تقرير مالي اقتصادي مفصّل: سبعة خيارات أمام لبنان

  • إقتصاد
تقرير مالي اقتصادي مفصّل: سبعة خيارات أمام لبنان

قام مصرف لبنان قبل أيام بتسديد كامل قيمة سندات اليوروبوندز، التي استحقت نهاية تشرين الثاني، بقيمة إجمالية تبلغ 1.58 مليار دولار، بالإضافة إلى فوائد تبلغ حوالى النصف مليار دولار.

 

لكن مع نفاد الأموال بسرعة في البلاد، وفي غياب أي قدرة واضحة على سن الإصلاحات، وبغياب الحلول السياسية وخطط إصلاح هدر الأموال في مؤسسات الدولة، ومكافحة الفساد، وعدم الاستجابة لمطالب الشارع.. دخلت الدولة اللبنانية فعلياً في فترة الريبة، وتعريفها قانونياً "الفترة الواقعة بين تاريخ التوقف عن الدفع وتاريخ صدور حكم الإفلاس". وفي هذا الإطار تطرح مجلة "يوروموني" (2 كانون الأول الحالي) سبعة خيارات يجب أن تُتبع في لبنان.

 

تخفيض إجمالي الدين
يحتاج لبنان، حسب المجلة، إلى تخفيض إجمالي ديونه العامة، والتي تبلغ حوالى 85 مليار دولار؛ مع الركود السياسي والاقتصادي المستمر. إذ أن إعادة الهيكلة هي الخيار الوحيد. ويقُدر الدين الخارجي بنحو 190 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018.

يقول أحد المستثمرين في لندن، للمجلة، إن سياسة مصرف لبنان المتمثلة في الاستمرار في سداد التزامات السندات، قد ينظر إليها بشكل إيجابي من قبل المستثمرين الدوليين، لكنها في الوقت نفسه تقنن الدولارات لاستيراد المعدات الطبية والمواد الغذائية الأساسية. وهذا يشكل خطراً كبيراً. ويضيف إنها مسألة وقت فقط قبل أن يواجه لبنان صعوبات بتسديد مدفوعات سندات اليوروبوندز.

أي اتفاق مع صندوق النقد الدولي سيتطلب من لبنان تخفيض التزاماته على الديون. وهي الطريقة الوحيدة التي يعتبرها المحللون الاقتصاديون قادرة على ضمان إعادة ضبط سياسية واقتصادية كاملة تحتاجها البلاد. والجدير بالذكر، أن هذا الأمر قد يتخذ شكل إعادة هيكلة أو اقتطاع على حاملي السندات.

دخلت أوكرانيا في عام 1999 بأزمة مماثلة، وبعد إعادة هيكلة ديونها، عادت في عام 2015، إلى الأسواق الدولية باعتبارها تملك أفضل سندات بالدولار الأميركي أداءً خلال ذلك العام. المسألة الأخرى هي أن 80 في المئة من ديون سندات اليوروبوندز تحتفظ بها المؤسسات المحلية، وهذا يعني أن فرض اقتطاع على السندات سيكون "هدفاً خاصاً"، يشل النظام المصرفي في البلاد في سياق مماثل لما حدث في اليونان. وهنا يقول أنتوني سيموند، مدير الاستثمار في "أبردين ستاندرد إنفستمنتس" بأن القطاع المصرفي سيكون مدمراً إذا قامت الدولة بإعادة هيكلة سندات اليوروبوندز.

إصلاح النظام المصرفي
وفقاً لمعهد التمويل الدولي، عانت المصارف اللبنانية من انخفاض إجمالي ودائعها بمقدار 10 مليارات دولار منذ نهاية آب الماضي. وتعليقاً على هذا الموضوع يقول غابريس إيراديان، كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعهد التمويل الدولي: "ينبغي على السلطات اللبنانية الاتفاق على تدابير قوية لمكافحة التهرب الضريبي، وتحسين عمليات تحصيل الإيرادات والخصخصة وما إلى ذلك، بدلاً من إعادة هيكلة الديون".

من جهته، يقول تيم آش، الخبير الاقتصادي الاستراتيجي في "بلوباي" أن النظام المصرفي يحتاج إلى إصلاح جذري، لأن المصارف لم تعد تخدم الغرض الأساسي المتمثل في نقل المدخرات إلى الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي.

وكتب آش في مذكرة في تشرين الأول الماضي، أن النظام المصرفي في الوقت الحاضر يبدو في الواقع جزءاً من المشكلة، وليس الحل. ففي حين أن الخسائر قد تضرب المصارف بشدة، إلا أن هناك تدابير يمكن للحكومة اتخاذها لتقليل التأثير، كسؤال المساهمين عن حقوقهم في أسهم الرساميل. موضحاً في الآن عينه أنه يتعين على الحكومة إصدار السند الذي يمكن وضعه على جانب الأصول في الميزانية العمومية لأي بنك.

ضوابط رأس المال
سيستمر مصرف  لبنان، حسب المجلة، في العمل كمصدر للسيولة الحكومية. لكن المحللين يحذرون من أن احتياطيات العملات الأجنبية تتضاءل، وأنه على الرغم من التوجيه القوي للحاكم رياض سلامة، فإن المصرف المركزي لن يكون قادراً على دعم احتياجات البلاد إلى أجل غير مسمى.

يعلق غابريس إيراديان في حديث مع المجلة على هذه النقطة قائلاً "إذا رأينا حالة من عدم اليقين السياسي لفترة طويلة من الزمن، تحول دون وصول أي دعم مالي من المجتمع الدولي في الأشهر القليلة المقبلة، فإن الوضع الاقتصادي قد يتدهور أكثر. وقد تنخفض احتياطيات العملات الأجنبية بوتيرة سريعة".

وتنصح المجلة بأخذ ملاحظات معهد التمويل الدولي، عن اعتماد ضوابط رأس المال، على محمل الجد. إذ يمكنها أن تعزز الاستقرار المالي، إذا تمت إدارتها بشكل جيد، مؤكدةً أن هذه الضوابط يجب أن تُدعم بأساسيات الاقتصاد الكلي القوية والمؤسسات الموثوقة.

صندوق النقد الدولي
مع عدم وجود حكومة، والحاجة الماسة للإصلاح والتكيف المالي المستمر، يمكن للبنان الاستفادة من برنامج صندوق النقد الدولي. ومع ذلك تقول المجلة، أن الصندوق سيحتاج إلى رؤية شكل من أشكال الاستقرار السياسي قبل أن ينخرط في المساعدة.

يقول مصدر في صندوق النقد الدولي، للمجلة، أنه إذا أرادت الدولة اللبنانية إجراء تغييرات كبيرة، فسيكون ذلك أسهل مع برنامج صندوق النقد الدولي. لم يجرِ الصندوق بعد أي مناقشة حول السياسات، ولم يطلب من السلطات اللبنانية البدء في البرنامج، إلا أن زيارة جيري رايس، مدير الاتصالات في صندوق النقد الدولي، بيروت، في أيلول الماضي، تضمنت مناقشات فنية حول هذا الموضوع.

يجادل بعض المحللين بأن لبنان لن يكون قادراً على الوصول إلى مصادر التمويل الأخرى من دون برنامج صندوق النقد الدولي. وفي السياق، يقول مايكل دوران، من شركة "بيكر ماكنزي"، وهي شركة قانونية عالمية، إن الدائنين لن يرغبوا بالطبع في تقديم المزيد من المال لبيروت. ومع عدم وجود حكومة للتفاوض معها، قد يكون من الصعب تأمين برنامج للمساعدة. ويضيف قائلاً "صندوق النقد الدولي يريد أن يعرف من الذي يتفاوض ويتعامل معه، والتأكد من قبول الدعم من قبل القيادة السياسية في البلاد ومتابعته، فضلاً عن فرض إجراءات تقشفية قاسية قد لا يحبذها الشعب".

تعويم الليرة اللبنانية
بينما يُنظر إلى ربط الدولار بالعملة المحلية على أنها سمة مميزة للاستقرار الاقتصادي، وسبب رئيسي وراء استمرار المغتربين الأغنياء في إرسال الأموال إلى الوطن، ترى المجلة إن عملة لبنان قوية بشكل مصطنع.

يلاحظ المحللون أن صندوق النقد الدولي قد يصر على أن تقوم السلطات اللبنانية بتخفيض قيمة الليرة، كشرط مسبق لأي اتفاق، لكن ديفيد ليبتون، النائب الأول للمدير الإداري للصندوق، قال في وقت سابق من هذا الشهر، في حديث مع المجلة: "لا نطلب من أي بلد أن يعتمد سعر صرف ثابت أو سعر صرف عائم، إنه خيارهم".

يتفق معظم الخبراء على أن تخفيض قيمة العملة بشكل جزئي هو أمر حتمي، لتحفيز النمو الاقتصادي. وبالنظر إلى النسبة الكبيرة من ديون العملات الأجنبية، فإن تخفيض قيمة العملة سيؤدي إلى تفاقم مشكلة ديون الحكومة. ويقول صندوق النقد الدولي إن الصدمة الحقيقية لانخفاض القيمة بنسبة 30 في المئة ستزيد الدين الخارجي إلى أكثر من 300 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

البحث عن دعم
في الماضي، قدمت دول الخليج والدول الأوروبية مساعدات للبنان. أما اليوم فيبدو هذا الأمر مستعصياً. إذ أن الوضع السياسي في لبنان معقد، مع التأثير الكبير لحزب الله، ورفض المملكة العربية السعودية وحلفائها تقديم أي دعم للحزب المدعوم من إيران.

لذلك تنصح المجلة في البحث عن دعم من دول أخرى، حيث أن الدائنون في مؤتمر سيدر حريصون على رؤية المزيد من الاستقرار، أو دعم صندوق النقد الدولي قبل تقديم أي التزامات أخرى.

الإصلاح الهيكلي الجذري والحكم القوي
أما آخر الخيارات التي تحدثت عنها المجلة بشكل مقتضب، فتتمحور حول حاجة لبنان إلى حكومة قوية لسن الإصلاحات الهيكلية اللازمة، لإعادة توحيد نظام اقتصادي وسياسي كامل.

المصدر: المدن