"العهد الذي قضى على كل العهود" ؟!

عندما دٓعا "معاوية" إلى اجتماع من أجل أخْذِ الٓبيعةِ لابنِهِ "يزيد" ... شعر أهلُ الولايةِ بالخٓيْبةِ، لأنً يزيد لم يكن في مستوى ولاية معاوية...! ومع ذلك راحٓ الجميعُ يتوافدون مُهنئين وابتدأ صيادو الفرص والوصوليون والإنتهازيون والمنافقون والمتربصون يتبارون في الثناء على "جدارةِ" يزيد، كما وقف ابن المقفع العذري وأٓلْقٓى خطاباً أنهاهُ قائلاً: "هذا هو الخليفة" وأشار إلى يزيد، "وٓمٓنْ يأبى... فهذا" وأشار إلى سٓيْفِهِ، فقال له معاوية: أُجلس فأنت سيّدُ الخطباء... ثمّ التفت إلى "الأحنف بن قيس" وسأله: "ما بالك يا أبا بحر لا تقول شيئاً"؟ فأجابه: "أخافُ اللهٓ إنْ كٓذِبْتُ وأخافُكم إنْ صٓدٓقْتُ..."؟!
في هذه الواقعة التاريخية، يتٓمثّلُ جميعُ أهلِ السلطة، من الوالي إلى وليّ العهد، إلى كل الحواشي وخاصةّ ثُنٓائيّ الفكر واللسان رجال كل العهود، كما لا يغيبُ صاحبُ الموقف المعارض الرافض الصامت والخائف في نفسِ الوقت...!
فإلى كلّ "معاوية"، إلى كلّ يزيد، إلى كلّ "شاهر سيف" إلى كلّ "أحنف"، نقول: ما أحوجنا اليوم وكلّ يوم، إلى رجال يفكرون كالأحنف، يصرّحون كالشجعان، لأنهم يخافون الله ويفعلون ما يُرضيه ولو غضب "الوالي"!!
السيد الوالي!
في تاريخ مُعْظم العهود، عناوين مميّزة بالرغم من الوقائع والمواقع المُتمايزة:
عهد الإستقلال، عهد العظمة والازدهار، عهدُ دٓفْن الثورة وبناء المؤسسات، عهد وطني دائماً على حق، عهد الصمود، عهد الحُلُمْ، عهد الذهب والسيادة... والعهد القوي الذي قضى على كل العهود...!!

السيد الوالي!
المواطن يسأل:
-أين استقلال الدولة وأين دولة الاستقلال؟
--أين الإزدهار والعيش الكريم؟
-أين المؤسسات وأسس الدولة؟
-أين الصمود والتصدي للأخطار؟
-أين "الحُلُم" الذي كان...؟
-أين السيادة والكرامة الوطنية؟
-هل ما زال "وطني دائماً على حق"؟

السيد الوالي!
في أي موقع كنت، وحيث أصبحت، كٓتٓبْتَ التاريخ بحبر الدماء أو بحبر الدموع، وعشنا المأساة بردائها الأسود:
حروب وصراعات، تعطيل المجالس النيابية، تعطيل تشكيل الحكومات، تعطيل الإنتخابات الرئاسية، تعطيل الحياة الديمقراطية، تعطيل حياتنا اليومية، ومع ذلك كان كثيرون يحلمون بوصولك إلى حيث وصلت وباتوا اليوم نادمين على وصولك!!
تتدخل في كل "شاردة وواردة" فإذا نجحت في واحدة فهنا "الطبل والزمر" وإذا فشلت في باقي الوحدات ، "فالحق كل الحق" على غياب الصلاحيات؟!

السيد الوالي!
كما تبدأ الولاية، تستمرّ، فإمّا تُكْمِلُ صعوداً إلى " الفوق" حيثُ الجنة، أو تُكْمِلُ نزولاً إلى "التحت" نحو جهنم؛ الرحلة عندنا انتهت.. لقد وصلنا إلى التحت الذي لم يٓعُدْ من تحتِهِ تحت..!
فالمواطن الجائع تهمّه "لقمة العيش" قبل الصلاحية!
والمواطن المريض تهمّه "حبة الدواء" قبل الصلاحية!
والمواطن المشرّد يهمّه "المأوى" قبل الصلاحية!
والمواطن الغارق في العتمة تهمّه "الشمعة" قبل أن يلعن "إديسون" والصلاحية!
والمواطن المتّشح بالسواد بسبب تفجير المرفأ تهمّه الحقيقة والعدالة قبل الصلاحية!
والمواطن العاطل عن العمل، لا تهمّه إنْ بقيت أو تعطّلت الصلاحية...!
فما هذه "الصلاحية الضائعة" التي تجعل المواطن "مهموماً" في الليل و"ذليلاً" في النهار؟!
يقول المطران هالدركامارا "غاندي البرازيل":"إنّ الظلم الإجتماعي ، يؤدي الى غياب الكرامة الإنسانية، وهو أسوأ أنواع العنف..."

السيد الوالي :
كان "مارك توين" يقول ساخراً: "إننا نحب كلَّ شخص يقول لنا رأيه بصراحة ... إذا كان هذا الرأي يَتَفِقُ مع آرائنا..." ولكن مقرّباً منك لأكثر من عشرين عاماً، هو الكاتب والمحلل المحامي الأستاذ فايز قزّي قال بصراحة وخلافاً لرأيك وقد ارتأى أيضا ألّا يفعل كما فعل "الأحنف"، لذلك كتب ما يُرضي الله ولو غضب ... الوالي!!
قال بأنّه تمهّل في إكمال ونشر كتابه الأخير وتريّث كثيراً في تسميته مُتردّداً بين عنوانين: رئيس قصر الجمهورية أو حارس قبر الجمهورية ولكنّه استقرّ على العنوان الثاني مبرّراً ذلك:
«إذا كان في ١٣ تشرين الأول ١٩٩٠ طُرِدٓ الجنرال من قصر بعبدا وأغْتُصٍبٓتْ شرعيّته السياسية من دون شرعيّته الشعبية، فهو في ٣١ تشرين الأول ٢٠١٦ قلب الأرقام والمُعادلة، فأعادوه فاقداً شرعيّته الشخصية في قطار إيراني برتبة حارس لا رئيس الى قصر يحوّله قبراً وجمهورية تسبح في عالم الممانعة ووطنٍ شعبه مقسّم وأرضه ساحة سائبة.. الجنرال السابق الذي "رُفِّعَ" الى الرئاسة، دَفَنَ حلم الجمهورية حتى قبل أن يكون مجرّدَ وكيل للمحتل ويتحالف مع مغتصِبيها فاستحق عضوية الانتساب الى "قافلة الوعد الصادق" للعودة إلى جنّة بعبدا ليبيع روح شعبه الذي سمّاه عظيماً إلى ذئاب وشياطين جهنم..."
إذاً، "الرئيس" صار "حارساً" والقصر بات قبراً والجمهورية جهنماً دون المرور بالمطهر... إنه عهد لا شبيه له بتاريخ الجمهورية...!

السيد الوالي!
كان الرئيس "بورقيبه" يُصغي إلى فقراء تونس ويعمل ما يستطيع وإذا عجز، بكى... المهم أنه كان يُصغي، يعمل ما يستطيع وإذا عجز بكى...!! فماذا نفعل بكلّ مسؤول لا يصغي ولا يفعل ولا... يبكي؟!

السيد الوالي!
أمام أحد الأفران، ركع مواطن فقير مُعْدٓمٌ رافعاً يديه نحو السماء، متوسّلاً: "إلهي، إلهي لماذا تركتنا؟ ما هذا الغضب الكبير؟ كيف جمعوا علينا، في وقت واحد، الوباء والبلاء وهكذا مسؤولين.."؟؟!! ما أضيق العيش لولا فسحة أمل ... التغيير!!

المصدر: Kataeb.org