انخفاض أسعار النفط: وداعاً لتقنين الكهرباء؟

  • إقتصاد
انخفاض أسعار النفط: وداعاً لتقنين الكهرباء؟

نتظر الدول انخفاض أسعار النفط لتستغلّ الوفر لخفض تكاليف الإنتاج، وتالياً خفض أسعار السلع والخدمات التي تقدّمها لمواطنيها. لكن الكهرباء بالنسبة للكثير من الدول، ليست ضمن الحسابات، لأنها خدمة قائمة من دون عقبات، ولا يشغل المواطنون بالهم حيال الانتقال بين كهرباء الدولة وكهرباء المولدات الخاصة.

 

لبنان، كما دول قليلة في العالم، يقلق مواطنوه بشأن الكهرباء، رغم آلاف الوعود التي أُطلِقَت ومليارات الدولارات التي صُرِفَت لتأمينها. ومع كل ذلك، يأمل البعض أن يُسرّع انخفاض أسعار النفط عالمياً، عملية إصلاح قطاع الكهرباء وتأمين التغذية بمعدلات أعلى.
أزمة عالمية
سجّل النشاط الاقتصادي العالمي تباطؤاً، وزاد انتشار فيروس كورونا من التباطؤ، دافعاً بالاقتصادات الدولية إلى حد خفض الطلب على النفط، فانخفضت الأسعار وسط وفرة المعروض، إلى 30 دولاراً للبرميل.

وبعيداً عن نقاش العرض والطلب ومحاولات خفض الانتاج لتعديل الكفّة بين الكميات المُنتَجَة ومعدلات الطلب، فإن انخفاض الأسعار يخدم بعض الجهات، انسجاماً مع مقولة "مصائب قوم عند قوم فوائد". وهو تماماً ما يفترض بلبنان استغلاله لإجراء بعض التعديلات في قطاع الكهرباء، وعلى رأسها زيادة ساعات التغذية بعد موجة مستمرة من التقنين في أغلب المناطق، وذلك قبل توصل الدول المنتجة للنفط إلى اتفاق بشأن الكميات المطروحة في الأسواق، فحينها قد يضيّع لبنان فرصة الاستفادة من أزمة عالمية.
شراء الفيول
يرتبط معدل التغذية بالتيار الكهربائي بشكل أساسي، بتوفير الفيول، وبعد ذلك يتم الانتقال للحديث عن ضعف شبكات النقل والتوزيع، وكذلك المولدات القديمة الموجودة في المعامل، والتي تؤدي إلى استحالة انتاج كهرباء بكميات كافية أو إيصال الكميات المتوفرة إلى المواطنين. وفي جميع الأحوال، أكثر ما يُقلق حيال تأمين الكهرباء، هو النقص في الفيول، والذي تحول إلى مادة للسجال السياسي بين قوى السلطة، التي يريد بعضها تأمين الفيول لضمان استمرار التغذية وإن كانت مقننة، شرط استمرار تغذية مشاريع جانبية مثل مشروع بواخر الطاقة، وبين من يتذرّع بحرصه على المال العام، لعدم إقرار سلفات خزينة لتأمين الفيول لصالح مؤسسة كهرباء لبنان.

في غمرة السجالات، تتفق أطراف السلطة على إقرار سلفات خزينة لشراء الفيول، من دون الاهتمام بإمكانية المؤسسة على تسديد قيمة السلفات، فتتراكم الديون على المؤسسة، وتتحول إلى ديون ترهق كاهل الدولة، التي تدفع وزارة ماليتها الأموال من دون التأكد من قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على سدادها. وهو ما يخالف نص المادة 20 من قانون المحاسبة العمومية.
إمكانية الاستفادة
تشتري الدولة لمؤسسة كهرباء لبنان، الفيول اللازم لإنتاج الكهرباء، عبر سلف خزينة متكررة لا تكفي لسد كامل حاجة المؤسسة. وتلك الكميات تتحدد حسب حجم السلفة. فمع ارتفاعها تزداد الكمية، ومع انخفاضها، تنحسر ويتهدد لبنان بمزيد من التقنين. وهو ما حصل مطلع العام الجاري حين طال وقت الموافقة على السلفة، فأعلنت وزيرة الطاقة في حكومة تصريف الأعمال، ندى البستاني، أن "كمية الفيول المتوفرة تكفي حتى آخر شهر شباط 2020". وبهذه الكمية، ستحظى بيروت الإدارية بتغذية "بين 16 إلى 21 ساعة، وباقي المناطق بين 8 إلى 10 ساعات".

وعلى عكس ذلك، ومع تراجع سعر النفط، بات أمام مؤسسة الكهرباء فرصة لزيادة ساعات التغذية عبر زيادة كمية الفيول المستورد. لكن الاستفادة مشروطة باستمرار الانخفاض على ما هو عليه، ما يسمح للبنان بالتفاوض مع شركات النفط لتأمين كميات أكبر بالقيمة المالية للسلفات. أما خارج هذه السياق، فهناك استحالة للاستفادة. وأولى الخطوات في هذه المجال، يجب أن تتم باتجاه فتح نقاش مع الجزائر التي تبيعنا الفيول عبر شركتها الوطنية "سوناطراك". أما في حال عودة السعر إلى الارتفاع في وقت لاحق، ولو بنسبة ضئيلة، فسيصب ذلك في صالح الجزائر التي نستورد منها الفيول بنسبة 85 بالمئة، وفي صالح الكويت التي نستورد منها الغاز أويل بنسبة 15 بالمئة. فالتذبذب بالسعر قد يعني إمكانية ارتفاعه إلى ما كان عليه قبلاً، وبالتالي لن تُغامر الشركات بإبرام عقود مع لبنان وفق السعر الأدنى. وعليه، على لبنان الترقّب والتحضير لإعداد اتفاقيات قد يحين موعد توقيعها في أي وقت.
ضمان الاستفادة من انخفاض أسعار النفط، تقتضي التخلّص من تعقيدات حركة الفساد في لبنان. فقطاع النفط يشهد احتلالاً من قِبَل شركات تتبع مباشرة لمسؤولين سياسيين، أو بشكل غير مباشر عبر نافذين محسوبين عليهم. وهذا الاحتلال يُقلل شراء الفيول من شركة سوناطراك، لصالح شركات متعددة بحسب التحاصص السياسي. وهذا ما يحرم الدولة من امكانية التفاوض مع الجزائر فيما لو تقرر تعديل العقود تماشياً مع خفض الأسعار.

المصدر: المدن