تصنيف لبنان كفنزويلا والسودان واليمن: إفلاس سيجلب الحروب

  • إقتصاد
تصنيف لبنان كفنزويلا والسودان واليمن: إفلاس سيجلب الحروب

انتقل لبنان في عام 2019، من درجة المخاطر الائتمانية المرتفعة إلى المخاطر الائتمانية المرتفعة جداً. واحتل، وفق مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، المرتبة 137 عالمياً من أصل 180 دولة يقيسها المؤشر. ومع تدهور الأمور هذا العام أكثر فأكثر، صنّفت مجلة "يوروموني"، المجلة الرائدة في عالم الأعمال البنكية العالمية وأسواق رأس المال، لبنان في المرتبة 164 بين 174 دولة في العالم، وذلك في مسحها الفصلي عن مخاطر الدول للعام 2020. ما يدفع البلاد إلى المستويات الخمسة التي تشمل أسوأ مخاطر التخلف عن السداد في العالم، ويضعها على قدم المساواة مع اليمن وفنزويلا والسودان في تصنيفات المخاطر العالمية.

يقيَّم مسح مجلة "يوروموني"، المخاطر التي تواجه دولة ما بتحديد وزن لكل من الفئات الست التالية: المخاطر السياسية، والأداء الاقتصادي، وسهولة الحصول على التمويل المصرفي والولوج إلى أسواق رأس المال، ومؤشرات الديون، والتصنيفات الائتمانية، والتقييم الهيكلي. وقد جاءت نتائج المسح لتشير بانحدار مرتبة لبنان أكثر من 13 نقطة هذا العام، بدرجة 22/100 وأكثر من 22 نقطة خلال العقد الماضي، وهذا يسلط الضوء على تراجع البلاد على المدى الطويل.

قبل وقوع الانفجار الكبير في مرفأ بيروت، وتفشي جائحة كورونا، توقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي في لبنان بنسبة 12 في المئة هذا العام، مع ارتفاع التضخم إلى 17 في المئة واتساع العجز المالي إلى 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

 وقد خلقت كارثة بيروت أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية وإنسانية، زادت من المخاوف الموجودة مسبقاً بشأن الفساد والفشل المؤسسي واستقرار العملة والمالية العامة للدولة والمدفوعات الحكومية، حيث تضرر أكثر من نصف المدينة، وقُتل ما لا يقل عن 171 شخصاً. 
القطاع الصحي
تشير الخبيرة اللبنانية في إدارة مخاطر المؤسسات المالية، رفاه طوبيا فرح، التي شاركت في المسح الذي نشرته المجلة، بأن قطاع الرعاية الصحية، الذي كان يعاني بالفعل بسبب الأزمة الاقتصادية والارتفاع الكبير في عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، قد تأثر بشدة. وبصورة دراماتيكية، حول الانفجار الوضع الصعب القائم بالفعل في هذا القطاع إلى فوضى كاملة. وتسبب بتدمير مستشفيين رئيسيين بالقرب من المرفأ نُقل المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج فيهما إلى منشآت صحية أخرى كانت مثقلة بسرعة التدفق المتزايد للمرضى، وعانت من نقص الإمدادات.

وتضيف: "إضافةً إلى ذلك، من المتوقع أن تزداد عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد في البلاد في الأسابيع المقبلة، مدفوعةً بالتفاعلات الهائلة بين المصابين من الانفجار والأطباء والطاقم الطبي، من دون اتخاذ تدابير وقائية بسبب حالة الطوارئ".

من جهته، يعلق فادي حدادين، الخبير الاقتصادي في جمعية السياسة الخارجية الأميركية، على ما آلت الأمور في لبنان، بالقول "واصل لبنان التعامل مع حقائقه السياسية والاقتصادية على أساس توازن هش بين سماسرة السلطة المحليين. مع الفشل في سداد الديون الخارجية، وانهيار العملة والاحتياطيات الأجنبية، والتضخم المفرط وتداعيات فيروس كورونا، فإن انفجار بيروت سيزيد الأمور سوءاً".
ثلث السكان بلا عمل
بدوره، يقول ريتشارد عبد الله، محلل مخاطر السوق المقيم في بيروت، في حديثٍ مع المجلة، بأن إجمالي الأضرار الناجمة عن الانفجار يمكن أن يتجاوز بسهولة 15 مليار دولار. معتبراً أنه يتم تمرير حوالى 73 في المئة من إجمالي التجارة سنوياً عبر ميناء بيروت. ما يتُرجم إلى خسارة كبيرة في قيمة الواردات التي لا يمكن تسليمها، والصادرات التي لم يعد من الممكن شحنها.

أضاف "بلغت قيمة إجمالي الصادرات من مرفأ بيروت 1.4 مليار دولار في 2019 و533 مليون دولار حتى أيار 2020. إضافةً إلى ذلك، يحتوي المرفأ صومعة الحبوب الرئيسية في البلاد، والتي تستوعب حوالى 85 في المئة من القمح والحبوب في لبنان، وتُستخدم في توفير الخبز، وهو غذاء رئيسي لمعظم الأسر اللبنانية. بالنسبة لدولة تستورد معظم احتياجاتها، بما في ذلك 80 في المئة من المواد الغذائية، فإن خسارة المرفأ تشكل ضربة كبيرة. ويمكن القول أن آلاف الشركات ستعاني وسيصبح أكثر من ثلث السكان عاطلين عن العمل". 
معضلة إعادة الإعمار
نظراً إلى الانكماش الكبير في الإنتاج والانخفاض الهائل في سعر الصرف الموازي، قد يتقلص الناتج المحلي الإجمالي اللبناني، حسب المجلة، بأكثر من 20 في المئة. يترافق ذلك مع تجميد الجهات المانحة الرسمية الدعم المالي بشكل أساسي بسبب الفشل المتكرّر للطبقة السياسية (الممثلة في البرلمان والحكومة) في تنفيذ الإصلاحات، بما في ذلك اقرار مجلس النواب لقانون استقلالية القضاء، تعيين هيئة ناظمة لقطاع الكهرباء ومجلس إدارة لمؤسسة الكهرباء وقانون المشتريات العامة.

وبينما تجري الحكومة اللبنانية محادثات مع صندوق النقد الدولي لمحاولة تأمين حزمة إنقاذ بمليارات الدولارات. أدت الخلافات المستمرة حول تقييم الدولة للخسائر والإحجام عن إجراء إصلاحات إلى عدم تحقيق أي تقدم ملموس. وعن هذه النقطة تحديداً، يقول ريتشارد عبد الله: "لبنان، الذي كان يُعرف سابقاً باسم سويسرا الشرق الأوسط ، قد يواجه القليل من التعاطف عندما يلجأ إلى الدائنين للحصول على التمويل لإعادة إعمار بيروت ومعالجة الأزمة المتفاقمة. الأموال المطلوبة ستتجاوز بكثير مبلغ 298 مليون دولار من المساعدات الإنسانية التي تعهدت بها حتى الآن عدة دول ومنظمات دولية".

إلى ذلك، يشدد فادي حدادين، على أن أي مؤتمر دولي مقبل يسعى إلى حشد المساعدة المالية لدعم احتياجات لبنان الأساسية، بما في ذلك الغذاء والدواء، وحماية قطاعاته الأساسية مثل الصحة والتعليم، وتعزيز جهود إعادة الإعمار، قد يساعد في المدى القصير. ويستطرد قائلاً "لكننا في عصر لم تعد فيه المعجزات متاحة".
صورة قاتمة
يرسم حدادين في معرض شرحه عن ظروف لبنان الراهنة، صورةً قاتمة، مشيراً إلى أنه مع دخول لبنان مرحلة الإفلاس المالي والاضطرابات الاجتماعية والتفلت الأمني، من شأن ذلك أن يؤدي إلى ثلاثة احتمالات: حرب أهلية لا تنتهي، وتدخل عسكري لقوات محلية، مثل الجيش أو ميليشيات تحظى بدعم شعبي، أو التدخل العسكري لقوة إقليمية، أو قوات دولية مثل تدخل الأمم المتحدة أو حلف الناتو.

ويضيف حدادين أن الانفجار المدمر سيدفع أيضاً التفكك الداخلي إلى "نوع من الحلقة المفرغة"، ويرجع ذلك أساساً إلى النزاع بين مختلف الأطراف حول الهوية اللبنانية. مؤكداً أن استمرار لبنان في سلوك هذا المسار الانحداري التدريجي نحو الدولة الفاشلة، سيكون له أيضاً تداعيات على بلاد الشام والبحر الأبيض المتوسط ​​والمنطقة الأوسع.

وتابع "ستصبح البلاد مصدراً كبيراً للأزمات الإنسانية والنازحين واللاجئين، ما يعرض استقرار النظام في الدول المجاورة للخطر، إن لم تصبح عامل مزعزع للنظام الاجتماعي الإقليمي".

وفي ختام تقريرها الفصلي، توصي المجلة الشعب اللبناني بأن يأمل ويصلي ألا تصل البلاد لهذه السيناريوهات الكارثية المذكورة آنفاً، حيث أن الوقت ينفد ويجب على المستثمرين قياس ما إذا كانت لديهم شهية كافية للمخاطرة.

 

المصدر: المدن