بيار الجميّل...وفي الساحات الثائرة يُفتقد الفارس!

  • محليات
بيار الجميّل...وفي الساحات الثائرة يُفتقد الفارس!

أن تحمل اسم زعيم كبير وتجد نفسك في قلب المعترك السياسي، حاملا المشعل والارث والأمانة، لا يكفيان لتحجز لنفسك مكانا في سجل سياسي ووطني عابق بالقامات والهامات و... الشهداء. بل إن هناك ما يتجاوز الانتماءات العائلية والأقدار، إلى ما قد يكون أبلغ وأسمى: النضال في سبيل وطن يليق بناسه ومستقبل أبنائه الذين لم يتوانوا عن رسم لوحة وطنهم بدمائهم وأرواحهم، في بلاد ما انفك قدرها الأسود يصفعهم بضربات "حمراء" بلون الحرية والسيادة والاستقلال و... الثورة.

لا أحد يشك في أن الوزير الشهيد بيار الجميل، الذي تطوي الرزنامة السياسية اللبنانية اليوم عامها الثقيل الثالث عشر على غيابه، كان واحدا من هؤلاء. فالتاريخ، عندما يلتقي اللبنانيون على توحيده، كما التقوا في ميادين ثورتهم المتحررة من كل القيود قبل 36 يوما، سيحفظ بالتأكيد لبيار الجميل مكانا بين حنايا صفحاته.  وهذا أقل واجبات وطن حر تجاه شاب مقدام وفارس شجاع، ارتضى لنفسه أن يكون "فراشة غطت على وردة ذات ربيع، وأطلق عليها أحدهم النار فجأة". بهذه الكلمات وصف القيادي الكتائبي العتيق جوزف أبو خليل، الجميل بعيد استشهاده في قلب المعقل الكتائبي الأول، قضاء المتن، عشية عيد الاستقلال. صحيح أن توصيف أبو خليل هذا لا يخلو من العواطف المتولدة من مسار طويل جمعه بالشهيد حامل اسم جده، مؤسس الكتائب بيار الجميل، وأمانة الوالد الرئيس أمين الجميل وإرث الرئيس بشير الجميل.

لكن الصحيح أيضا أن هذا الوصف يحمل بين طياته إشارات لا تحتمل جدالا ولا تحتاج تفسيرا إلى شجاعة الوزير الشهيد الذي لا يمكن إلا أن يقترن اسمه بساحة الشهداء، التي حولها، مع سابقيه ولاحقيه على درب البطولة وفخر الاستشهاد، إلى ساحة الحرية. فهي لا تزال تردد بين أرجائها صدى خطاباته الثائرة التي ما عرفت إلا الحرية مطلبا والايمان بلبنان وقضاياه السامية شعارا، فتحول بما لا يرقى إليه شك صوتا صارخا في برية الصمت والخنوع، يحض الشباب على كسر الحواجز الطائفية والمذهبية، والاقدام على مواجهة محاولات الاسكات والقمع، سعيا إلى بلاد ذات استقلال ناجز تليق بتضحيات أبنائها وطموحهم.

وهنا تماما مكمن القيمة المضافة التي تكتسبها هذا العام الذكرى الـ 13 لغياب الجميل، صاحب الكاريزما اللافتة والابتسامة الساحرة، التي حفرت عميقا في وجدان الشباب اللبناني، ممن وجدوا في وزير الصناعة السابق قائدا لا يخشى أن يخوض مع الناس المعارك الكبرى، بوصفها حقا بديهيا، وإن غلت التضحيات ومهرت بالدم...

إنطلاقا من هذا الايمان بالشباب ودورهم المركزي وحقهم في رسم مستقبلهم، كان بيار الجميل أحد أبرز قادة ثورة الاستقلال الثاني، الذي تحقق بإخراج الوصاية السورية من لبنان بعد ثلاثة عقود من الممارسات القمعية والدموية. لكن هذه المعركة لم تكن الوحيدة التي خاضها الجميل الابن، الوالد لشابين حرمهما حنان الأب، في مواجهة سوريا وحلفائها المحليين. بل إنه التقط باكرا إشارات مخيفة إلى محاولات وضع اليد على حزب الكتائب، ودفعه إلى الابتعاد عن المبادئ السيادية التي ارتكزت إليها "الصخرة الكتائبية" منذ العام 1936. فكسب مع والده، والقيادي جوزف أبو خليل، وكثير من الكتائبيين المخضرمين معركة إعادة توحيد الحزب، ودفعه مجددا إلى الصفوف الأمامية في حلبة النضال الذي خبرته الصيفي على مر الزمن، منذ الاستقلال حتى اليوم، مرورا بالعام 2005...  لكن هذه لم تكن نقاط الضوء الوحيدة التي تركها بيار الجميل في نفق لبنان الطويل. فالذاكرة الجماعية اللبنانية تعترف له بدوره الريادي في حض الناس على تشجيع الصناعة الوطنية من خلال شعاره الشهير "بتحب لبنان... حب صناعتو"، الذي حوله أبرز وزراء الصناعة في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية المدمرة.

بعد 14 عاما على إنجاز الاستقلال الثاني، عاد الثوار إلى الساحات.... إلى حيث حفر بيار الجميل اسمه بصوته.. وشجاعته وإقدامه. لكنهم هذه المرة عادوا من دون بيار الجميل.. لم يرد القدر والمجرمون له أن يشهد الاستقلال الثالث، عن الفساد والمحسوبيات وسلطة الخطايا، يتحقق بإرادة لبنانية صرفة. لكن الله لا يترك ناسه وأوطانه من دون عزاء يبلسم جرح غياب من "عشق أن يقاوم برغم التهديد"، على ما قال الجميل يوما.. ذلك أن هناك من يحمل اليوم مشعل بيار في الميدان السياسي، وهذه حال شقيقه  النائب سامي الجميل، كما في ساحات الحراك، وهي حال الثوار... ففي لبنان لا تعني الشهادة نهاية حياة الفرسان... بل بداية فصل جديد من حياة وطن يحرسه الشجعان ويصلي له الأبطال، لتزدهر شهادتهم ورودا بيضاء بلون السلام والأمان... يوما ما... 

المصدر: وكالة الأنباء المركزية