النووي الإيراني... إغراءات تاريخية وإجراءات جيوسياسية

النووي الإيراني... إغراءات تاريخية وإجراءات جيوسياسية

كتب الاعلامي هادي جان بو شعيا:

"إذا لم ينفّذ الآخرون التزاماتهم بحلول 21 من الشهر الجاري ستضطر حكومة إيران لتعليق التنفيذ الطوعي للبروتوكول الإضافي للاتفاق النووي" بهذه الكلمات جدّدت الخارجية الإيرانية تهديداتها لأطراف الإتفاق وتحديدًا واشنطن التي خرجت منه في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، ولا تزال في عهد الرئيس الجديد جو بايدن تخطو ببطء نحو العودة.

مآلات التصعيد في الملف النووي الإيراني تزداد تشابكًا والطرفان المعنيّان مباشرة تراهما يترقّبان بعضهما الآخر للتنازل في النهاية.

في الواقع، وحسبما يرى أحد الديبلوماسيين الإيرانيين السابقين ان إيران باتت ملزمة الآن تنفيذ مقررات البرلمان الإيراني عندما اكّد على تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% واعادة إنتاج قلب المفاعل للماء الثقيل، وكذلك إلغاء البروتوكول الطوعي وليس الإلزامي الذي تطوعت به إيران لإثبات حسن نواياها والتعامل المنفتح مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فضلاً عن تفعيل أجهزة الطرد المركزي في مجمّع "فوردو" النووي.

في المقابل، حسب ما ورد في قرار مجلس الأمن الدولي رقم2231 المبرم عام 2015 الذي يرعى الإتفاق النووي، وبناء على ما جاء في المادتين 36 و37 أنه عندما تخرق أي دولة من الدول الموقعة على هذا الإتفاق، حينها يحقّ لإيران بأن تتعامل بالمثل، وربما هذه هي الخطوة الأولى اذ بات مؤكدًا انه بعد 21 شباط/فبراير الحالي لن يُسمح لمفتشي وكالة الطاقة الذرية الدخول إلى منشآت إيران النووية.

 

شروط وشروط مضادة

 

إزاء ذلك، تفيد وجهة نظر واشنطن أن الرئيس الأميركي جو بايدن أعلن أنه سينتهج سياسة الديبلوماسية القصوى ونذكّر هنا بمقاله الذي كتبه في صحيفة "فورين أفيرز" Foreign Affairs العام الماضي، حيث أعلن استعداده المطلق للعودة إلى الإتفاق أو بمعنى أدق إلى التفاوض، ولكن بشرط أن يتم التفاوض من جديد، نظرًا لدخول العديد من القضايا الأمنية الإقليمية التي استجدت وبات، نتيجة تضارب المصالح، اقحامها أساسيًّا في هذا الملف، بعدما تم اقصاؤها في العام 2015.

ويتساءل بعض المراقبين لماذا يضع بايدن هذه الشروط وهو أحد أكبر مهندسي الإتفاق النووي عندما كان نائبًا للرئيس باراك أوباما، فضلاً عن تعيينه روبرت مالي مستشار السياسة الخارجية السابق بإدارة أوباما، مبعوثًا خاصًا بالشأن الإيراني، وزاد على ذلك اختياره للدبلوماسيين المخضرمين المشاركين في الاتفاق النووي في 2015، مثل وزير الخارجية أنتوني بلينكين ومدير وكالة المخابرات المركزية ويليام بيرنز، الأمر الذي اعتُبر بيانًا قويًّا يعبّر عن حسن النوايا.

في الوقت نفسه، يدور في أميركا اليوم جدل واسع حول تهديد أمن إسرائيل، خصوصًا وأن هناك من يعيب على إيران سلوكها، منذ عقد الإتفاق النووي، الذي يتهدّد أمن إسرائيل. ولعلّ اغتيال الجنرال قاسم سليماني أتى بمثابة ردّ أميركي مباشر على إيران مفاده أن أي سوء تقدير لعزم الولايات المتحدة تجاه حماية إسرائيل يترتّب عليه تبعات مؤلمة.

 

دعوات مشروطة

 

في المقلب الآخر، تشير وجهة النظر الإيرانية إلى أن هناك فرقًا شاسعًا في ما يتعلّق بمعالجة المشكلة بين طهران وواشنطن سواء لناحية الخروج الأميركي الأحادي من الاتفاقية وفرض حدًّا أقصى من العقوبات شكّلا انتهاكًا قانونيًّا فاضحًا حسب تصريحات أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

بالإضافة إلى قرار محكمة العدل الدولية في لاهاي، مطلع الشهر الجاري، الذي صبّ في مصلحة الإيرانيين، بعدما رفعت إيران إليها شكوى في 2018 حول الخروج الأحادي الأميركي وفرض عقوبات اقتصادية بلغت حدودها القصوى، ما اعتبره الإيرانيون نصرًا تاريخيًّا لهم.

كما تكشف أوساط إيرانية رغبتها في معالجة الملف النووي ورفضها زجّ ملفات أخرى مثل الصواريخ الپاليستية وأمن إسرائيل وقضايا حقوق الإنسان وكل ما يتعلّق بحضور إيران في المنطقة. وترى أنه يجب على بايدن، إذا ما توافرت النوايا الحسنة للعودة إلى الإتفاق، رفع العقوبات والرجوع إلى طاولة المفاوضات.

ويؤكد الجانب الإيراني أن الموضوع دخل في متاهات "البازارات" السياسية ولم يتقدّم خطوة واحدة إلى الأمام سواء من قبل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي وتحديدًا فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

 

طموحات دفينة

 

نظرة تاريخية قد تغيب عن ذاكرة كثيرين وهي عهد الشاه الإيراني في السابق والذي يمثّل العهد الأول للبرنامج النووي الإيراني، حيث كانت الولايات المتحدة الأميركية من وضعت اللبنة الأولى للبرنامج النووي الإيراني التي تحاول الآن إيقافه بأي ثمن!

لعلّ استخدام الأميركيين القنابل النووية للمرة الأولى في اليابان، خطوة ساهمت في وضع حدٍّ لحرب عالمية طاحنة أودت بملايين الأرواح، وشكّلت منعرجًا أرادوا بعدها نشر هذه القوة الفتّاكة في العالم لكن على شكل طاقة للأغراض السلمية من خلال برنامج الذرة من أجل السلام. وللمفارقة كانت إيران من أوائل الدول التي شملها هذا البرنامج.

ففي عهد الشاه علي رضا بهلوي حصل الإيرانيون على مساعدة الأميركيين في إطلاق برنامجهم النووي عام 1957. وتمكنّوا في السنوات اللاحقة من إنهاء بناء اوّل مفاعل نووي في بوشهر عام 1978.

لكن قيام الثورة الإسلامية بقيادة الخميني والإطاحة بالشاه أطاح ايضًا بحلم ايران في دخول نادي القوى النووية. حتى الخميني نفسه أفتى بتحريم السلاح النووي. لكن في خضم الحرب مع العراق أعاد الإيرانيون حساباتهم وأحييوا فكرة برنامج نووي خاص بهم، بل وحصلوا على مساعدة صينية وروسية ذات الصلة في تسعينيات القرن الماضي.

بعدما مارست الولايات المتحدة ضغوطًا قصوى على كل من يتعامل مع إيران معتبرةً ان المفاعل النووي في بوشهر هي من يمتلكه ويعود إليها الحق في الخروج من الإتفاق متى شاءت، بعدما هددت الألمان الذي كانوا اوّل المبادرين تجاه إيران للمساعدة في تطوير المفاعل النووي وتعرضت على إثرها لتهديدات أميركا كذلك الأمر بالنسبة لفرنسا التي أتت بعرض مشابه للعرض الألماني وباء بالفشل نتيجة الضغوط الأميركية وكان آخرها اليابانيون الذي عرضوا فكرة دخوله من باب الشراكة؛ إلا أن الأمر لاقى المصير ذاته لما تجرّعتاه كل من ألمانيا وفرنسا.

 

إجراءات جيوسياسية

 

وبعد الألفية الثانية، وخصوصًا بعد تولي محمود أحمدي نجاد الرئاسة في إيران، بدأ البرنامج النووي الإيراني يثير انتقادات دولية واتهامات لطهران بسعيها لامتلاك سلاح نووي، خصوصًا مع بدء إيران آنذاك بتخصيب اليورانيوم ما أدخلها في مواجهة مع قوى غربية على رأسها الولايات المتحدة. حتى وإن لم تتحوّل إلى مواجهة عسكرية فعلية، بل والتوصّل إلى نزع فتيلها في مرحلة ما.

عادت التوترات مجددًا، ولكن بعد أن أصبح لإيران مفاعلات نووية تعمل، بل وأصبحت باعترافها قادرةً على تخصيب ما يكفي من اليورانيوم ليضعها في الطريق الصحيح لإنتاج قنابل نووية كما يقول منتقدوها.

فهل أيقظ الأميركيون في الإيرانيين رغبة امتلاك النووي ذات يوم لتنقلب ضدّهم الآن؟!

في الختام، كان الهدف خلف هذه المقاربة التاريخية تظهير وجهات النظر الأميركية المتقلّبة، بغض النظر عن إداء إيران، حيث باستطاعتها إقناع العالم وتحديدًا حلفاءها لاعتبارات ومصالح اقتصادية وسياسية وجيوسياسية بحقوق إيران أو سواها امتلاك النووي من عدمه، سواء لأهداف سلمية أو لتطوير سلاح نووي بما يتناسب وخارطة توجّهاتها في المنطقة، وبما يتماشى ومصالح إسرائيل الطفل المدلّل للدولة الأميركية العميقة أيًّا كان الرئيس الذي يدير دفّة الحكم.

المصدر: Kataeb.org

popup close4 august