العدلُ أساس الملك ومخافةُ الله أساسُ العدل

العدلُ أساس الملك ومخافةُ الله أساسُ العدل

كتب المحامي انطوان القاصوف:
"العدلُ أساس الملك ومخافةُ الله أساسُ العدل" ؟!

تقول القصة - العبرة :" تولّى رئاسة إحدى المحاكم ، في عهد الأتراك ، قاضٍ شاب عُرِفَ بقلّة التروي ... وحدث أنّ عُرِضَت عليه دعوى إرث، بين رجل وأرملة أخيه ... وكانت هذه الدعوى لا تزال عالقة أمام القضاء منذ زمن طويل وقد تعاقب على النظر فيها عددٌ من القضاة دون أنّ يبتّوا بأمرها ، فحكم القاضي لمصلحة الرجل حارماً الأرملة من إرث زوجها وأطفالها اليتامى من مال ابيهم ؟!
وكان لتلك الأرملة " خال " على جانب من الحكمة والدهاء فبادر الى رفع دعوى شخصية ضدّ العزّة الإلهية لدى القاضي المذكور ، فاستدعاه هذا الأخير ولم يكن يعلم إنّه " خال " تلك المرأة وسأله عن سبب إقدامه على اقتراف ذلك " المزاح " الشائن بحقّ الله عزّ وجلّ .. فأكّدَ الرجل إنّه جاد في دعواه لأنّ الله سبحانه تعالى ، كتبَ له قَدَراً سيئاً فأكثر أوجاعَه وهمومه وأطال عمره ، لذلك فهو يرجو المحكمة أن تحكمَ له على الله بالتعويض ممّا أصابه منه ...
فقال له القاضي : " ولماذا لم ترفع دعواك هذه أمام أحد القضاة الذين تعاقبوا قبلي على هذه المحكمة "؟! فأجاب الرجل : " لأنّ اسلافك من القضاة كانوا يخافون الله ، أمّا أنت فلا تخاف الله ..."؟!
فإذا كان العدل أساس الملك فإنّ مَخافة الله هي أساس العدل .. ومن المتعارف عليه أنّ المتقاضين يكونون في عِهدَةِ ضمير القاضي ، والقاضي يكون في عِهدَة عدالةِ القانون والجميع في عِهدَة الله ... أليس العدل هو ميزان الله على الأرض ؟
من هنا ، تكمن عظمة القاضي ، صاحب الضمير الحيّ والمُلّم بمبادئ القانون الذي يحكم به والرافع لشعار " الله يراني " !!
العدل أساس الملك ، شعار لا يستقيم إلاّ مع كل قاض يكون عزيز النفس ، بعيداً عن أطماع الدنيا ، مترفعاً عن الرشوة ، صارماً في إصدار الأحكام العادلة ، بعيداً عن المحاباة ، محايداً ، محترماً حقوق الدفاع ، مؤهلاً ، متخصصاً ، دارساً ، مُلِّماً بمبادئ العدالة والقانون ، حسن السمعة والسيرة ، واسع الصدر ، بطيء الغضب ، بعيداً عن أي عمل لا يتفق ورسالة القضاء وإستقلاله ، كرامته هي الأعلى والأغلى وهي التي تجعله لا يخاف أصحاب النفوذ والقوة والسطوة ...!
في بعض المذاهب ، لا يُسمح للقاضي بالجلوس الى الحكم ، إذا كان ذلك النهار ، متشاجراً مع زوجته أو حانقاً على إبنه أو متخانقاً مع جاره أو مصاباً بعسْرِ الهضم ، يجب ألاّ يؤثر شيء على رزانته وعدله ..!
والقضاء في مختلف الدول الراقية والأنظمة الديمقراطية يتمتع بالإستقلال عن جميع سلطات الدولة ، وليس للسلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية الحقّ في التدخل في عمل القضاء أو ترهيبه أو أن تنتزع منه ما تشاء من منازعات لتفصل بها .. ومن باب أولى ، يقتضي أيضاً ، عدم " توزير " أي قاضٍ لا يزال في الخدمة ، لأنّ القضاء بحاجة إليه أكثر من أي وزارة وخاصة عندما " تُنْزعَ " الأقنعة فيصبح ممثلاً لهذا الحزب أو لذاك التيار أو لذلك المحور السياسي ... تُرى كيف وبأي وجه يعود الى قوس المحكمة بعد انتهاء ولاية الوزارة ؟ لا بل بأي " قلم " يكتب أحكامه ؟؟!!
وفوق كلّ ذلك ، يجب أن يكون القاضي على الدوام ، محمياً من معاناة ضيق الحياة المادية وعزيز المنزلة الإجتماعية والوطنية ..!
إذا تحقق العدل حُفِظَتْ كرامةُ الناس وقامت دولة المؤسسات فلا يبقى أحدٌ فوق الدولة ولا فوق النظام ولا فوق القانون ..!
لقد حدّد كبار المفكرين شريعة الغاب بأنّها تقوم في حالتين :
1- عندما يخالف المجرمون القانون
2- وعندما يتجاوز المسؤولون الدستور
وفي غياب القضاء العادل والمستقل، يتحول الوطن الى غابة فتسقط شرعية الدولة وتنتصر شريعة الغاب ؟
... وفي هذه الظروف المأسوية التي يعيشها اللبنانيون ، نذكر ونتذكر ما حصل في الحرب العالمية الثانية حينما كان " هتلر " يدكّ لندن وضواحيها بخمسة الاف غارة في الليلة ، كيف دعا تشرشل رئيس الوزراء البريطاني الى عقد جلسة لمجلس الوزراء للإطلاع على حجم الخسائر ورغم أنّ الوقائع الميدانية كانت تشير الى أنّ الوضع" مُروّع " ... إلتفت تشرشل الى وزير العدل وسأله : كيف يعمل القضاء في البلاد ؟ هل القضاة يحكمون بالعدل ؟ هل يوجد فساد في نظام القضاء البريطاني ؟
أجاب وزير العدل : إنّ كل شيءعلى ما يُرام وإنّ القضاء البريطاني نزيه ... !!
قال تشرشل : لطالما أنّ العدل قائمٌ وما دام القضاة يمارسون مهامهم بشرف وعدالة ومسؤولية ... فبريطانيا بخير وستنتصر في النهاية ..!!
وبالفعل راهن تشرشل ونجحت بريطانيا بأكملها !!
تُرى الى متى تبقى ذاكرتنا في إجازة ؟!

المصدر: Kataeb.org