم الجامعة اللبنانية ومراكز التوثيق وهي تعمل على إنفتاح الجامعة على الشأن العام والمشاكل المعاصرة، إغناء مراكز التوثيق والبحوث بالبعدين الأكاديمي والتخصصي، تعزيز التعاون بين الجامعة اللبنانية ومؤسسة "بيت المستقبل" الذي بدأ منذ زمن ويتكلل الآن بهذه الندوة المشتركة مع كلية الإعلام. ولقد عقدنا عدة ندوات تحت عنوان "الشراكة مع الجامعة اللبنانية".

وقال: "لن أستبق مداخلات ومناقشات الدكاترة المشاركين في هذه الندوة عن "أي مستقبل للصحافة اللبنانية" في هذه الظروف لانتشال ليس فقط الصحافة بل لبنان من المستنقع الخطير الذي يغرق فيه. فحساسية هذه المسألة عند اللبنانيين تعود إلى أسباب عدة، أهمها العلاقة التي تربط لبنان واللبنانيين بالصحافة حتى قبل نشوء الكيان اللبناني في العام 1920، كما الدور الذي لعبته في الداخل أو في الخارج، لجهة الرسالة التحديثية التي نشرتها في المنطقة والنهضة الفكرية والثقافية التي دفعت بها. ولا بد من أن نذكر أن وراء النهضة العربية الحديثة، العابرة لحدود الأقاليم، كانت نخبة لبنانية مثقفة أمثال سليم وبشارة تقلا، مؤسسي جريدة "الأهرام المصرية"، ورئيس تحريرها لعقدين تقريبا، أنطوان باشا الجميل. وأهمية الصحافة اللبنانية، أنها كانت تجسيدا لحقيقة: أن كيانية لبنان متلازمة مع الحرية. ومبدأ الإنفتاح والديموقراطية وقبول الآخر".

وأعلن أن "عدد الدوريات، أي الصحف والمجلات، التي أسّسها لبنانيون في لبنان والخارج بين عام 1858 مع ميلاد "حديقة الأخبار" لصاحبها ميخايل جبرايل الخوري وعام 1974، بلغ 1500 دورية، مثلت عن حق الحضور اللبناني في العالم العربي ونقلت هموم هذا الأخير إلى العالم برمته. واليوم، من المؤسف أن معظم هذه الدوريات الثقافية والعلمية والأدبية توقفت عن الصدور، ولم يعد معروفا منها سوى الإسم. وهذا ما نشهده اليوم في لبنان ويحز في أنفسنا مع اختفاء ليس فقط الدوريات الثقافية والعلمية والأدبية، بل أيضا كبريات الصحف على غرار السفير والأنوار وشقيقاتها من مجلات دار الصياد وعددها أربع، إلى المستقبل والاتحاد".

وقال: "صحيح أن مسار الصحافة اللبنانية واجه في تطوره معضلات كثيرة: أبرزها حرية التعبير التي بلغت أوجها في العهد العثماني مع إعدام جمال باشا يوم 6 أيار من العام 1916 لعدد من الصحافيين أصحاب القلم الحر، وصولا إلى شهداء الحرية بين الصحافيين في تاريخ لبنان الحديث من فؤاد حداد ونسيب المتني وكامل مروة مرورا بسليم اللوزي ورياض طه، وصولا إلى سمير قصير وجبران التويني. ومع ذلك قاومت وتمكنت ليس فقط من الصمود بل أيضا التطور والازدهار والمدافعة عن الحق الإنساني، إنما لم تصل مصاعبها إلى المستوى التي وصلت إليه اليوم حيث تشابكت لتشمل جوانب عدة، من هجمة التكنولوجيا الحديثة التي غيرت مفهومي الإعلام والإعلامي، إلى العائق المالي والاقتصادي إلى البيئة السياسية والاجتماعية التي لا نبالغ إذ نقول أنها أصبحت طاردة للإقلام الشجاعة الحرة مثل استدعاء الصحافيين. وإذا أردنا أن نكون واقعيين، لا بد لنا من الاعتراف أن كل هذه الأسباب مجتمعة ما كانت لتؤثر في الصحافة كما فعلت لو أنها بقيت كما عهدناها. قامت الصحافة اللبنانية على أكتاف جبابرة وعقول نيرة وحكيمة ونفوس حرة أبية، تميزوا بتهذيب الكلمة والمعرفة الشاسعة وما تتطلبه المهنية من موضوعية واستقلالية وجرأة. كانت الصحافة حرة وليست مأجورة، وكانت رسالة سامية قبل أن تكون تجارة.

باختصار، معاناة الصحافة في لبنان ما هي إلا مرآة تعكس معاناة الوطن، ولعلنا في تشريح أسباب السقوط نكون في الوقت عينه نتبصر في حال الإنكماش التي وصلنا إليه في السياسة والتربية والثقافة والاجتماع والاقتصاد. إن أسباب السقوط كثيرة كما شروط النهوض، وأترك مناقشتها لهذه الندوة مع خبراء معنيين وأبناء المهنة".

وختم: "يبقى أنني على قناعة بأن كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية قادرة على تشخيص الواقع المرير الذي تعيشه صحافتنا اليوم، وما يعاني منه الصحافيون اللبنانيون من صعوبات على أنواعها، وأن هذا المؤتمر قادرٌ أن يجترح الحلول التي من شأنها أن تنهض بصحافتنا من جديد، وتعيد لها بريقها وحضورها وإنتشارها ورسالتها".

وألقى صدقة كلمة بدأها بالترحيب بالحاضرين والمشاركين في الندوة، وأثنى على التعاون مع "بيت المستقبل"، مؤكدا أن "كلية الاعلام هي مقلع الحرية في لبنان والعالم العربي، واذا انتفت الحريات الإعلامية في بلدنا تفقد كلية الإعلام دورها ورسالتها". وتطرق الى تعاون الجامعة اللبنانية مع "بيت المستقبل" من خلال انشطة تسعى الى الحض على اعادة بناء المجتمع اللبناني وإشراك الشباب من مختلف الاتجاهات في هذا المشروع النهضوي الذي يخدم بناء الدولة والمؤسسات وإعلاء القيم الانسانية".

ورأى أن "وسائل الإعلام هي إحدى ركائز الحريات، ومنبر للرأي وسلطة رقابية على السلطات الأخرى، وباتت تعاني جملة أزمات منها: أزمة الصحافة الورقية التي تنحسر وتضعف، وهنا نسأل هل الصحافة الورقية ضرورة اجتماعية ام يمكن استبدالها بالصحافة الرقمية؟ أزمة تمويل والسؤال هو هل يمكن للإعلام ان يكون حرا ان لم يكن مستقلا ماديا. وازمة القوانين المعمول بها والتي لم تعد صالحة لمواكبة تطور وسائل الاعلام ودورها، فقانون الصحافة الورقية الذي يعود الى اكثر من نصف قرن مسؤول في جزء منه عن انهيار الصحافة وقانون المرئي والمسموع وزع الرخص حصصا على الأحزاب السياسية والطائفية. وهناك ايضا ازمة تراجع حرية الإعلام امام ممارسات السلطة السياسية كمثل استدعاء الصحافيين وناشطي حرية الرأي امام محكمة الجنايات لا محكمة المطبوعات، ويكفي ان نرى تراجع مؤشر الحريات في لبنان في تقارير المنظمات الدولية المتخصصة كي نستنتج حجم تراجع حرية الرأي".

وختم: "اخيرا تطالعنا ازمة الممارسة المهنية وتراجع الاداء المهني والاخلاقي وهنا دورنا ككلية الاعلام، فمضامين الصحافة لم تعد كما عهدناها في السابق، وتراجعت أخلاقيات المهنة على حساب الإثارة والترويج والدعاية الممنهجة، هذه الأزمات لا تهدد دور وسائل الإعلام فسحب بل مكانة لبنان الثقافية وروحية نظامنا السياسي الذي قام دوما على مبدأ الحرية".

والتأمت الجلسة الأولى تحت عنوان "السبل الآيلة الى وقف انهيار الصحافة الورقية"، أدارها الدكتور علي رمال وتحدث فيها الصحافي بشارة شربل والناشر والإعلامي ملك مروة والاستاذ الجامعي الفرنسي ماتيو لاردو عبر السكايب. وطرح رمال سلسلة أسئلة تمحورت حول ما اذا وصلت الصحافة المكتوبة الى نهايتها، ام ان الأزمة الحالية هي محطة لإعادة خلق صناعة الصحافة على أسس جديدة؟

وأعلن شربل من جهته أنه "يسير عكس التيار وأنه لن يقطع الأمل بالصحافة اللبنانية وهو يقوم حاليا بتأسيس جريدة جديدة في لبنان"، معتبرا أن "لأزمة الصحافة خصوصياتها إذ هي جزء من أزمة هذا البلد". وسأل: "كيف يمكن لوسيلة اعلام جامدة ان تبقى حية في عصر اعلام رقمي يجدد نفسه دائما؟".

ورأى أن "الصحافة تعيش مرحلة انتقالية والصحف التي اقفلت لم تستطع التأقلم مع الوسائل الجديدة ومع متطلبات التطور، والتحدي هو في كيفية تقديم محتوى موثوق به، موضوعي وذي صدقية".

أما لاردو فاعتبر أن "هناك صعوبة للتحدث عن مستقبل الصحافة الورقية، وهناك دراسات بينت أن الصحافة الورقية ستكون صحافة النخبة وصحافة الترف، ويجب التفكير في السبل الكفيلة بجمع النسخ الورقية والرقمنة، مثلما فعلت صحيفة "نيويورك تايمز" مثلا.

ورأى مروة أن "الصحافة مهنة تخضع للسوق، وعلى الناشر أن يعرف أسعار الورق والطبع والمدخول الإعلاني. الصحافة اللبنانية مرت بمراحل عدة، واكتفى البعض منها في حقبة معينة بالمداخيل العادية مثل المبيع والإعلانات".

وقال: "الصحافة اللبنانية ظلمت في الحرب كما ظلمت في مرحلة انتشار التكنولوجيا. وإن السوق اللبنانية صغيرة والإنفاق الإعلامي للشخص فيها منخفض جدا، وإن حل المشكلة الصحافية يتم عند المزاوجة بين الأونلاين والورق".

عقدت الجلسة الثالثة تحت عنوان "انهيار الصحافة الورقية ام انهيار لبنان ودوره"، أدارها الدكتور جوزف عساف، وتحدث فيها الرياشي ورئيس تحرير صحيفة "اللواء" صلاح سلام.
وطرح عساف إشكاليات، منها هل يتحدد دور الصحافة المكتوبة في ضوء التغييرات التكنولوجية فقط، ام ان للمتغيرات السياسية والإقتصادية في لبنان والمنطقة دورها ايضا؟ وكيف تؤثر الصحافة وتتأثر بالنظام الديموقراطي؟

وعرض الرياشي لمشروع القانون الذي قدمه لحماية الصحافة الورقية والذي تحول الى اقتراح قانون في مجلس النواب، كما عرض لتجربة الخبير الكندي الذي اتت به وزارة الإعلام للانتقال من الصحافة الورقية الى الصحافة الرقمية، والتي شارك فيها رؤساء تحرير الصحف اللبنانية. وتطرق الى قانون الإعلام الذي طور بالتعاون مع لجنة الإعلام والإتصالات، "اما قانون تطوير نقابة المحررين فلا يزال في ادراج الأمانة العام لمجلس الوزراء"، وتحدث عن مندرجاته بالتفصيل، وختم بان "الدولة العميقة في لبنان تكره الإعلام".

واعتبر سلام ان "الصحافة الورقية تعاني من ازمة ومعاناتها جزء من معاناة قطاعات انتجاية اخرى، فحالة عدم الاستقرار السياسي في لبنان انعكست على واقع الصحافة فيه كما ان الازمة الاقتصادية أثرت على قدرة القارئ الشرائية كما دفعت بالصحف الى تخفيض موازناتها".

وقال: "الازمة جزء من أزمة البلد. المشكلة ان الدولة اللبنانية غائبة عن مسؤولياتها تجاه قطاع الصحافة، فلا يوجد صحيفة في العالم تعتمد على مداخيلها الذاتية من اعلانات واشتراكات، فقط بل هناك دوما دعم حكومي او دعم مؤسسات قتصادية لها". 

المصدر: Kataeb.org