ترسيم الحدود ينقذ لبنان أو يشعل حربه

ترسيم الحدود ينقذ لبنان أو يشعل حربه

تضيق هوامش الألعاب البهلوانية العشوائية اللبنانية المتناقضة أكثر فأكثر. تتدحرج أحجار الدومينو بسبب الخلافات، وقد تتكاثر الإطاحة بالمزيد منها.

خطوة استقالة مدير عام وزارة المالية، ميشال بيفاني، أسبابها كثيرة. وستكون لها تداعيات سلبية على الموقف اللبناني أمام المجتمع الدولي وصندوق النقد. الاستقالة نجمت عن خلافات كبيرة بين القوى اللبنانية المفاوضة مع الصندوق: خلافات حول تحديد أرقام الخسائر. واتهام بيفاني مباشرة بالتسبب بها، وغضب الرئيس نبيه برّي منه واستياءه من تصرفاته. فأرسل برّي موقفاً مباشراً برفضه الاستمرار بطريقة العمل هذه. وهناك أيضاً غضب رئيس الحكومة حسان دياب من قول رئيس المجلس إنه لا يمكن الركون إلى آراء بعض المستشارين. بقي برّي على موقفه. هكذا على ما يبدو اضطر بيفاني للاستقالة. وهناك من يخشى من احتمال التمسك به حتى الإطاحة بحاكم مصرف لبنان، ليعين بيفاني حاكماً للمصرف المركزي.

وجهة نظر أخرى تخالف وجهة النظر هذه، وتعتبر أن الاطاحة بسلامة أصبحت مستحيلة بعد الضغوط الأميركية. وإذا لم يُقنع بيفاني بالعدول عن الاستقالة فقد يغادر لبنان. لكن اللافت هو تغريدة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة يان كوبيتش معتبراً أن استقالة بيفاني هي خسارة للبنان. الأمور تحتاج إلى مزيد من الوقت لتظهر خفايا الاستقالة أكثر وتبعاتها وما سيليها. لكن هناك معلومات عن استقالات أخرى كثيرة مطروحة ومتداولة في الكواليس
الضغوط المستمرة 
يبقى هذا تفصيلاً مقارنة بالضغوط الخارجية المستمرة. فإذا كانت الاستقالات تعبير عن خلافات داخلية، فهذه الخلافات مرشّحة للتزايد والتفاقم مع استمرار الضغط الخارجي، وخصوصاً بعدما قررت إسرائيل التنقيب في المنطقة المقابلة للبلوك رقم 9.

يهدف هذا القرار إلى تطويق الدولة اللبنانية واستدراجها إلى التفاوض، وعدم انتظار بدء المفاوضات الإيرانية الأميركية. وهذا ما يرفضه حزب الله. والضغط يستهدف مباشر العلاقة بين حزب الله ورئيس الجمهورية. وقد سارعت رئاسة الجمهورية إلى الاعتذار من السفيرة الأميركية، لإثبات تمايز الرئاسة عن حزب الله، خشية التعرض لعقوبات أميركية.
شقاق بين عون وحزب الله؟
يضيق هامش المناورة لدى رئاسة الجمهورية ورئيس التيار العوني جبران باسيل أكثر فأكثر، كلما اشتد الضغط الأميركي. وبعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية سارعت بعض الدوائر اللبنانية لتهيئة الأجواء لبدء المفاوضات مع الأميركيين والإسرائيليين لترسيم الحدود. انطلقت الفكرة من قناعة تقول إن مجرد الإعلان عن نية البدء بالترسيم، يخف الضغط ويستطيع لبنان التنفس. وقد يحصل على مساعدات مالية.

وكانت المحاولة تتركز على سحب ملف التفاوض من الرئيس نبيه برّي ليتسلمه رئيس الجمهورية ميشال عون. رُفض المسعى، وحزب الله رفض المفاوضات تحت الضغط، معتبراً أنه لا بد من الصمود والتحمل.

تأتي الخطوة الإسرائيلية لتضاعف الضغط على لبنان، وتزرع الشقاق بين الحليفين اللذين اتفقا على هذا الملف، وسلّم الجميع بأنه في يد برّي. اليوم يريد عون تسلّم الملف. وهذا سيترك ندوباً في العلاقة بين الطرفين. وستستمر محاولات إخفاء الخلافات القابلة للانفجار بينهما. وعدم تحقيق أي تقدم على هذا الصعيد، يضيق هوامش المناورة، الأمر الذي يدفع عون وباسيل إلى مزيد من المواقف المتمايزة عن حزب الله، لأنهما يريان أن مستقبلهما مع الأميركيين. فوجههما وقلبهما وعقلهما هناك، وكذلك وجدان بيئتهما وجمهورهما.

وإذا استمر الأفق بالانسداد، وبدأ الإسرائيلي بالتنقيب في شهر أيلول المقبل، فإن ذلك سينذر بتصعيد عسكري. 

 

المصدر: المدن