المركزيّة- جوزف أبو خليل...ذاكرة وطن في إنسان!

  • محليات
المركزيّة- جوزف أبو خليل...ذاكرة وطن في إنسان!

يحار الحبر عندما يسيل ليستعيد مسارات ويكتب قصص الوفاء... كيف لا وقد وجد الزمن من لا يكتفي بكتابة هذا النوع من القصص... بل يحفرها على الصخر و... في ذاكرة حزب ووطن.

هكذا هو القيادي الكتائبي العتيق جوزف أبو خليل الذي ارتأى له القدر أن يسدل الستارة على حياته المديدة في واحدة من أصعب مراحل تاريخ لبنان وحزب الكتائب. خسر "عمو جوزيف"، كما يلقبه الكتائبيون والمقربون إليه، فجر اليوم معركته الأخيرة مع موت جابهه حتى اللحظة الأخيرة، على حين غرة. لكن الكبار والأوفياء من طينته لا يتوقفون عند هذه التفاصيل الزمنية... حسبهم أن التاريخ سيذكرهم يوما فرسانا في الميدان السياسي وأبطال كتابة فصول كثيرة من حياة وطن ما انتظر منه أبناؤه إلا بعض الحياة والحرية وكثير من السيادة والاستقلال.

إنها معارك كبيرة وممهورة بالخطر والحياة والموت والسياسة... لكن جوزف أبو خليل ما خشي يوما هذا النوع من التحديات التي لا تليق إلا بالشجعان والمؤمنين بالله والوطن و... العائلة. متسلحا بهذا الشعار وبـ "تعاليم" صديق عمره، مؤسس حزب الكتائب بيار الجميل، كان هذا الرجل في صلب المواجهة في سبيل لبنان جديد ناضل له الكتائبيون كما آل الجميل، الذين وجدوا في أبو خليل سندا مهما وكنزا سياسيا وإنسانيا ثمينا، في لحظات الفرح، كما في منعطفات سود صفعهم بها القدر، فارتضوا وارتضى معهم أبو خليل شرب مرارة الكأس. فالهدف "السامي " واضح لا يحمل لبسا ولا ينتظر تفسيرا:  بالنسبة إلى الكتائبيين، الحزب مؤتمن على السيادة والاستقلال الذي شارك في صنعه في جزءيه الأول (  1943) والثاني (2005)، وكل التضحيات في سبيله .

لكن هذه الصورة لا يكمن أن تختصر مسيرة مديدة خطها جوزف أبو خليل بين بكفيا المتنية (معقل آل الجميل) والأشرفية، حيث أسس إذاعة صوت لبنان، والصيفي، حيث بيت الكتائب المركزي ... فالرجل أكثر من مسؤول حزبي وصحافي جريء ومفكر سياسي، وملهم أجيال من الحزبيين. إنه ذاكرة وطن في إنسان... وقد قل أن أعطيت بلاد هذا الامتياز في شخص. فالله لا يترك أوطانه يتيمة القامات، وإن ارتأت هذه الأخيرة البقاء في الظل، حيث النضال الأسمى والأجمل. في الظل وبعيدا من ضوضاء الاعلام والمنابر... رسم جوزف أبو خليل ذاكرة وطن لم يستسلم يوما للعنة الحروب.. إلى جانب ثلاثة أجيال من آل الجميل، فكان شريك المؤسس، ورفيق درب الرئيسين بشير وأمين الجميل والوزير الشهيد بيار الجميل، تلك "الفراشة التي غطت على وردة ذات ربيع وأطلق عليها أحدهم النار فجأة، على ما قال القيادي العتيق في مقابلة صحافية نادرة قبل نحو عامين.  بمرارة قلّب أبو خليل صفحات غياب بيار الجد والرئيس البشير وبيار شهيد الاستقلال الثاني وثورته المتحررة وابتسامته الجذابة.. لكنه بقي سندا للرئيس أمين الجميل و... ملاكا حيا حارسا لرئيس الحزب اليوم، النائب سامي الجميل... لا لشيء لأن الحياة استمرارية لا يمكن إلا أن تكتب بحماس الشباب وصدق الشجعان وأحفاد الأبطال، كالنائب الجميل... على ما يصفه أبو خليل نفسه.

قد يكون النائب سامي الجميل ومعه الكتائب تلقى ضربة هي الأقسى منذ استشهاد بيار الجميل في قلب المتن النابض. لكن الأهم أن لبنان خسر اليوم فارسا سياسيا نبيلا، قد يمر عمر كامل قبل أن نجد مثله في الساحة السياسية، وهي الآن في واحدة من أهم مراحل كتابة تاريخ سياسي حديث بدأت الكتائب الفصل الأول منه قبل 3 سنوات، تحت أنظار جوزف أبو خليل المليئة بالرضى والتي تنضح بحنان الأب وحكمة المفكر وشهامة الكبار ... حكمة لا شك في أنها سترافق الكتائب من علياء جوزف أبو خليل حيث الراحة المستحقة بعد طول نضال. كل ما في الأمر أنه جمع "حصاد الأيام" ورحل... وهو على يقين أن الله حجز له مكانا بين الملائكة الحارسة... لتكون عينه على الوطن والعائلة... قد تكون هذه هي حكمة الله، وهي تتجلى في لحظات الغياب...   

المصدر: وكالة الأنباء المركزية