الكتائب... ما هذه اللعنة!

الكتائب... ما هذه اللعنة!

كتب اسكندر خشاشو في النهار

قد يكون من غير المنطقي في هذه الأيام الحديث عن أي من الأحزاب والكيانات، خصوصاً أن هول الكارثة كبير جداً والخسائر بالأرواح أكبر من أي جهة أو حزب، لكن سأعتبرها قصة من آلاف القصص التي تلت الانفجار الكارثة وتحدث عنها الجميع.

غريب أمر هذا الحزب، وكأن الحرب والمتفجرات والقتل ترفض مفارقته، حتى في أوقات السلم والهدوء. لن أعود الى مراحله التاريخية، فالتاريخ والناس هم من يقيّمون ويحاسبون، إنما كانت لافتة الفاتورة الثقيلة التي دفعها بعد الانفجار الأخير، بخسارته 3 من قيادييه، إن كان على المستوى المركزي عبر أمينه العام نازار نجاريان، أو على مستوى القيادات الشبابية والمناطقية، وهنا أتحدث عن جو عقيقي وجو أندون اللذين استشهدا في مبنى الإهراءات في مرفأ بيروت.

خطوة الكتلة بالاستقالة نهار السبت كانت أقل الإيمان، أولاً تجاه اللبنانيين، وثانياً تجاه أنفسهم ورفاقهم الذين استشهدوا، وهي ليست المرة الأولى، التي تحرمهم فيها الانفجارات بعد الاستقلال الثاني في الـ2005 من دخول مجلس النواب. فبين عامي 2006 و2007 قضت الانفجارات أيام السلم على كتلة الكتائب التي كانت وقتها مؤلفة من نائبين (بيار الجميل، وأنطوان غانم)، وأبعدت الحزب عبر قتل نوابه عن المجلس، وبالأمس أيضاً خرجت كتلة الكتائب من مجلس النواب، وإن كانوا لا يزالون احياءً، لكن النتائج عليهم ربما تكون تشبه نكبات 2007 و2008.

في السنوات الأخيرة حاول الكتائب أن يثور على تاريخه "المثقل"، على الحرب والعسكرة، على بعض ما كان يسمى "الثوابت التاريخية" للحزب (رئاسة الجمهورية، القضاء)، واعتمد نهجاً مختلفاً يرتكز على القرب من قضايا الناس الاجتماعية، وقد ظهر ذلك جلياً في خطاب لم يعهده الكتائبيون من قبل، وما زال العديد من الكتائبيين لا يستوعبون هذا الخطاب الذي يهاجم موقع الرئاسة الماروني والرئيس المسيحي، أو النظام الاقتصادي الذي كانوا جزءاً في بنائه، وذهب جزء كبير منهم الى انتقاد الحزب الذي "تحول الى جمعية في المجتمع المدني"، ولكن رغم هذا ورغم الخسارة الكبيرة الشعبية الانتخابية التي لحقت بهم، وتحميل القيادة الحالية برئاسة سامي الجميل مسؤوليتها، وهذا ما دفع الحزب وقيادته الى إجراء مراجعة كبيرة، ودراسات معمقة، لم تؤدِّ الى التراجع عن النهج الحالي المعتمد، لكن تم اعتماد نهج جديد على المستوى الحزبي عمل على إعادة التنظيم وفتح قنوات الحوار مع الحزبيين وخصوصاً الممتعضين منهم، وجرى العمل على إعادة أسماء قديمة كان لها صيتها الذائع اثناء الحرب اللبنانية لتتسلم زمام الأمور خصوصاً في التنظيم الحزبي وهذا ما جرى مع فؤاد أبو ناضر ونازو (نزار نجاريان)، الذي بدوره تولّى الأمانة العامة بما يملك من خبرة واسم وتاريخ لدى المسيحيين بشكل عام ولدى الحزبيين بشكل خاص، وهذا بالفعل ما بدأ نجاريان العمل عليه بصمت منذ حوالي السنتين، والمقربون من الكتائب يعلمون ما قام به هذا الرجل، والعمل الذي أنجزه، فهو لم يترك بقعة واحدة من لبنان لم يزرها، تدخل شخصياً لحل أي إشكال شخصي بين كتائبيين، لم يترك الصيفي دقيقة واحدة، وبقي يتواصل مع الأقسام حتى ساعات متأخرة من الليل، ما يستطيع حله في مكتبه كان به، ما لم يستطع كان يتوجه إلى القرية أو المدينة لحله، جهد هائل بذل من قبل هذا الشخص، إضافة الى استعمال خبرته السياسية في التوجيه والتثقيف بدءاً من رئيس الحزب انتقالاً إلى الكتلة ونوابها، وليس انتهاءً بآخر حزبي في عكار أو في عين إبل، وكانت بدأت نتائج أعماله تظهر من خلال التغييرات الشاملة التي أجريت في الأقاليم في تموز الماضي وعودة الروح إلى أماكن كانت قد خسرتها الكتائب سابقاً.

هذا كله يدل على فداحة الخسارة التي منيت بها الكتائب في الانفجار الأخير، وفي هذا السياق لم تكن مفاجئة استقالة النواب التي لا بد من لفت النظر أيضاً إلى أنها كانت فعلاً كتلة ناشطة على المستوى التشريعي والعمل النيابي رغم صغرها، فكانت لا تخلو جلسة نيابية من مواقف صاخبة لهؤلاء او لجنة نيابية من المشاركة، وهم رغم قلة عددهم نجحوا في مرات عديدة من توقيف مقررات عبر الطعن بها وأثروا في قرارت اتخذها مجلس النواب، وكانت لهم العديد من مشاريع القوانين التي أصبحت سارية المفعول، ولكن بعيداً عن هذا كله لا بد من الإضاءة على البعد الشخصي للنواب الثلاثة، فرغم كارثية نديم في التعبير وعدم إجادته اللغة العربية رغم مرور سنوات طويلة على عيشه في لبنان فأبناء الأشرفية يعلمون جيداً كم هو مقرب منهم، ومتواجد بشكل دائم معهم في منازلهم وأفراحهم وأحزانهم، فكان التأثر الشخصي بفقدان اصدقاء وناس يعرفهم من أقوى الدوافع لديه للاستقالة بعيداً عن السياسة، وأيضاً بغض النظر عن الآراء بسامي الجميل، فكل من يعرفه بالشخصي يعرف انه مؤمن ببلده وامكانية التغيير وثائر على الموروثات رغم أنه ابنها، وعمل على قناعته منذ دخوله الحزب إلزامياً بعد وفاة شقيقه وحاول إلباس الحزب عباءة أفكاره وليس العكس، ويبقى في النهاية النائب الثالث وهو شاب ناجح في الأعمال ترك لبنان وتبوأ العديد من المناصب في شركات أجنبية ونجح في كل المراكز الذي تولاها، وتركها جميعها وعاد إلى لبنان إيماناً بوطنه فهو ليس وارثاً ولا رجل أعمال، كل ما يملكه هو هذا الايمان، وهو ما حاول العمل خلال فترة نيابته ولم يترك لحظة منطقته وناسه، وكان موجوداً على الأرض كما في المجلس، ولكن من تكلم معه في اليومين السابقين قدّر حالة اليأس التي ألمّت به وهي تشبه حالة شباب لبنان جميعاً.

 

المصدر: النهار